بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 101

دم وضع دماؤنا دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل ، وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه ربا عباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء ، فإنما أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، وإن لكم عليهن أن لا يؤطين فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وأنتم مسؤلون عني فما أنتم قائلون ؟

قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت.

فقال بإصبعه السبابة فرفعها الى السماء وينكتها الى الناس : اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، اللهم اشهد.

ثم أذن بلال بنداء واحد وإقامة فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، لم يصل بينهما شيئاً ، ثم ركب حتى وقف ، فجعل بطن ناقته القصواء الى الصخيرات ...

ـ وفي سنن الدارمي : ٢ / ٦٧

عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال : لما كان ذلك اليوم قعد النبي صلى الله عليه وسلم على بعير ، لا أدري جمل أو ناقة ، وأخذ إنسان بخطامه ، أو قال بزمامه

فقال : أي يوم هذا ؟

قال فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه.

فقال : أليس يوم النحر ؟

قلنا : بلى.

قال فأي شهر هذا .... الخ.

الأساس الأول : المساواة الإنسانية

لا نطيل في هذا الأساس لوضوحه ، وقد تقدمت عدة فقرات تتعلق به في نماذج النصوص من خطبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.


صفحه 102

الأساس الثاني : وحدة الأمة الإسلامية

وقد روى المسلمون فقرات الخطب التي تتعلق بالمبادئ الخمس الأولى من هذا الأساس بكثرةٍ وحفظوها وكرروها ، حتى ليتصور الإنسان لأول وهلة أنها الموضوع الوحيد في خطب حجة الوداع !

والسبب في ذلك : أن المجتمع العالمي كان في عصرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلممجتمع تمييز حاد على أساس قومي وقبلي وطبقي .. كما أنه كان مجتمع ( قانون الغلبة والقوة ) فالغالب على حق دائماً ، سواء كان حاكماً ، أو قبيلة ، أو فارساً ، أو صعلوكاً .. لأنه استطاع أن يقهر الآخرين ، أو يغزوهم ويقتلهم ويسرق أموالهم ، أو يغصبها منهم عنوةً ، أو يحتال عليهم بحيلة !

فجاءت تشريعات الإسلام لتلغي ذلك كله ، وتعلن تساوي الناس أمام الشرع ، وتحرم كل أنواع الإعتداء على الحقوق الشخصية ، وتركز احترام الإنسان وملكيته وكرامته.

فالأمر الذي جعلهم يحفظونها أكثر من غيرها من كلمات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، هو إعجاب المسلمين المؤمنين بها ، وكونها تمثل الحل لمشكلة الغزو والقتل التي كانوا يعانون منها في الجاهلية القريبة.

وقد كان لهذه التوجيهات بصيغها الإلهية والنبوية البليغة ، تأثيرٌ كبيرٌ على مجرى احترام الإنسان وماله وعرضه ورأيه بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، إذ لولاها لساء وضع مجتمع المسلمين أضعافاً مضاعفة عما وصل اليه من سوء ، ولعادت النظرة الى الإنسان والتصرف معه الى الحالة الجاهلية مئة بالمئة !!

والملاحظ بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمأن أكثر الناس احتراماً للإنسان وحرياته المشروعة ، هم عترته وأهل بيته الطاهرون ، فعليعليه‌السلامهو الحاكم الوحيد بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمالذي لم يستعمل قانون الطوارئ أو الأحكام العرفية ، ولا أي قانون استثنائي ، حتى مع


صفحه 103

خصومه والممتنعين عن بيعته ، بل حتى في حالات الحرب .. مع أنه ابتلي بثلاثة حروب استوعبت مدة خلافته كلها !

بينما استعمل أبو بكر وعمر منطق القوة والقهر في السقيفة ضد الأنصار ، وهموا بقتل سعد بن عبادة ، ثم هاجموا الممتنعين عن بيعتهم وهم مجتمعون في بيت علي وفاطمةعليهم‌السلام، وكانوا في تعزية بوفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم! بل روي أن جنازته كانت مسجاةً لم تدفن بعد ! وهددوهم بإحراق البيت عليهم إن لم يخرجوا ويبايعوا ! ولما تأخروا عن الخروج أشعلوا النار في الحطب وأحرقوا الباب .. الخ. !!

* *

وأما المبدأ السادس من هذا الأساس ( من قال : لا إله إلا الله فقد عصم ماله ودمه ) فقد جاء في رواية تفسير علي بن ابراهيم القمي بصيغة ( وإني أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ). وهو مبدأ له ثلاثة أبعاد :

الأول : أن من أعلن الشهادتين من أي دين أو قبيلة كان فهو مسلم ، يحرم ماله ودمه وعرضه ، إلا إذا انطبقت عليه مواد الفئة الباغية ، أو المفسد في الأرض ، أو قتل أحداً عمداً ، أو ارتد عن الإسلام ، أو زنى وهو محصن ...

الثاني : أن أهل الكتاب مستثنوْن من هذه القاعدة ، والموقف منهم في الحرب والسلم حسب أحكام التعايش الإسلامية الخاصة بهم.

الثالث : أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمأشهد أمته أنه تقيد في الجهاد بأمر ربه عز وجل ، ولم يتعداه .. فمهمته في الجهاد إنما كانت على تنزيل القرآن ، وتحقيق إعلان الشهادتين فقط ، أي لتكوين الشكل الكلي للأمة ، ولم يؤمر بقتال المنحرفين ، أو الذين يريدون أن ينحرفوا من المسلمين ، لأن ذلك قتالٌ على التأويل ، يكون من بعده ، لا في عهده.

* *


صفحه 104

وأما المبدأ السابع ( ختام النبوة بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموختام الأمم بأمته ) فقد ورد في رواية مجمع الزوائد المتقدمة وغيرها ( فقال لا نبي بعدي ، ولا أمة بعدكم ، فاعبدوا ربكم ، وأقيموا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وأطيعوا ولاة أمركم ، ثم ادخلوا جنة ربكم ).

وهو مبدأ هيمنة شريعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمعلى شرائع الأنبياء السابقينعليهم‌السلام..وردُّ مدعي النبوة الكذابين ، الذين ظهر بعضهم في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وظهر عددٌ منهم بعده.

كما أنه يعطي الأمة الإسلامية شرف ختام أمم الأنبياءعليهم‌السلام، ويلقي عليها مسؤولية هذه الخاتمية في هداية الأمم الأخرى.

وقد حدد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلملهم الخطوط العامة بعبادة الله تعالى والصلاة والصوم وإطاعة ولي الأمر .. ولكن لا يبعد أن الراوي نقل ما حفظه من كلامهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمونسي بعضه كالزكاة والحج.

ومن الملاحظ في هذه المبدأ وجود فريضة إطاعة ولي الأمر على لسان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموإذا أوجب الله تعالى إطاعة أحدٍ بدون شروط ، فمعناه أنه معصومٌ لا يظلم ولا يأمر ولا ينهى إلا بالحق .. وبما أن النص النبوي لم يذكر شروطاً لإطاعة أولي الأمر ، فيكون مقصوده الإثني عشر إماماً المعينين من الله تعالى ، الذين بشر الأمة بهم.

* *

وأما المبدأ الثامن ( شهادة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمعلى الأمة في الآخرة ، وموافاتها له على الحوض ) فقد ورد في مصادر متعددة كما مر ، وفي بعضها ( ألا وإني فرطكم على الحوض وأكاثر بكم الأمم ، فلا تسودوا وجهي ) وفي بعضها ( وإني مكاثرٌ بكم الأمم ، فلا تقتتلن بعدي ) وهو أسلوبٌ نبوي فريدٌ في التأكيد على الأمة في وداعها ، بأنها ستوافي نبيها بين يدي ربها ، ويكون كل فردٍ منها بحاجة ماسةٍ الى أن يسقى من حوض الكوثر ، شربةً لا يظمأ الإنسان بعدها أبداً ، ويصلح بها بدنه لدخول الجنة.

فهذا التوجيه منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمكمثل أبٍ يقول لأولاده : إعملوا بوصيتي ، فإني مسافرٌ عنكم ، وسوف أرجع اليكم وآتي بأموالٍ كثيرة ، وتكونون في حالة فقرٍ شديدة ، وسأعرف من يعمل بوصيتي منكم ، ومن يخالفني !


صفحه 105

وأما المبدأ التاسع ( تحذير الأمة من محقرات الأعمال ) ففيه إلفاتٌ الى قاعدة مهمة في السلوك الفردي والإجتماعي ، وهي أن الإنحراف يبدأ بأمر صغير ، أو أمور تبدو بسيطة ، يحتقرها الإنسان ولا يراها مهمةً في ميزان التقوى .. وإذا بها تستتبع أموراً أخرى ، وتجره الى هاوية الهلاك الأخروي ، أو الدنيوي !

وهو أمرٌ مشاهد سواءً في حالات الهلاك الفردي أو الإجتماعي ..

فقد يتسامح المسلم في النظر الى امرأة أجنبية تعجبه ، ويتسامح في الحديث معها ، ثم في التصرف .. حتى ينجر أمره الى الفاحشة !

وقد يتسامح في اتخاذ صديق سوء ، ولا ينصت الى صوت ضميره الديني ، ونصح ناصحيه .. حتى يغرق معه في بحر ظلمه للناس ، أو بحر انحرافه ورذيلته !

وقد تتسامح الأمة في اعتداء الأجانب عليها ، أو في نفوذهم السياسي ، أو الإقتصادي أو الثقافي في بلادها .. فينجر الأمر الى تسلطهم على مقدراتها ، وسيطرتهم عليها !

أو يتسامح المجتمع في مظهر من مظاهر الفساد والمنكر أول ما يحدث في محلة أو منطقة منه ، أو في فئة من فئاته ..

أو يتسامح المجتمع في شروط حاكمه ، ووزرائه وقضاته ، أو في ظلمهم وسوء سيرتهم .. فينجر ذلك الى شمول الفساد في المجتمع ، وتسارع هلاكه !

فالمحقرات من الذنوب هي المواقف أو التصرفات الصغيرة ، التي تكون في منطق الأحداث والتاريخ بذوراً غير منظورة ، لشجرة شرٍّ كبيرة ، على المستوى الفردي أو الإجتماعي !!

وبهذا ورد تفسيرها عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمفي مصادر الطرفين ..

ـ ففي الكافي ٢ / ٢٨٨ ، عن الإمام الصادقعليه‌السلامقال : إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمنزل بأرض قرعاء ، فقال لأصحابه : إئتوا بحطبٍ ، فقالوا : يا رسول الله نحن بأرضٍ قرعاء ما بها من حطب ! قال : فليأت كل إنسانٍ بما قدر عليه ، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه ، بعضه على بعض ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: هكذا تجتمع الذنوب ، ثم قال : إياكم والمحقرات


صفحه 106

من الذنوب ، فإن لكل شيء طالباً ، ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم ، وكل شيء أحصيناه في إمام مبين. انتهى.

ـ وفي سنن البيهقي : ١٠ / ١٨٨

عن عبد الله بن مسعودرضي‌الله‌عنهأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إياكم ومحقرات الأعمال ، إنهن ليجمعن على الرجل حتى يهلكنه ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلاً ، كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة فحضر صنيع القوم ، فجعل الرجل يجئ بالعويد ، والرجل يجىَ بالعويد ، حتى جمعوا من ذلك سواداً ، ثم أججوا ناراً ، فأنضجت ما قذف فيها. انتهى.

وهذان الحديثان الشريفان ناظران الى التراكم الكمي للذنوب والأخطاء المحقرة ، وكيف تتحول الى خطر نوعي في حياة الفرد والمجتمع.

وقد يكون الحديثان التاليان ناظرين الى التراكم الكيفي في نفس الإنسان والمجتمع ، وشخصيتهما ..

ـ ففي الكافي : ٢ / ٢٨٧

عن الإمام الصادقعليه‌السلامقال : اتقوا المحقرات من الذنوب ، فإنها لا تغفر ! قلت : وما المحقرات ؟ قال : الرجل يذنب الذنب فيقول : طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك !

ـ وفي سنن ابن ماجة : ٢ / ١٤١٧

عن عائشة قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة إياك ومحقرات الأعمال ، فإن لها من الله طالباً. في الزوائد : إسناده صحيح ، رجاله ثقات. انتهى. ورواه الدارمي : ٢ / ٣٠٣ ، وأحمد : ٦ / ٧٠ و ١٥١

ومن القواعد الهامة التي نفهمها من هذا التوجيه النبوي : أن الشيطان عندما ييأس من السيطرة على أمة في قضاياها الكبيرة ، يتجه الى التخريب والإضلال عن طريق المحقرات ! ( ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبداً ، ولكن سيكون له طاعةٌ في بعض ما تحتقرون من أعمالكم ، فيرضى بها ( سنن ابن ماجة : ٢ / ١٠١٥ )


صفحه 107

فقد كان الإسلام الذي أنزله الله تعالى ، وبناه رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمصرحاً كبيراً وقلعةً محكمة ، يئس الشيطان من قدرته على هدمها ، فاتجه الى إقناع شخص من أهلها بسحب حجر واحدٍ صغير من جنب الجدار ، ثم حجرٍ آخر .. وآخر .. حتى يفرغ تحت الأساس فينهار الصرح على من فيه !

ومن الأمور الملفتة التي وردت في التوجيه النبوي في رواية علي بن ابراهيم أن إطاعة الشيطان في محقرات الذنوب عبادةٌ له ، فالذين يبدؤون بالإنحراف في مجتمع ، إنما يعبدون الشيطان ولا يعبدون الله تعالى ، وهم بدعوتهم الى انحرافهم يدعون الأمة العابدة لله تعالى الى عبادة الشيطان .. ( ولكنه راض بما تحتقرون من أعمالكم ، ألا وإنه إذا أطيع فقد عبد ! ).

كما أن شهادة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمبأن الشيطان راض بما تحتقرون من أعمالكم ، شهادةٌ خطيرة يخبر بها عن ارتياح الشيطان من نجاحه في مشروعه في إضلال الأمة ، وهدم صرحها عن طريق المحقرات .. وهو ينفع في تفسير قوله تعالى :ولقد صدق عليهم ابليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين. سبأ ـ ٢٠

أما أهل البيتعليهم‌السلامفقد اعتبروا أن طمع الأمة بالسلطة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموصراعها عليها ، كان أعظم المحقرات التي ارتكبتها بعد نبيها .. ففي بحار الأنوار : ٢٨ / ٢١٧ عن الإمام الباقرعليه‌السلامقال في تفسير قوله تعالى :ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناسقال : ذلك والله يوم قالت الأنصار : منا أميرٌ ومنكم أمير ! انتهى.

* *

وأما المبدأ العاشر ( تحذير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلممن الكذب عليه ) فقد ورد في روايتي أحمد المتقدمتين وغيرهما ، ووردت فيه أحاديث كثيرة مشددة في مصادر الشيعة والسنة ، تدل على أن هذه المشكلة كانت موجودة في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وأنه أخبر بأنها ستزداد من بعده ، ويكثر الكذابون عليه !


صفحه 108

والمتأمل في هذه المشكلة ينفر من هؤلاء الكذابين ، لأن عملهم عملٌ شيطاني من شأنه أن يشوه الإسلام ويزوره ، ويمنع وصوله الى الأجيال .. خاصة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلملم يكن مأموراً بفتح جبهة داخلية مع أصحابه أبداً ، ولم يؤمر بفضح هؤلاء الكذابين ولا بمعاقبتهم على كذبهم الماضي أو الآتي !!

فهل يكفي في معالجة المشكلة تحذير الكذابين ، وتحذير الأمة منهم ؟!

من الواضح أن ذلك العلاج لا يؤثر إلا تقليل حجم المشكلة الكمي ، ولذا فإن تصريح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمبوجودها ، وإخباره باستمرارها وتفاقمها بعده ، دليلٌ على أنه وضع لها بأمر ربه الحكيم ، علاجاً كافياً ..

وقد كان العلاج وجوب عرض أحاديثه التي تروى عنه على الثقلين اللذين تركهما في الأمة وأوصاها بهما .. فكل حديث خالف كتاب الله تعالى فهو زخرفٌ باطل ، يستحيل أن يكون صادراً من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، لأنه لا يقول مايخالف القرآن .. وكل حديث يخالف ما ثبت عن عترته الذين هم مع القرآن ، فهو باطلٌ أيضاً لأنهم مع القرآن دائماً ، ولأنهم ورثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموالمبينون علومه للأمة من بعده.

الأساس الثالث : وحدة شريعة المسلمين وثقافتهم

وقد وردت مبادئ هذا الأساس في فقرات متعددة من خطب حجة الوداع ، ذكرنا منها أداء الأمانة وتشريعات الإرث والديات والحج .. ويوجد في الخطب الشريفة تشريعاتٌ أخرى أيضاً.

ومن الواضح أن العامل الأساسي في وحدة ثقافة الأمة الإسلامية على اختلاف بلادها وقومياتها ، هو وحدة عقيدتها وشريعتها .. وأن كل الدول والحضارات لم تستطع أن تحقق بين الشعوب التي شملتها ماحققه الإسلام من وحدة في التصور والسلوك ، ما زالت قائمة الى اليوم بين شعوبه ، رغم كل العوامل المضادة !