كما ورد في مصادر الفريقين أن هذا الحديث جزءٌ مما كان مكتوباً في صحيفة صغيرة معلقة في ذؤابة سيف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمالذي ورَّثه لعليعليهالسلام.. فقد رواه البخاري في صحيحه : ٤ / ٦٧ ، ومسلم : ٤ / ١١٥ ، و ٢١٦ ، بعدة روايات ، والترمذي : ٣ / ٢٩٧ .. ورواه غيرهم أيضاً ، وأكثروا من روايته ، لأن الراوي ادعى فيه على لسان عليعليهالسلامأن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلملم يورث أهل بيته شيئاً من العلم ، إلا القرآن وتلك الصحيفة المعلقة في ذؤابة السيف !!
وقد وجدنا أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأطلق هذه اللعنة في مناسبة رابعة ، عندما كثر طلقاء قريش في المدينة ، وتصاعد عملهم مع المنافقين ضد أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلموقالوا : ( إنما مثل محمد في بني هاشم كمثل نخلة نبتت في كبا ، أي مزبلة ) فبلغ ذلك النبي فغضب ، وأمر علياً أن يصعد المنبر ويجيبهم !!
ـ فقد روى في بحار الأنوار : ٣٨ / ٢٠٤
عن أمالي المفيد ، عن محمد بن عمر الجعابي ، عن ابن عقدة ، عن موسى بن يوسف القطان ، عن محمد بن سليمان المقري ، عن عبد الصمد بن علي النوفلي ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن الأصبغ بن نباتة قال :
لما ضرب ابن ملجم لعنه الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام، غدونا نفر من أصحابنا أنا والحارث وسويد بن غفلة ، وجماعة معنا ، فقعدنا على الباب ، فسمعنا البكاء فبكينا ، فخرج إلينا الحسن بن علي فقال : يقول لكم أميرالمؤمنين : انصرفوا الى منازلكم ، فانصرف القوم غيري فاشتد البكاء من منزله فبكيت ، وخرج الحسن وقال : ألم أقل لكم : انصرفوا ؟ فقلت : لا والله ياابن رسول الله لا تتابعني نفسي ولا تحملني رجلي أنصرف حتى أرى أمير المؤمنينعليهالسلام.
قال : فبكيت ، ودخل فلم يلبث أن خرج فقال لي : أدخل ، فدخلت على أميرالمؤمنينعليهالسلامفإذا هو مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء ، قد نزف واصفر وجهه ، ما أدري وجهه أصفر أو العمامة ؟ فأكببت عليه فقبلته وبكيت.
فقال لي : لا تبك يا أصبغ ، فإنها والله الجنة.
فقلت له : جعلت فداك إني أعلم والله أنك تصير الى الجنة ، وإنما أبكي لفقداني إياك يا أمير المؤمنين. جعلت فداك حدثني بحديث سمعته من رسول الله ، فإني أراك لا أسمع منك حديثاً بعد يومي هذا أبداً ، قال :
نعم يا أصبغ : دعاني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلميوماً فقال لي : يا علي انطلق حتى تأتي مسجدي ، ثم تصعد منبري ، ثم تدعو الناس إليك ، فتحمد الله تعالى وتثني عليه وتصلي عليَّ صلاةً كثيرة ، ثم تقول :
أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم ، وهو يقول لكم : إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي على من انتمى الى غير أبيه أو ادعى الى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره.
فأتيت مسجده وصعدت منبره ، فلما رأتني قريش ومن كان في المسجد أقبلوا نحوي فحمدت الله وأثنيت عليه ، وصليت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمصلاةً كثيرةً ، ثم قلت :
أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم ، وهو يقول لكم : ألا إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي ، على من انتمى الى غير أبيه ، أو ادعى الى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره.
قال : فلم يتكلم أحدٌ من القوم إلا عمر بن الخطاب ، فإنه قال : قد أبلغت يا أبا الحسن ، ولكنك جئت بكلامٍ غير مفسر ، فقلت : أُبْلِغُ ذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
فرجعت الى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفأخبرته الخبر ، فقال : إرجع الى مسجدي حتى تصعد منبري ، فاحمد الله وأثن عليه وصل علي ، ثم قل :
أيها الناس ، ما كنا لنجيئكم بشيء إلا وعندنا تأويله وتفسيره ، ألا وإني أنا أبوكم ألا وإني أنا مولاكم ، ألا وإني أنا أجيركم. انتهى.
وقد وجدنا لهذا الحديث مناسبة خامسة أيضاً ، فقد روى فرات بن ابراهيم الكوفي في تفسيره / ٣٩٢ قال : حدثنا عبد السلام بن مالك قال : حدثنا محمد بن موسى بن
أحمد قال : حدثنا محمد بن الحارث الهاشمي قال : حدثنا الحكم بن سنان الباهلي ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح قال : قلت لفاطمة بنت الحسين : أخبريني جعلت فداك بحديث أحدث ، واحتج به على الناس.
قالت : نعم ، أخبرني أبي أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمكان نازلاً بالمدينة ، وأن من أتاه من المهاجرين عرضوا أن يفرضوا لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمفريضة يستعين بها على من أتاه ، فأتوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلموقالوا : قد رأينا ما ينوبك من النوائب ، وإنا أتيناك لتفرض فريضة تستعين بها على من أتاك.
قال : فأطرق النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمطويلاً ثم رفع رأسه فقال : إني لم أؤمر أن آخذ منكم على ما جئتم به شيئاً ، إنطلقوا فإني لم أؤمر بشيء ، وإن أمرت به أعلمتكم.
قال : فنزل جبرئيلعليهالسلامفقال : يا محمد إن ربك قد سمع مقالة قومك وما عرضوا عليك ، وقد أنزل الله عليهم فريضة :قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى.
قال فخرجوا وهم يقولون : ما أراد رسول الله إلا أن تذل الأشياء ، وتخضع الرقاب ما دامت السماوات والأرض لبني عبد الطلب.
قال : فبعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمالى علي بن أبي طالب أن اصعد المنبر وادع الناس إليك ثم قل : أيها الناس من انتقص أجيراً أجره فليتبوأ مقعده من النار ، ومن ادعى الى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار ، ومن انتفى من والديه فليتبوأ مقعده من النار.
قال : فقام رجلٌ وقال : يا أبا الحسن ما لهن من تأويل ؟ فقال : الله ورسوله أعلم. فأتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمفأخبره ، فقال رسول الله : ويلٌ لقريشٍ من تأويلهن ، ثلاث مرات ! ثم قال : يا علي انطلق فأخبرهم أني أنا الأجير الذي أثبت الله مودته من السماء ، ثم أنا وأنت مولى المؤمنين ، وأنا وأنت أبوا المؤمنين. انتهى.
* *
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
البحث الرابعحاجة الأنبياء عليهم السلام في تبليغ رسالاتهم الى حماية الناس
ارتكب المنظرون للخلافة القرشية من المحدثين والمفسرين ، خطأين أساسيين في تفسير آية التبليغ ، فشوهوا بذلك معناها :
الخطأ الأول ، في مفهوم تبليغ الأنبياءعليهمالسلامومنهم نبيناصلىاللهعليهوآلهوسلم.
والخطأ الثاني ، محاولتهم إخفاء واقع قريش بعد الفتح ، وإبعاد الآية عنها ، وأن يصوروا للمسلمين أن قريشاً المشركة منجم الفراعنة وأتباعهم ، قد تحولت بين عشية وضحاها ، الى قبيلة مسلمةٍ مؤمنةٍ تقيةٍ ، تقود الناس بالإسلام والهدى !
معنى التبليغ في القرآن
مفهوم التبليغ في القرآن مفهومٌ بسيط ، فتبليغ الرسل يعني بيانهم الرسالة الإلهية للناس .. ثم الناس بعد ذلك مختارون في أن يقبلوا ، أو يتولوا ، وحسابهم على الله تعالى ، وليس على أنبيائه !
ومن هذا الأساس العميق تتفرع عدة مبادئ :
أولاً : أن النبي يحتاج الى ضمان حرية التعبير عن الرأي ، لكي يتمكن من إيصال رسالة ربه الى العباد وإبلاغهم إياها. وقد كان ذلك مطلب الأنبياءعليهمالسلامالأول من أممهم.
ثانياً : مهمة الأنبياءعليهمالسلامهي التبليغ فقط ( الإبلاغ ) حتى أن الجهاد لم يكن مفروضاً على أحد من الأنبياء قبل ابراهيمعليهمالسلاموقد فرضه الله تعالى عليه وعلى الأنبياء من ذريته ( وكل الأنبياء والأوصياء بعده من ذريته ) من أجل إزاحة العقبات المانعة من التبليغ ، أو رد اعتداءات الكفار على الذين اختاروا الدين الالهي وإقامة حياتهم على أساسه.
ثالثاً : لا إكراه في الدين ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .. فينبغي أن يبقى قانون الهداية والإضلال فعالاً ، والقدرة على عمل الخير والشر متوفرة.
رابعاً : الهدف من الإبلاغ هو إقامة الحجة لله على عباده ، واضحة كاملة تامة .. حتى لا يقولوا يوم القيامة : لم يقل النبي لنا ، لم يبلغنا ذلك ، لم نعرف ذلك ، وكنا عنه غافلين. فإقامة الحجة في الدين الالهي محورٌ أصلي دائم في عمل الأنبياءعليهمالسلامسواء على مستوى الكافرين ، أو على مستوى أممهم المؤمنين بهم.
فالمهم عند النبيعليهالسلامأن يوصل العقيدة والأحكام الى الناس .. أن يقول لهم ، ويبين لهم ، ويوضح لهم ويفهمهم .. وبذلك يقيم الحجة لربه عز وجل .. وبذلك يؤدي ما عليه ، ويسقط المسؤولية عن عاتقه.
أما استجابتهم أو تكذيبهم .. وأما عملهم وسلوكهم ، فهو شأنهم وليس النبي مسؤولاً عنه ، بل هو من اختصاص الله تعالى.
قال الله تعالى :قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. الأنعام ـ ١٤٩
وأدلة هذه الحقائق التي ذكرناها كثيرة ، من آيات القرآن وأحاديث السنة ، نشير منها الى ما ذكره الله تعالى من قول نوحعليهالسلام:أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم ، وأعلم من الله ما لا تعلمون. الأعراف ـ ٦٢
وقول شعيبعليهالسلام:فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين. الأعراف ـ ٩٣
وقول هودعليهالسلام:فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً إن ربي على كل شيء حفيظ. هود ـ ٥٧
وقوله تعالى عن مهمة جميع الرسل الذين بعثهمعليهمالسلام:
فهل على الرسل إلا البلاغ المبين. النحل ـ ٣٥
قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا البلاغ المبين. يس ١٦ ـ ١٧
ولا يتسع المجال لاستعراض مفاهيم التبليغ وأحكامه في القرآن والحديث ، فهي أجزاء مشرقة من ( نظرية متكاملة ) نشير منها الى أنه تعالى وصف دينه وقرآنه بأنه بلاغ فقال :هذا بلاغٌ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب. ابراهيم ـ ٥٢
وقال إنه بلاغ يشمل الأجيال الآتية التي يَبْلُغها الإسلام :
قل أي شيء أكبر شهادةً ؟قل الله شهيد بيني وبينكم ، وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ. الأنعام ـ ١٩
وأثنى تعالى على أمانة أنبيائه وشجاعتهم في تبليغ رسالاته ، رغم مقاومة الناس واستهزائهم ، فقال عز وجل :الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيبا. الأحزاب ـ ٣٩
كما وصف سبحانه عملية تلقي الوحي وتبليغه بأنه من الأعمال الدقيقة الخطيرة التي تحتاج الى شخصيات من نوع خاص ، وحراسة ربانية خاصة لهم أيضاً ، فقال :
عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً ، إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا. الجن ٢٦ ـ ٢٨
مهمة نبيناصلىاللهعليهوآلهوسلمفي التبليغ
والذي يتصل بموضوعنا مباشرةً هو تبليغ نبينا محمدصلىاللهعليهوآلهوسلمفقد قال تعالى عن مهمته ومسؤوليته :وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ، فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين. المائدة ـ ٩٢
قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم. وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين. النور ـ ٥٤
فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد. آل عمران ـ ٢٠
فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ. الشورى ـ ٤٨
فقد أرسل الله نبيناصلىاللهعليهوآلهوسلمعلى أساس نظام الرسالة والتبليغ الالهي ، الذي أرسل به جميع الأنبياءعليهمالسلاموهو قاعدة : إقامة الحجة وإتمامها على الناس ، وعدم إجبارهم على العمل. وهذا هو معنى ( فإنما عليك البلاغ ) فقط ، وفقط !
وهذا هو معنى قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم.
فالإجبار الذي جاء به النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمهو إجبار أهل الكتاب على التعايش مع المسلمين ، وليس على الدخول في الإسلام ، وإجبار المشركين الوثنيين على الدخول في الإطار العام للإسلام .. وما عداه متروكٌ للأمة ، داخل هذا الإطار ، يطيع منها من يطيع ، ويعصي من يعصي ، ويهتدي منها من يهتدي ، ويضل من يضل .. والمحاسب هو الله تعالى.
ومن الطبيعي إذن ، أن تحتاج مهمة التبليغ الى حماية للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلمحتى يؤديها وإلا فإن قبائل قريش الذين يدركون خطر دعوته على نفوذهم وآلهتهم ، سرعان ما يدبرون قتله ، أو تشويه سمعته وعزله ، وحجب الناس عن سماع صوته.
ورغم أن الألطاف الإلهية على أنبيائهعليهمالسلامكثيرة ومتنوعة ، وما خفي عنا منها أعظم مما عرفناه ، أو ما يمكن أن يبلغه فهمنا .. لكن سنته سبحانه في الرسل أن يترك حمايتهم للأسباب ( الطبيعية ) مضافاً الى تلك الألطاف.
ولا يوجد دليلٌ واحدٌ على ما ذكروه من ضمان الله تعالى عصمة نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلممن الجرح والقتل ، وأنواع الأذى التي قد يتعرض لها .. وقد تقدمت النصوص الدالة على استمرار حراستهصلىاللهعليهوآلهوسلمالى آخر حياته ، ونضيف هنا ما رواه الجميع من أنهصلىاللهعليهوآلهوسلمكان يطلب من قبائل العرب تأمين هذه الحماية حتى يبلغ رسالة ربه.