ثانياً : مهمة الأنبياءعليهمالسلامهي التبليغ فقط ( الإبلاغ ) حتى أن الجهاد لم يكن مفروضاً على أحد من الأنبياء قبل ابراهيمعليهمالسلاموقد فرضه الله تعالى عليه وعلى الأنبياء من ذريته ( وكل الأنبياء والأوصياء بعده من ذريته ) من أجل إزاحة العقبات المانعة من التبليغ ، أو رد اعتداءات الكفار على الذين اختاروا الدين الالهي وإقامة حياتهم على أساسه.
ثالثاً : لا إكراه في الدين ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .. فينبغي أن يبقى قانون الهداية والإضلال فعالاً ، والقدرة على عمل الخير والشر متوفرة.
رابعاً : الهدف من الإبلاغ هو إقامة الحجة لله على عباده ، واضحة كاملة تامة .. حتى لا يقولوا يوم القيامة : لم يقل النبي لنا ، لم يبلغنا ذلك ، لم نعرف ذلك ، وكنا عنه غافلين. فإقامة الحجة في الدين الالهي محورٌ أصلي دائم في عمل الأنبياءعليهمالسلامسواء على مستوى الكافرين ، أو على مستوى أممهم المؤمنين بهم.
فالمهم عند النبيعليهالسلامأن يوصل العقيدة والأحكام الى الناس .. أن يقول لهم ، ويبين لهم ، ويوضح لهم ويفهمهم .. وبذلك يقيم الحجة لربه عز وجل .. وبذلك يؤدي ما عليه ، ويسقط المسؤولية عن عاتقه.
أما استجابتهم أو تكذيبهم .. وأما عملهم وسلوكهم ، فهو شأنهم وليس النبي مسؤولاً عنه ، بل هو من اختصاص الله تعالى.
قال الله تعالى :قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. الأنعام ـ ١٤٩
وأدلة هذه الحقائق التي ذكرناها كثيرة ، من آيات القرآن وأحاديث السنة ، نشير منها الى ما ذكره الله تعالى من قول نوحعليهالسلام:أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم ، وأعلم من الله ما لا تعلمون. الأعراف ـ ٦٢
وقول شعيبعليهالسلام:فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين. الأعراف ـ ٩٣
وقول هودعليهالسلام:فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً إن ربي على كل شيء حفيظ. هود ـ ٥٧
وقوله تعالى عن مهمة جميع الرسل الذين بعثهمعليهمالسلام:
فهل على الرسل إلا البلاغ المبين. النحل ـ ٣٥
قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا البلاغ المبين. يس ١٦ ـ ١٧
ولا يتسع المجال لاستعراض مفاهيم التبليغ وأحكامه في القرآن والحديث ، فهي أجزاء مشرقة من ( نظرية متكاملة ) نشير منها الى أنه تعالى وصف دينه وقرآنه بأنه بلاغ فقال :هذا بلاغٌ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب. ابراهيم ـ ٥٢
وقال إنه بلاغ يشمل الأجيال الآتية التي يَبْلُغها الإسلام :
قل أي شيء أكبر شهادةً ؟قل الله شهيد بيني وبينكم ، وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ. الأنعام ـ ١٩
وأثنى تعالى على أمانة أنبيائه وشجاعتهم في تبليغ رسالاته ، رغم مقاومة الناس واستهزائهم ، فقال عز وجل :الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيبا. الأحزاب ـ ٣٩
كما وصف سبحانه عملية تلقي الوحي وتبليغه بأنه من الأعمال الدقيقة الخطيرة التي تحتاج الى شخصيات من نوع خاص ، وحراسة ربانية خاصة لهم أيضاً ، فقال :
عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً ، إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا. الجن ٢٦ ـ ٢٨
مهمة نبيناصلىاللهعليهوآلهوسلمفي التبليغ
والذي يتصل بموضوعنا مباشرةً هو تبليغ نبينا محمدصلىاللهعليهوآلهوسلمفقد قال تعالى عن مهمته ومسؤوليته :وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ، فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين. المائدة ـ ٩٢
قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم. وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين. النور ـ ٥٤
فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد. آل عمران ـ ٢٠
فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ. الشورى ـ ٤٨
فقد أرسل الله نبيناصلىاللهعليهوآلهوسلمعلى أساس نظام الرسالة والتبليغ الالهي ، الذي أرسل به جميع الأنبياءعليهمالسلاموهو قاعدة : إقامة الحجة وإتمامها على الناس ، وعدم إجبارهم على العمل. وهذا هو معنى ( فإنما عليك البلاغ ) فقط ، وفقط !
وهذا هو معنى قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم.
فالإجبار الذي جاء به النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمهو إجبار أهل الكتاب على التعايش مع المسلمين ، وليس على الدخول في الإسلام ، وإجبار المشركين الوثنيين على الدخول في الإطار العام للإسلام .. وما عداه متروكٌ للأمة ، داخل هذا الإطار ، يطيع منها من يطيع ، ويعصي من يعصي ، ويهتدي منها من يهتدي ، ويضل من يضل .. والمحاسب هو الله تعالى.
ومن الطبيعي إذن ، أن تحتاج مهمة التبليغ الى حماية للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلمحتى يؤديها وإلا فإن قبائل قريش الذين يدركون خطر دعوته على نفوذهم وآلهتهم ، سرعان ما يدبرون قتله ، أو تشويه سمعته وعزله ، وحجب الناس عن سماع صوته.
ورغم أن الألطاف الإلهية على أنبيائهعليهمالسلامكثيرة ومتنوعة ، وما خفي عنا منها أعظم مما عرفناه ، أو ما يمكن أن يبلغه فهمنا .. لكن سنته سبحانه في الرسل أن يترك حمايتهم للأسباب ( الطبيعية ) مضافاً الى تلك الألطاف.
ولا يوجد دليلٌ واحدٌ على ما ذكروه من ضمان الله تعالى عصمة نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلممن الجرح والقتل ، وأنواع الأذى التي قد يتعرض لها .. وقد تقدمت النصوص الدالة على استمرار حراستهصلىاللهعليهوآلهوسلمالى آخر حياته ، ونضيف هنا ما رواه الجميع من أنهصلىاللهعليهوآلهوسلمكان يطلب من قبائل العرب تأمين هذه الحماية حتى يبلغ رسالة ربه.
ـ ففي سيرة ابن هشام : ٢ / ٢٣ عن ربيعة بن عباد ، قال :
إني لغلامٌ شاب مع أبي بمنى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول : يا بني فلان إني رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد ، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به. انتهى. ورواه الطبري في تاريخه : ٢ / ٨٣ ، وابن كثير في سيرته : ٢ / ١٥٥
ـ وقال اليعقوبي في تاريخه : ٢ / ٣٥ :
وكان رسول الله يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم ، ويكلم شريف كل قوم ، لايسألهم إلا أن يؤووه ويمنعوه ، ويقول : لا أكره أحداً منكم ، إنما أريد أن تمنعوني مما يراد بي من القتل ، حتى أبلغ رسالات ربي ، فلم يقبله أحد ، وكانوا يقولون : قوم الرجل أعلم به ! انتهى.
كذلك نصت المصادر على أنهصلىاللهعليهوآلهوسلمطلب البيعة من الانصار ، على حمايته وحماية أهل بيته مما يحمون أنفسهم وأهليهم .. ففي سيرة ابن هشام : ٢ / ٣٨ : فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ، ودعا الى الله ، ورغب في الإسلام ثم قال : أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. قال فأخذ البراء بن معرور بيده ، ثم قال : نعم والذي بعثك بالحق نبيا لنمعنك مما نمنع منه أزرنا ، فبايعنا يا رسول الله ، فنحن والله أبناء الحروب ، وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر.
ـ ورواه في تاريخ الطبري : ٢ / ٩٢ ، وأسد الغابة : ١ / ١٧٤ ، وعيون الأثر : ١ / ٢١٧ ، وسيرة ابن كثير : ٢ / ١٩٨ ، ورواه أحمد : ٣ / ٤٦١ ، وقال عنه في مجمع الزوائد : ٦ / ٤٤ : رواه أحمد والطبراني بنحوه ، ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن اسحق وقد صرح بالسماع. ورواه في كنز العمال : ١ / ٣٢٨ ، و ٨ / ٢٩
* *
الى هنا يتسق الموضوع .. فقد طلب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمالحماية لتبليغ رسالة ربه على سنة الله تعالى في من مضى من الأنبياءعليهمالسلاموحصل عليها من الأنصار ، ونصره الله تعالى وهزم أعداءه من المشركين واليهود ، وشملت دولته شبه الجزيرة العربية واليمن والبحرين وساحل الخليج ، وامتدت الى أطراف الشام ، وصار جيش الإسلام يهدد الروم في الشام وفلسطين .. وها هوصلىاللهعليهوآلهوسلمفي السنة العاشرة يودع المسلمين في حجة الوداع ، ويتلقى سورة المائدة ويتلقى فيها آية تأمره بالتبليغ وتطمئنه بالعصمة من الناس !!
فما عدا مما بدا ، حتى نزل الأمر بالتبليغ في آخر التبليغ ، وصار النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمالآن وهو قائد الدولة القوية ، بحاجة الى حماية وعصمة من الناس !!
إن الباحث ملزمٌ هنا أن يستبعد حاجة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمالى الحماية المادية ، لأن الله تعالى أراد أن تجري بالأسباب الطبيعية ، ووفرها على أحسن وجه .. فلا بد أن تكون العصمة في الآية من نوع الحماية المعنوية.
والباحث ملزمٌ ثانياً ، أن يفسر الأمر بالتبليغ في الآية بأنه تبليغُ موضوعٍ ثقيلٍ على الناس .. وأن يفسر الناس الذين يثقل عليهم ذلك بالمنافقين من المسلمين ، لأنه لم يبق أمرٌ ثقيلٌ على الكفار إلا وبلغه لهم ، كما أنه لم يبلغهم أمراً بارزاً بعد نزول الآية.
وبهذا لا يبقى معنى للعصمة النازلة من عند الله تعالى ، إلا العصمة من الطعن في نبوته ، إذا بلغهم أن الحكم من بعده في أهل بيتهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
فبذلك فقط يتسق معنى الآية ويكون معناها :
يأيها الرسول: إنما أنت رسول مبلغ ، ولست مسؤولاً عن النتيجة وما يحدث ، بل هو من اختصاص ربك تعالى.
بلغ ما أنزل اليك من ربك: وأمرك به جبرئيل في علي ، وحاولت تبليغه مرات في حجة الوداع ، فشوش المنافقون عليك.
وإن لم تفعل فما بلغت رسالته: ولم تكمل إقامة الحجة لربك ، لأن ولاية عترتك ليست أمراً شخصياً يخصك ، وإن ظنه المنافقون كذلك ، بل هي جزءٌ لا يتجزأ من هذه الرسالة الخاتمة الموحدة ، وإذا انتفى الجزء انتفى الكل.
والله يعصمك من الناس: من طعن قريش بنبوتك بسبب هذا التبليغ ، وإن كان ثقيلاً عليها .. فسوف يمنعها الله أن ترفض نبوتك بسببه .. وسوف تمر المسألة بسلام ولا يكون تشويش عليك في التبليغ ولا ردة .. وبذلك تكون بلغت عن ربك ، وأتممت له الحجة على أمتك .. ولكن علياً سوف يحتاج الى قتالها على تأويل القرآن كما قاتلتها أنت على تنزيله !
إن الله لا يهدي القوم الكافرين: الذين يظلمون عترتك من بعدك ، ويظلمون الأمة بذلك ، ويبدلون نعمة الله كفراً ، ويحلون الأمة دار البوار !
* *
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
البحث الخامسقريش هي السبب في حاجة نبينا صلى الله عليه وآله الى عصمة إضافية
تدل الآية الكريمة والنصوص العديدة على أن تبليغ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلملرسالة ربه في عترتهعليهمالسلامكان من شأنه أن يحدث زلزلة في الأمة وتهديداً لنبوتهصلىاللهعليهوآلهوسلم!
فما هو السبب ، وما هي الظروف التي كانت قائمة ؟!
إن مصدر الخطر على ترتيب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلملأمر الخلافة من بعده ، كان محصوراً في قريش وحدها .. فلا قبائل العرب غير قريش ، ولا اليهود ، ولا النصارى .. يستطيعون التدخل في هذا الموضوع الداخلي وإعطاء الرأي فيه ، فضلاً عن عرقلة تبليغه أو تنفيذه !
والظاهر أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمكان آيساً من إمكانية تنفيذ هذا الموضوع ، بدليل أنه كان يخشى ظهور الردة من مجرد تبليغه بشكل صريح ورسمي !!
والسبب في ذلك طبيعة قريش وتركيبتها القبلية !
قريش منجم الفراعنة
زعماء قريش الذين واجهوا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمـ إذا صحت أنسابهم الى إسماعيلعليهالسلامـ فإنهم يكونون ذرية إسماعيل الفاسدة ، وقد جمعوا بين صفات اليهود المعقدة من أبناء عمهم إسحاق ، وبين غطرسة رؤساء القبائل الصحراوية الخشنة !