ويؤيد ذلك أن البيهقي رواه في سننه : ٩ / ٨ وعقب عليه بقول الشافعي المتقدم فقال : قال الشافعي : يعصمك من قتلهم أن يقتلوك حتى تبلغهم ما أنزل اليك فبلغ ما أمر به فاستهزأ به قوم فنزل : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين. انتهى.
ويؤيده أيضاً أن المراغي نقل في تفسيره : ٢ جزء ٤ / ١٦٠ رواية السيوطي الأولى عن ابن مردويه عن ابن عباس ، ورواية الطبراني أيضاً ثم قال : روى الترمذي وأبو الشيخ .... أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمكان يحرس في مكة قبل نزول هذه الآية ...
وكذلك ذكر غيره ، مع أنه لا يوجد في رواية عائشة في الترمذي ما يدل على أنها تقصد مكة ، فلعل كلمة في مكة حذفت من نسخة الترمذي الفعلية !
ـ وقال السيوطي في الدر المنثور : ٢ / ٢٩١ عن حديث عائشة :
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل ، وابن مردويه ، عن عائشة ...
وروى السيوطي عدة روايات بنفس مضمونه عن غير عائشة ، وبعضها قد يفهم منه أن نزول الآية في المدينة ، فجعلناه في القول الثالث.
قال في الدر المنثور : ٢ / ٢٩٨ ـ ٢٩٩ : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يحرسه فلما نزلت : والله يعصمك من الناس ، ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرس.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أبي ذر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام إلا ونحن حوله من مخافة الغوائل ، حتى نزلت آية العصمة :والله يعصمك من الناس. انتهى.
وقد أخذ بهذا القول كثير من المفسرين والمؤلفين في السيرة فقد ذكره الزمخشري في الكشاف : ١ / ٦٥٩ ، وكأنه قبله ، وكذلك فعل الرازي في تفسيره : ٦ جزء ١٢ / ٥٠ ! مع أنهما
قالا كما رأيت بنزول الآية في مكة! وبذلك يكونا حملا حديث عائشة على أول البعثة ، كما حملا قول الحسن البصري وأمثاله !
ـ وقد أخذ بهذا القول أيضاً السهيلي في الروض الأنف : ٢ / ٢٩٠ ، والقسطلاني في إرشاد الساري : ٥ / ٨٦ ، وابن العربي في شرح الترمذي : ٦ جزء ١١ / ١٧٤ ، والعيني في عمدة القاري٧ جزء ١٤ / ٩٥ ، وابن جزي في التسهيل : ١ / ٢٤٤ ، والنويري في نهاية الإرب : ٨ جزء ١٦ / ١٩٦ ، و ١٩ جزء ١٨ / ٣٤٢ ، والنيسابوري في الوسيط : ٢ / ٢٠٩ ، والدميري في حياة الحيوان : ١ / ٧٩ .. وغيرهم ، وغيرهم.
ـ وممن أخذ بهذا القول صاحب السيرة الحلبية : ٣ / ٣٢٧ وقد اغتنم فرصة الآية وارتباطها بحراسة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلملإثبات فضيلة لأبي بكر بن أبي قحافة فقال : حراسهصلىاللهعليهوآلهوسلمقبل أن ينزل عليه قوله تعالى :والله يعصمك من الناس.... سعد بن معاذ حرسه ليلة يوم بدر ، وفي ذلك اليوم لم يحرسه إلا أبو بكر شاهراً سيفه حين نام بالعريش. انتهى.
وبذلك ناقض صاحب الحلبية نفسه وجاء بدليل على ضد مراده ، لأن إلغاء الحراسة إذا كان قبل الهجرة ، فلم تبق حاجة لحراسة أبي بكر وغيره في بدر !
على أن الظاهر أنه لم يكن للمسلمين عريشٌ في بدر ! وقد روى الحاكم رواية وصححها على شرط مسلم ، تذكر أن ثلث المسلمين حرسوا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفي بدر ، وهو أمر معقول ، لأن المسلمين نزلوا بالعدوة القصوى وهي منطقة مكشوفة. قال الحاكم : ٢ / ٣٢٦ : عن عبادة ابن الصامترضياللهعنهقال سألته عن الأنفال ، قال : فينا يوم بدر نزلت ، كان الناس على ثلاث منازل ، ثلثٌ يقاتل العدو ، وثلث يجمع المتاع ويأخذ الأسارى وثلث عند الخيمة يحرس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، فلما جمع المتاع اختلفوا فيه .... فجعله الى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمفقسمه على السواء. انتهى.
ويدل على بطلان هذا القول : أولاً ، ما تقدم في القول الأول.
ثانياً : نفس روايات القول الثالث وغيره ، التي تنص على أن إلغاء الحراسة المزعوم حصل في المدينة ، وليس في مكة.
ثالثاً ، أن عمدة رواياته رواية القبة عن عائشة ، ورواية حراسة العباس .. أما الروايات الأخرى فكلها غير مسندة ، وغرض بعضها تقليل دور أبي طالب في نصرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمكما هو واضحٌ ، وأنهصلىاللهعليهوآلهوسلمكان مستغنياً في مكة عن حراسة أبي طالب.
كما يلاحظ في الرواية الأولى أنها تريد إثبات فضيلة للعباس بأنه كان حارس النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفي مكة بدل أبي طالب ، وأنه هو الذي عصم الله به رسوله من الناس !
وقد كان دور العباس قبل الهجرة دوراً عادياً مثل بقية بني هاشم الذين تضامنوا مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلموتحملوا معه حصار الشعب ، ولم يعرف عنهم أنهم أسلموا ، ولم يهاجروا معه الى المدينة مثل علي وحمزة.
ومن المعروف أن العباس قد أسر في بدر وأسلم عند فكاك الأسرى.
هذا مضافاً الى تضعيف الهيثمي وغيره لهذه الرواية ، وما تشاهده من ضعف متنها وركته.
ثالثاً : ما سيأتي في إثبات استمرار حراستهصلىاللهعليهوآلهوسلمونفي كل ما يدل على إلغائها ومن ذلك رواية القبة ، وسيأتي قول الألباني بعدم صحة نسبتها الى عائشة.
القول الثالث
أنها نزلت في المدينة بدون تاريخ ! فقد روى السيوطي عدة روايات تربط نزول الآية بإلغاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمللحراسة ، وليس فيها أن ذلك كان في مكة أو في المدينة ، ولكن يفهم من نص بعضها أو رواة بعضها ، أن نزولها كان في المدينة.
ـ قال في الدر المنثور : ٢ / ٢٩٨ ـ ٢٩٩ :
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عصمة بن مالك الخطمي قال : كنا نحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل ، حتى نزلت :والله يعصمك من الناسفترك الحرس.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت :يا أيها الرسول
الى قوله :والله يعصمك من الناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحرسوني ، إن ربي قد عصمني.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن شقيق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتقبه ناس من أصحابه ، فلما نزلت :والله يعصمك من الناس، فخرج فقال : يا أيها الناس إلحقوا بملاحقكم ، فإن الله قد عصمني من الناس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يحارسه أصحابه ، حتى أنزل الله :والله يعصمك من الناس، فترك الحرس حين أخبره أنه سيعصمه من الناس.
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن الربيع بن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرسه أصحابه ، حتى نزلت هذه الآية :يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليكالآية ... انتهى.
ـ ورواه ابن شبة في تاريخ المدينة : ١ / ٣٠١ ، عن عبد الله بن شقيق وعن محمد بن كعب القرظي. ورواه الطبري في تفسيره : ٦ / ١٩٩ ، عن عبد الله بن شقيق. وابن سعد في الطبقات : ١ جزء ١ / ١١٣. والبيهقي في دلائل النبوة : ٢ / ١٨٠.
ويدل على بطلان هذا القول وغيره من الأقوال التي ربطت نزول الآية بالحراسة :
أن من المجمع عليه في أحاديث سيرتهصلىاللهعليهوآلهوسلمأنه كان يطلب من قبائل العرب أن تحميه وتمنعه مما يراد به من القتل ، لكي يبلغ رسالة الله عز وجل ، وقد بايعه الأنصار بيعة العقبة على أن يحموه ويحموا أهل بيته مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم .. فلو أن آية العصمة نزلت في مكة ، لما احتاج الى شيء من ذلك !
وسنذكر في آخر البحث أحاديث طلب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلممن الأنصار أن يحموه ويحرسوه ، وبيعتهم على ذلك !
ثم .. إن مصادر الحديث والتفسير والتاريخ مليئة بالروايات التي ذكرت حراسة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلموأنها كانت في مكة والمدينة ، خاصة في الحروب ، الى آخر حياتهصلىاللهعليهوآلهوسلم!
ولذا يجب رفض كل الروايات التي زعمت أنه ألغى الحراسة قبل هذا التاريخ ، لأنها تدعي إلغاءها في السلم والحرب والسفر والحضر !
وقد تقدمت في رواية الحاكم أن ثلث المسلمين كانوا يحرسونهصلىاللهعليهوآلهوسلمفي بدر !
وقد روى أحمد : ٢ / ٢٢٢ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه ، حتى إذا صلى وانصرف اليهم فقال لهم ... الخ.
ورواه في كنز العمال : ١٢ / ٤٣٠ ، عن مسند عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال عنه في مجمع الزوائد : ١٠ / ٣٦٧ : رواه أحمد ورجاله ثقات. انتهى.
وغزوة تبوك كانت في آخر سنة من حياتهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
وفي الفصول التي عقدها المحدثون ، وكتَّاب السيرة لحراستهصلىاللهعليهوآلهوسلموقصصها ، وحراسه وأسمائهم وقصصهم .. ما يكفي لرد هذه المقولة !
والعجيب أنك ترى بعضهم يذكر كل ذلك عن الحراسة ، ثم يقول إنهصلىاللهعليهوآلهوسلمألغى الحراسة بعد نزول الآية في مكة قبل الهجرة ، أو بعد الهجرة ! وكأنه حلف يميناً أن يبعد آية العصمة من الناس عن يوم الغدير !!
ـ قال صاحب عيون الأثر في : ٢ / ٤٠٢
حرسه يوم بدر حين نام في العريش : سعد بن معاذ ، ويوم أحد : محمد بن مسلمة ، ويوم الخندق : الزبير بن العوام. وحرسه ليلة بنى بصفية : أبو أيوب الأنصاري بخيبر ، أو ببعض طريقها ، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني. وحرسه بوادي القرى : بلال ، وسعد بن أبي وقاص ، وذكوان بن عبد قيس. وكان على حرسه عباد بن بشر ، فلما نزلت : والله يعصمك من الناس ، ترك الحرس !!. انتهى.
وقد حاول أن يجيب على حراستهم للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفي تبوك ، ففسر نص الحراسة بأنه يعني انتظارهم انتهاء صلاته !
قال في : ١ / ١١٩ : وفي حديث عمرو بن شعيب : فاجتمع رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى ... والمراد والله أعلم : ينتظرون فراغه من الصلاة ! وأما حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين ، فقد كان انقطع منذ نزلت :والله يعصمك من الناس، وذلك قبل تبوك. والله أعلم. انتهى.
ولكنه تفسير مخالفٌ لنص الرواية في الحراسة !
وعلى كل حال ، فإن هذا القول بنزول الآية في المدينة يرد القول الأول الذي جعل تاريخ نزول الآية في مكة !
والنتيجة أن دعوى إلغائهصلىاللهعليهوآلهوسلمللحراسة لا دليل عليها من سيرتهصلىاللهعليهوآلهوسلم، بل الدليل على خلافها ، وأن بني هاشم كانوا يحرسونه في مكة حتى هجرته ، ثم كانوا هم وبقية أصحابه يحرسونه في المدينة ، الى آخر عمره الشريف.
وفي اعتقادي أن نفس محاولة تفسير الآية بإلغاء الحراسة دليلٌ على صحة تفسير أهل البيتعليهمالسلامبأن الآية تقصد العصمة من الإرتداد ، فترى مخالفيهم يصرون على تفسيرها بالعصمة الحسية ويقعون في التناقض مع الواقع !
القول الرابع
أنها نزلت في المدينة في السنة الثانية للهجرة بعد حرب أحد.
ـ قال السيوطي في الدر المنثور : ٢ / ٢٩١ : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عطية بن سعد قال : جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم ، وإني أبرأ الى الله ورسوله من ولاية يهود ، وأتولى الله ورسوله.
فقال عبد الله بن أبي : إني رجل أخاف الدوائر ، لا أبرأ من ولاية موالي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن أبي : أبا حباب أرأيت الذي نفست به من ولاء يهود على عبادة ، فهو لك دونه !
قال : إذن أقبل ، فأنزل الله :يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض، الى أن بلغ الى قوله :والله يعصمك من الناس... انتهى.
ويكفي في الدلالة على بطلان هذا القول ما تقدم في الحراسة ، ويضاف اليه أن روايته من كلام عطية بن سعد ولم يسندها الى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، والآيات المذكورة فيها هي الآيات ١ الى ٦٧ من سورة المائدة ، ولم يقل أحدٌ إن هذا الآيات نزلت في قصة ولاء ابن سلول لليهود ، الذي توفي قبل نزول سورة المائدة !
القول الخامس
أنها نزلت على أثر محاولة شخص اغتيال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، وقد تناقضت رواياتهم في ذلك ، فذكر بعضها أن الحادثة كانت في غزوة بني أنمار المعروفة بذات الرقاع ، وأن شخصاً جاء الى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمبقصد اغتياله وطلب منه أن يعطيه سيفه ليراه ، فأعطاه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمإياه بكل سهولة ..! أو كان علقه وغفل عنه ، أو دلى رجليه في البئر الخ.
ـ قال السيوطي في الدر المنثور : ٢ / ٢٩٨ ـ ٢٩٩
وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أنمار نزل ذات الرقاع بأعلى نخل ، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه ! فقال غورث بن الحرث : لأقتلن محمداً ، فقال له أصحابه : كيف تقتله؟ قال أقول له أعطنى سيفك ، فإذا أعطانيه قتلته به !
فأتاه فقال : يا محمد أعطني سيفك أشِمْهُ ، فأعطاه إياه فرعدت يده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حال الله بينك وبين ما تريد ، فأنزل الله :يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك، الآية.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها ، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال : من يمنعك مني ؟ قال : الله ، فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه ،
قال : وضرب برأسه الشجرة حتى انتثرت دماغه فأنزل الله :والله يعصمك من الناس!
وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة قال : كنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تركنا له أعظم دوحة وأظلها فينزل تحتها ، فنزل ذات يوم تحت شجرة ، وعلق سيفه فيها فجاء رجل فأخذه فقال : يا محمد من يمنعك مني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله يمنعني منك ، ضع عنك السيف فوضعه ، فنزلت :والله يعصمك من الناس. انتهى.
وقال بعضهم : إن شخصاً أراد اغتيال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفقبضوا عليه : ففي الدر المنثور : ٢ / ٢٩٩ : أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل فقيل هذا أراد أن يقتلك ! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لم ترع ، ولو أردت ذلك لم يسلطك الله علي .. انتهى.
* *
ومما يدل على بطلان هذا القول وأن الآية لم تنزل في قصة غورث أو شبهها :
أولاً ، أن غزوة ذات الرقاع أو بني أنمار كانت في السنة الرابعة من الهجرة ( سيرة ابن هشام : ٣ / ٢٢٥ ) وهو تاريخٌ قبل نزول سورة المائدة بسنوات ، كما أن بعض رواياتها بلا تاريخ ، وبعضها غير معقول !
ثانياً ، أن المصادر الأساسية التي روت قصة غورث وغزوة ذات الرقاع ، لم تذكر نزول آية العصمة فيها ، بل ذكر أكثرها تشريع صلاة الخوف والحراسة المشددة على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمحتى في الصلاة ، وهو كافٍ لرد رواية نزول الآية فيها !
أما ابن هشام فقد ذكر أن الآية التي نزلت في قصة غورث هي قوله تعالى :يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا اليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم... ( سيرة ابن هشام : ٣ / ٢٢٧ ، تحقيق السقا ) ولكن ذلك لا يصح ، لأن تلك الآية من سورة المائدة أيضاً !
وأما البخاري وغيره فقد رووا فيها تشريع صلاة الخوف وتشديد الحراسة !