هذه الآية :وأنذر عشيرتك الأقربين، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبدالمطلب ، وهم يومئذ أربعون رجلاً ... الخ. انتهى.
ولكن السيوطي بتر الحديث هنا ، ولم يذكر بقية كلام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم.. وهو أسلوبٌ دأب رواة خلافة قريشٍ على ارتكابه في حديث الدار ، لأن بقية الحديث تقول إن الله أمر رسوله من ذلك اليوم أن يختار وزيره وخليفته من عشيرته الأقربين !
ـ قال الأميني في الغدير : ١ / ٢٠٧
وها نحن نذكر لفظ الطبري بنصه حتى يتبين الرشد من الغي قال في تاريخه : ٢ / ٢١٧ من الطبعة الأولى : إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيكم يوازرني على هذا الأمر ، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟
قال : فأحجم القوم عنها جميعاً ، وقلت وإني لأحدثهم سناً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه.
فأخذ برقبتي ثم قال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا. قال : فقام القوم يضحكون ، ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.
ـ وقال الأميني : ٢ / ٢٧٩
وبهذا اللفظ أخرجه أبو جعفر الإسكافي المتكلم المعتزلي البغدادي ، المتوفى ٢٤٠ ، في كتابه نقض العثمانية ، وقال : إنه روي في الخبر الصحيح.
ورواه الفقيه برهان الدين في ( أنباء نجباء الأبناء ) / ٤٦ ـ ٤٨
وابن الأثير في الكامل ٢ / ٢٤
وأبو الفداء عماد الدين الدمشقي في تاريخه ١ / ١١٦
وشهاب الدين الخفاجي في شرح الشفا للقاضي عياض ٣ / ٣٧ ( وبتر آخره )
وقال : ذكر في دلايل البيهقي وغيره بسند صحيح.
والخازن علاء الدين البغدادي في تفسيره / ٣٩٠
والحافظ السيوطي في جمع الجوامع ، كما في ترتيبه ٦ / ٣٩٢
وفي/ ٣٩٧ ، عن الحفاظ الستة : ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبي نعيم ، والبيهقي.
وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٣ / ٢٥٤. انتهى.
ثم شكا صاحب الغدير من الذين حرفوا الحديث لإرضاء قريش ، ومنهم الطبري الذي رواه في تفسيره بنفس سنده المتقدم في تاريخه ، ولكنه أبهم كلام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفي حق عليعليهالسلامفقال : ثم قال : إن هذا أخي ، وكذا وكذا !!.
وتبعه على ذلك ابن كثير في البداية والنهاية : ٣ / ٤٠ ، وفي تفسيره : ٣ / ٣٥١. انتهى.
ـ وقال في هامش بحار الأنوار : ٣٢ / ٢٧٢ : وناهيك من ذلك مؤاخاته مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمبأمر من الله عز وجل في بدء الإسلام حين نزل قوله تعالى :وأنذر عشيرتك الأقربين... راجع تاريخ الطبرى : ٢ / ٣٢١ ، كامل ابن الأثير : ٢ / ٢٤ ، تاريخ أبي الفداء : ١ / ١١٦ ، والنهج الحديدي : ٣ / ٢٥٤ ، ومسند الإمام ابن حنبل : ١ / ١٥٩ ، وجمع الجوامع ترتيبه : ٦ / ٤٠٨ ، وكنز العمال : ٦ / ٤٠١.
وهذه المؤاخاة مع أنها كانت بأمر الله عز وجل ، إنما تحققت بصورة البيعة والمعاهدة ( الحلف ) ولم يكن للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأن يأخذ أخاً ووزيراً وصاحباً وخليفةً غيره ، ولا لعلي أن يقصر في مؤازرته ونصرته والنصح له ولدينه ، كمؤازرة هارون لموسى على ما حكاه الله عز وجل في القرآن الكريم.
ولذلك ترى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمحين يؤاخي بعد ذلك المجلس بين المهاجرين بمكة ، فيؤاخي بين كل رجل وشقيقه وشكله : يؤاخي بين عمر وأبي بكر ، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، وبين الزبير وعبد الله بن مسعود ، وبين عبيدة بن الحارث وبلال ، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص ، وبين أبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ، وبين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة الكلبي ( راجع سيرة ابن هشام : ١ / ٥٠٤ المحبر / ٧١ ـ ٧٠ البلاذرى : ١ / ٢٧٠ ) يقول لعليعليهالسلام:
والذى بعثني بالحق نبياً ما أخرتك إلا لنفسي ، فأنت مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، وأنت أخي ووارثي ، وأنت معي في قصري في الجنة.
ثم قال له : وإذا ذاكرك أحد فقل : أنا عبد الله وأخو رسوله ، ولا يدعيها بعدي إلا كاذب مفتر ( الرياض النضرة : ٢ / ١٦٨ منتخب كنز العمال : ٥ / ٤٥ و ٤٦ ).
ولذلك نفسه تراهصلىاللهعليهوآلهوسلمحينما عرض نفسه على القبائل فلم يرفعوا اليه رؤوسهم ، ثم عرض نفسه على بني عامر بن صعصعة قال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس بن عبد الله بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة : والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ، ثم قال لرسول الله : أرأيت إن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟
قال : الأمر الى الله يضعه حيث يشاء.
قال فقال له : أفنهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ، لا حاجة لنا بأمرك ، فأبوا عليه ( راجع سيرة ابن هشام : ١ / ٤٢٤ الروض الأنف : ١ / ٢٦٤ بهجة المحافل : ١ / ١٢٨ ، سيرة زيني دحلان : ١ / ٣٠٢ السيرة الحلبية : ٢ / ٣ ). فلولا أنهصلىاللهعليهوآلهوسلمكان تعاهد مع عليعليهالسلامبالخلافة والوصاية بأمر من الله عز وجل قبل ذلك ، لما ردهم بهذا الكلام المؤيس ، وهو بحاجة ماسة من نصرة أمثالهم. انتهى.
ـ وفي دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي : ١ / ١٥
وروينا أيضاً عن علي بن أبي طالب صلى الله عليه أنه قال : لما أنزل الله عز وجل :وأنذر عشيرتك الأقربين، جمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمبني عبد المطلب على فخذ شاة وقدح من لبن ، وإن فيهم يومئد عشرة ليس منهم رجل إلا أن يأكل الجذعة ويشرب الفرق ، وهم بضع وأربعون رجلاً ، فأكلوا حتى صدروا وشربوا حتى ارتووا ، وفيهم يومئذ أبو لهب ، فقال لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم:
يا بني عبد المطلب أطيعوني تكونوا ملوك الأرض وحكامها ، إن الله لم يبعث نبياً إلا جعل له وصياً ووزيراً ووارثاً وأخاً وولياً ، فأيكم يكون وصيي ووارثي ووليي وأخي ووزيري ؟
فسكتوا ، فجعل يعرض ذلك عليهم رجلاً رجلاً ، ليس منهم أحد يقبله ، حتى لم يبق منهم أحد غيري ، وأنا يومئذ من أحدثهم سناً ، فعرض عليَّ فقلت : أنا يا رسول الله. فقال : نعم ، أنت يا علي.
فلما انصرفوا قال لهم أبو لهب : لو لم تستدلوا على سحر صاحبكم إلا بما رأيتم ، أتاكم بفخذ شاة وقدح من لبن فشبعتم ورويتم ! وجعلوا يهزؤون ويقولون لأبي طالب : قد قدم ابنك اليوم عليك. انتهى.
ولا بد أن تكون حادثة دعوة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلملبني هاشم قد شاعت في قريش ، ثم في العرب ، فقالوا إن النبي الجديد جمع عشيرته وأنذرهم ودعاهم الى دينه ، وإنه طلب منهم شخصاً يكون له وزيراً وخليفةً من بعده ، فأجابه ابن عمه الشاب الغلام .. فاتخذه وزيراً وخليفة !
* *
فهذه النصوص تدل على أن ولاية الأمر بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمكانت مطروحةً ومنظورةً للناس ، من أول بعثته الى آخر حياتهصلىاللهعليهوآلهوسلم.. وأن كل الناس كانوا يعرفون أن مشروع النبوة ودعوة الناس اليها ، هو مشروع تكوين دولة يرأسها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، وتحتاج الى خليفة له بعده. ولذلك كان ممثلو القبائل يحاولون أن يأخذوا منه وعداً بأن يكون لهم الأمر من بعده ، ومنهم ممثلون لقبائل يمانية وعدنانية ، وزعيم قبائل نجد المتنقلة .. فكيف يصدق عاقلٌ ما زعمه زعماء قريش ، من أنهم لم يطرحوا مسألة الخلافة مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، حتى بصيغة سؤال عن الحكم الشرعي وواجب المسلمين من بعده !!
وكيف يقبل عاقل أنهم يروون عنهصلىاللهعليهوآلهوسلمأحاديث عن مستقبل الأمة في كل الأمور ، إلا في أمر الخلافة والإمام الشرعي من بعده ؟!
* *
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
البحث الثاني
النبيصلىاللهعليهوآلهوسلميبشر بالأئمة الإثني عشر من بعده
في اعتقادنا أن ولاية الأمر بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمكانت أمراً مفروغاً عنه عندهصلىاللهعليهوآلهوسلم، وأن الله تعالى أمره أن يبلغ الأمة ولاية عترته من بعده ، كما هي سنته تعالى في أنبيائه ، أن يورث عترتهم الكتاب والحكم والنبوة ..
ونبيناصلىاللهعليهوآلهوسلمأفضلهم ، ولا نبوة بعده ، بل إمامةٌ ووراثةُ الكتاب ..
وعترته وذريتهصلىاللهعليهوآلهوسلمأفضل من ذريات جميع الأنبياءعليهمالسلاموقد طهرهم الله تعالى واصطفاهم ، وأورثهم الحكم والكتاب ( ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ... ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ... ).
وقد كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمطوال نبوته يبلغ ولاية عترته بالحكمة والتدريج ، والتلويح والتصريح ، لعلمه بحسد قريش لبني هاشم ، وخططها لإبعادهم عن الحكم بعده ، بل قد لمسصلىاللهعليهوآلهوسلممراتٍ عديدة عنف قريش ضدهم ، فأجابهم بغضب نبوي !
وكانت حجة الوداع فرصةً مناسبةً للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلملكي يبلغ الأمة ولاية الأمر لعترته رسمياً على أوسع نطاق ، حيث لم يبق بعد تبليغ الفرائض والأحكام ، واتساع الدولة الإسلامية ، والمخاطر المحيطة بها ، وإعلان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمقرب رحيله الى ربه .. إلا أن يرتب أمر الحكم من بعده.
بل تدل النصوص ومنطق الأمور ، على أن ذلك كان هو الهم الأكبر للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفي حجة الوداع ، وأن قريشاً كانت تعرف جيداً ماذا يريد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، وتعمل لمنع إعلان ذلك! وأنها زادت من فعاليتها في حجة الوداع لمنع تكريس ولاية علي والعترةعليهمالسلامبشكل رسمي ، وأخذ البيعة لهم من الأمة !
ولا يتسع هذا البحث للإستدلال على المفردات التي ذكرناها .. وكل مفردة منها عليها عدة أدلة .. بل نكتفي هنا باستطلاع خطب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفي حجة الوداع .. فقد ذكرت المصادر أنهصلىاللهعليهوآلهوسلمخطب خمس خطب غير خطبة الغدير ، وكان من حق هذه الخطب النبوية أن تنقلها المصادر كاملةً غير منقوصة ، لأن المستمعين كانوا عشرات الألوف .. ولكنك تراها مجزأةً مقتضبة ، خاصة في الصحاح المعتمدة رسمياً عند الخلافة القرشية. قال في السيرة الحلبية : ٣ / ٣٣٣ :
خطب صلى الله عليه وسلم في الحج خمس خطب : الأولى يوم السابع من ذي الحجة بمكة ، والثانية يوم عرفة ، والثالثة يوم النحر بمنى ، والرابعة يوم القر بمنى ، والخامسة يوم النفر الأول بمنى أيضاً. انتهى.
وقد راجعنا نصوص هذه الخطب من أكثر من مئة مصدر ، فوجدنا فيها الغرائب والعجائب ، من التعارض والتضارب ، والمؤشرات والأدلة على تدخلات قريش ورواتها في نصوصها !!
وكل ذنب خطب الوداع أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأمر المسلمين فيها بإطاعة أهل بيته من بعده ، وحذرهم من الإختلاف بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ، وأقام عليهم الحجة ، كاملةً غير منقوصة !
ولكن رغم كل التعتيم القرشي ، فقد وصلنا منها في المصادر القرشية نفسها ، ما فيه بلاغٌ لمن أراد معرفة أوامر نبيه ، وتأكيده على الإلتزام بقيادة عترته الطاهرين من بعده .. صلى الله عليه وعليهم.
ونذكر منها فيما يلي : حديث الأئمة الإثني عشر ، حيث اتفق الجميع على أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمطرح قضيتهم في خطبه على المسلمين في حجة الوداع !
ثم نستعرض أهم ما تضمنته الخطب الشريفة من محاور ، ومنها حديث الثقلين : الكتاب والعترة ، وحديث : حوض النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، والصحابة الذين يمنعون من الورود عليه ، ويؤمر بهم الى النار !
ـ روى البخاري في صحيحه : ٨ / ١٢٧ :
جابر بن سمرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : يكون اثنا عشر أميراً ، فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي : إنه قال : كلهم من قريش !
ـ وفي صحيح مسلم : ٦ / ٣ :
جابر بن سمرة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يزال الإسلام عزيزاً الى اثني عشر خليفة ، ثم قال كلمة لم أفهمها ، فقلت لأبي : ما قال ؟ فقال : كلهم من قريش !
ثم روى مسلم رواية ثانية نحوها قال فيها ( ثم تكلم بشيء لم أفهمه ).
ثم روى ثالثة ، جاء فيها ( لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً الى اثني عشر خليفة ، فقال كلمة صَمَّنِيها الناس ! فقلت لأبي : ما قال ؟ قال : كلهم من قريش ). انتهى.
ولم يصرح البخاري أن هذا الحديث جزءٌ من خطبة حجة الوداع في عرفات ، وقد قلده غيره في ذلك ، ولكن عدداً من المصادر نصت عليه !
ففي مسند أحمد : ٥ / ٩٣ و ٩٦ و ٩٩ ( عن جابر بن سمرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات ، فقال ... ) وفي ص ٨٧ ( يقول في حجة الوداع ). وفي ص ٩٩ منه ( وقال المقدمي في حديثه : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلميخطب بمنى ). انتهى.
وستعرف أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمكرر هذا الموضوع المهم في عرفات ، وفي منى عند الجمرة ، وفي مسجد الخيف .. ثم أعلنه شرعياً وصريحاً في غدير خم !
* *