بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 206

قالوا : بلى ، فأخذ بيد عليعليه‌السلامفأقامه ورفع يده بيده وقال : فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، ومن كنت وليه فهذا علي وليه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيث دار.

ثم قال أبو جعفرعليه‌السلام: فوجبت ولاية عليعليه‌السلامعلى كل مسلم ومسلمة. انتهى.

ورواه بنحوه في تفسير العياشي : ١ / ٣٣٣ ، وفيه :

كنت عند أبي جعفر محمد بن عليعليه‌السلامبالأبطح وهو يحدث الناس ، فقام اليه رجل من أهل البصرة يقال له عثمان الأعشى ، كان يروي عن الحسن البصري .. الخ. وقد تقدمت بعض رواياته في آية إكمال الدين ، وهي في مصادرنا كثيرة وصحيحة.

ملاحظات عامة حول الأقوال المخالفةالملاحظة الأولى

مع أن البخاري عقد للآية في صحيحه بابين : الأول في : ٥ / ٨٨ ، وروى فيه حديثاً عن عائشة في التبليغ وعدم الكتمان ، والثاني في : ٨ / ٩ ، وروى فيه عن الزهري في التبليغ ، كما روى حديثين تضمنا الآية في : ٦ / ٥٠ ، وفي : ٨ / ٢١٠ ، وكذا مسلم : ١ / ١١٠

مع هذا فلم يرويا ولا روى غيرهما من أصحاب الصحاح شيئاً في تفسير الآية ، ما عدا رواية الترمذي في الحراسة ، والتي قال عنها إنها غريبة.

ونحن لا نرى أن عدم روايتهم لحديثٍ دليلاً ولا مؤشراً على ضعفه ، فكم من حديثٍ هو أصح مما في الصحاح لم يرووه ، وكم من حديثٍ روته الصحاح ، وذكر له علماء الجرح والتعديل عللاً كثيرة.

لكنا نريد القول : إن أصحاب الصحاح حريصون على رد مذهب أهل البيتعليهم‌السلام، وهم يعرفون أن آية التبليغ هذه يستدل بها أهل البيت وشيعتهم على مذهبهم ، فلو كان عندهم روايةٌ قويةٌ في ردها لرووها وكرروها ، حتى لا تبقى روايات الشيعة بلا معارض قوي.


صفحه 207

فمن ذلك نستكشف أن سبب تركهم روايتها ليس ضعف سندها ، بل ما رأوه من ضعف متنها ، وتعارض صيغها ، وورود الإشكالات على كل واحدةٍ منها ! فاضطروا الى عدم الرد على روايات الشيعة ، وما وافقها من روايات السنة !!

الملاحظة الثانية

أن روايات السنيين في تاريخ نزول الآية قد غطَّت الثلاث وعشرين سنة ، التي هي كل مدة بعثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمما عدا حجة الوداع التي نزلت فيها سورة المائدة !

وهو أمر يوجب الشك في أن الغرض من سعة تلك الروايات واستثنائها تلك الفترة وحدها ، هو التهرب من الفترة التاريخية التي نزلت فيها السورة !

الملاحظة الثالثة

أن سبب نزول الآية في مصادرنا سببٌ واحد ، بتاريخ واحد ، على نحو الجزم واليقين. أما في مصادر إخواننا السنيين فأسبابٌ متعددة ، بتواريخ متناقضة ، وعلماؤهم منها في شكٍّ وحيرة. وفي رواياتهم ما يوافق قول أهل البيتعليهم‌السلاموإن لم يقبله خلفاء قريش !

وعندما نواجه من كتاب الله تعالى آيةً يتفق المسلمون على أنها نزلت مرة واحدة في تاريخ واحد ، ونجد أنهم يروون تاريخاً متفقاً عليه ، وفيهم أهل بيت نبيهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمويروي بعضهم أسباباً أخرى متعارضة مختلفاً فيها .. فإن السبب المجمع على روايته يكون أقوى وأحق بالإتباع والفتوى.

تقييم الأقوال المخالفة على ضوء الآية

في الآية خمس مسائل لا بد من تحديدها لمعرفة السبب الصحيح في نزولها :

المسألة الأولى : في المأمور به في الآية :

لا يستقيم معنى الآية الشريفة إلا بحمل(أنزل)فيها على الماضي الحقيقي ، لأنها قالت(بلغ ما أنزل اليك)ولم تقل : بلغ ما سوف ينزل اليك .. وبيان ذلك :


صفحه 208

أولاً ، ظهور الفعل في الماضي الحقيقي ، وعدم وجود قرينةٍ توجب حمله على ما سوف ينزله الله تعالى في المستقبل. بل لم أجد استعمال(أنزل)في القرآن لما سوف ينزل أبداً ، على كثرة وروده في الآيات.

ثانياً ، أن الآية نزلت في آخر شهور نبوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وإذا حملنا الفعل على المستقبل يكون معناها : إنك إن لم تبلغ ما سوف ننزله عليك في هذه الشهور الباقية من نبوتك ، فإنك لم تبلغ رسالة ربك أبداً ! وهو معنى لم تجئ به رواية ، ولم يقل به أحدٌ من علماء الشيعة ، ولا السنة !

وإذا تعين حمل لفظ(أنزل اليك)على الماضي الحقيقي ، دلَّ على أن الله تعالى كان أنزل على رسوله أمراً ثقيلاً ، وأمره بتبليغه فكان الرسول يفكر في ثقله على الناس ، وفي كيفية تبليغه لهم ، فجاءت الآية لتقول له : لا تتأخر في التنفيذ ، ولا تفكر في موقف الناس ، هل يؤمنون أو يكفرون .. ولكن نطمئنك بأنهم سوف لن يكفروا ، وسنعصمك منهم. وهذا هو تفسير أهل البيتعليهم‌السلاموما وافقه من أحاديث السنيين.

المسألة الثانية : فيما يصحح الشرط والمشروط به في التبليغ :

وقد اتضح ذلك من المسألة الأولى ، وأنه لا معنى لقولك : يا فلان بلغ رسائلي التي سوف أرسلها معك ، فإنك إن لم تفعل لم تبلغ رسائلي ! لأنه من المعلوم أنه إن لم يفعل ، فلم يبلغ رسائلك ، ويكون كلامك من نوع قول الشاعر :

وفسر الماء بعد الجهد بالماءِ !

نعم يصح أن تقول له عن رسالة معينة فعلية أو مستقبلية : إن هذه الرسالة مهمة وضرورية جداً ، وإن لم تبلغها ، فإنك لم تبلغ شيئاً من رسائلي !

ـ قال في تفسير الميزان : ٦ / ٤٩ :

فالكلام موضوع في صوره التهديد وحقيقته بيان أهميه الحكم ، وأنه بحيث لو لم يصل الى الناس ولم يراع حقه كان كأن لم يراع حق شيء من أجزاء الدين.

فقوله : وإن لم تفعل فما بلغت ، جملة شرطية سيقت لبيان أهميه الشرط وجوداً


صفحه 209

وعدماً ، لترتب الجزاء الأهم عليه وجوداً وعدماً ، وليست شرطية مسوقة على طبع الشرطيات الدائرة عندنا ، فإنا نستعمل إن الشرطيه طبعاً فيما نجهل تحقق الجزاء للجهل بتحقق الشرط ، وحاشا ساحة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلممن أن يقدر القرآن في حقه احتمال أن يبلغ الحكم النازل عليه من ربه ، وأن لا يبلغ ! انتهى.

المسألة الثالثة : في نوع تخوف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم:

ولا بد من القول بأن الخوف الذي كان عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمكان خوفاً على الرسالة ، وليس على شخصه من القتل أو الأذى ، وذلك لعصمته وتقواه وشجاعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فإن الله تعالى كان أخبر رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلممن الأيام الأولى لبعثته ، بثقل مسؤولية النبوة والرسالة ، وجسامة تبعاتها .. وكان صلوات الله عليه وآله موطِّناً نفسه على كل ذلك ، فلا معنى لأن يقال بأنه تلكأ بعد ذلك أو تباطأ أو امتنع في أول البعثة ، أو في وسطها أو في آخرها ، حتى جاءه التهديد والتطمين !!

وقد تبين مما تقدم أن الخوف على الرسالة الذي كان يعيشه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمعند نزول الآية ، ليس إلا خوفه من ارتداد الأمة ، وعدم قبولها إمامة عترته من بعده.

المسألة الرابعة : في معنى الناس في الآية :

ـ قال الفخر الرازي في تفسيره : ٦ جزء ١٢ / ٥٠ :

واعلم أن المراد من(الناس)ها هنا الكفار بدليل قوله تعالى :إن الله لا يهدي القوم الكافرين... لا يمكنهم مما يريدون. انتهى.

ولا يمكن قبول ذلك ، لأن نص الآية العصمة من(الناس)وهو لفظ أعم من المسلمين والكفار ، فلا وجه لحصره بالكفار ..

وقد تصور الرازي أن المعصوم منهم هم الذين لا يهديهم الله تعالى ، وأن المعنى : إن الله سيعصمك من الكفار ولا يهديهم. ولكنه تصورٌ خاطىَ ، لأن ربْط عدم هدايته تعالى للكفار بالآية يتحقق من وجوه عديدة .. فقد يكون المعنى : سيعصمك من كل الناس ، ولا يهدي من يقصدك بأذى لأنه كافر. أو يكون المعنى : بلغ وسيعصمك الله


صفحه 210

من الناس ، ومن أبى ما تبلغه فهو كافر ، ولا يهديه الله تعالى. وقد ورد شبيه هذا المعنى في البخاري : ٨ / ١٣٩ قال : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ! قالوا : يا رسول الله ومن يأبى ! قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى. انتهى.

فإبقاء لفظة(الناس)على إطلاقها وشمولها للجميع ، يتناسب مع مصدر الأذى والخطر على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمالذي هو غير محصور بالكفار ، بل يشمل المنافقين من الأمة أيضاً. بل عرفت أن الخطر كاد يكون عند نزول الآية محصوراً فيهم.

ولكن الرازي يريد إبعاد الذم في الآية عن المنافقين ، وإبعاد الأمر الالهي فيها عن تبليغ ولاية أمير المؤمنين عليعليه‌السلام!

المسألة الخامسة : في معنى العصمة من الناس :

وقد اتضح مما تقدم أن العصمة الإلهية الموعودة في الآية ، لابد أن تكون متناسبة مع الخوف منهم ، ويكون معناها عصمتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلممن أن يطعنوا في نبوته ويتهموه بأنه حابى أسرته واستخلف عترته ، وقد كان من مقولاتهم المعروفة أن محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلميريد أن يجمع النبوة والخلافة لبني هاشم ، ويحرم قبائل قريش ..!!

وكأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمهو الذي يملك النبوة والإمامة ويعطيهما من جيبه !!

فهذا هو المعنى المتناسب مع خوف الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموأنه كان يفكر بينه وبين نفسه بما سيحدث من تبليغه ولاية عليعليه‌السلام.

فهي عصمةٌ في حفظ نبوته عند قريش ، وليست عصمةً من القتل أو الجرح أو الأذى ، كما ادعت الأقوال المخالفة. ولذلك لم تتغير حراستهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمبعد نزول الآية عما قبلها ، ولا تغيرت المخاطر والأذايا التي كان يواجهها ، بل زادت.

والقدر المتيقن من هذه العصمة حفظ نبوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمفي الأمة وإن ثقلت عليهم أوامره ، وقرروا مخالفته. والغرض منها بقاء النبوة ، وتمام الحجة لله تعالى.

وهي غير العصمة الإلهية الأصلية للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمفي أفعاله وأقواله وكل تصرفاته !


صفحه 211

وقد وفى الله سبحانه لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمعلية وآله بما وعد ، فقد أعلنصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمفي يوم الغدير خلافة علي والعترةعليهم‌السلامثم أمر أن تنصب لعلي خيمة ، وأن يهنؤوه بالولاية الإلهية عليهم .. ففعلوا ! ولم يخدش أحد منهم في نبوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ولكنهم عندما توفي فعلوا ما يريدون ، وأقصوا علياً والعترة:!بل أحرقوا بيتهم وأجبروهم على بيعة صاحبهم !!

مسألتان تتعلقان بآية العصمة من الناس

يوجد مسألتان ترتبطان بالآية الشريفة ، نتعرض لهما باختصار :

المسألة الأولى : محاربة عليعليه‌السلامبآية تبليغ ولايته

يشهد جميع المسلمين للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمبأنه بلغ عن ربه كل ما أمره به ، ونصح لأمته ، وتحمل أكثر من جميع الأنبياءصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

لكنك تجد في مصادر السنيين تهمةً للشيعة بأنهم يقولون إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمكتم أشياء ولم يبلغها الى الأمة ، والعياذ بالله. ويستدلون لردهم بآية(بلغ ما أنزل اليك).

ـ قال القرطبي في تفسيره : ٦ / ٢٤٣

من قال إن محمداً صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من الوحي فقد كذب الله تعالى يقول :يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، وقبح الله الروافض حيث قالوا : إنه صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً مما أوحى إليه كان بالناس حاجة إليه. انتهى.

ـ وقال القسطلاني في إرشاد الساري : ٧ / ١٠٦

وقال الراغب فيما حكاه الطيبي : فإن قيل : كيف قال : وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، وذلك كقولك إن لم تبلغ فما بلغت !

قيل : معناه وإن لم تبلغ كل ما أنزل اليك ، تكون في حكم من لم يبلغ شيئاً مما أنزل الله ، بخلاف ما قالت الشيعة إنه قد كتم أشياء على سبيل التقية !. انتهى.


صفحه 212

والظاهر أن قصة هذه التهمة وبيت القصيد فيها هو حديث عائشة القائل : من زعم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمكتم شيئاً من كتاب الله ، فقد أعظم على الله الفرية. وقد رووه عنها وأكثروا من روايته .. وقصدهم به الرد على عليعليه‌السلاموتكذيبه !

فقد كان عليعليه‌السلاميقول إنه وارث علم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموإن عنده غير القرآن حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمومواريثه .. فعنده جامعة فيها كل ما يحتاج اليه الناس حتى أرش الخدش.

وكان يقول إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمقد أخبره بما سيحدث على عترته من بعده حتى هجومهم على بيته وإحراقه ، وإجباره على بيعتهم ، وأنه أمره في كل ذلك بأوامره ..

ونحن الشيعة نعتقد بكل ذلك ، وتروي مصادرنا ، بل ومصادر السنيين عن مقام عليعليه‌السلاموقربه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمومكانته عنده ، وشهاداتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمفي حقه ما يوجب اليقين بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمكان مأموراً من الله تعالى أن يعد علياً إعدادا خاصاً ، ويورثه علمه .. مضافاً الى ما أعطى الله علياًعليه‌السلاممن صفات ومؤهلات وإلهام ..

ونعتقد بأن علياًعليه‌السلامطاهرٌ مطهر ، صادقٌ مصدق ، في كل ما يقوله ولو كان شهادةً لنفسه وعترته.

قال السيوطي في الدر المنثور : ٦ / ٢٦٠

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والواحدي ، وابن مردويه ، وابن عساكر ، وابن النجاري ، عن بريدة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلملعلي : إن الله أمرني أن أدنيك ، ولا أقصيك ، وأن أعلمك ، وأن تعي وحقٌّ لك أن تعي. فنزلت هذه الآية : وتعيها أذن واعية. انتهى.

ثم ذكر السيوطي رواية أبي نعيم في الحلية وفيها : فأنت أذُنٌ واعيةٌ لعلمي. انتهى.

وإذا كان حذيفة بن اليمان صاحب سر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموهو من أتباع عليعليه‌السلام، فإن علياً هو صاحب أسرار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموعلومه.

وقد روى الجميع أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمعهد اليه أن يقاتل على تأويل القرآن من بعده ، وأخبره أنه سيقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين !


صفحه 213

بل الظاهر أن وصايا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلملعلي كان بعضها معروفاً في حياته ، ومن ذلك وصيته له بأن يسجل مظلوميته ويقيم الحجة على القوم ، ولا يقاتلهم من أجل الخلافة .. فلو لم يكونوا يعرفون ذلك ، لما كانت عندهم جرأة أن يهاجموا علياً في بيته بعشرين مسلح أو خمسين ، ويقتحموا داره ، ثم يلقوا القبض عليه ، ويجروه بحمائل سيفه الى البيعة !!

لقد كان عليعليه‌السلاممعجزةً وأسطورةً في القوة والشجاعة ، وفي الهيبة والرعب في قلوب الناس .. وأكثر الذين هاجموه في داره كانوا معروفين بالخوف والفرار في عدة حروب .. ولم يكن أحدٌ منهم ولا من غيرهم يجرأ أن يقف في وجه عليعليه‌السلامإذا جرد ذا الفقار !!

ولكنهم كانوا مطمئنين أن إطاعته للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمتغلب شجاعته وغيرته ، وأنه سيعمل بالوصية ، ولن يجرد ذا الفقار ، حتى لو ضربت الزهراءعليها‌السلاموأسقط جنينها !!

والحاصل أن الخلافة القرشية قد ردت أقوال علي بأن عنده مواريث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموعلمه ، ونفت أن يكون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمورث عترته شيئاً لا علماً ولا أوقافاً ولا مالاً ! وبذلك صادر أبو بكر مزرعة فدك ، التي كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمأعطاها الى فاطمةعليها‌السلامعندما نزل قوله تعالى(وآت ذا القربى حقه)!

بل زادت السلطة على نفي كلام علي ، وحاولت أن تستفيد من آية الأمر بالتبليغ التي هي موضوع بحثنا فقالت : من قال إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمقد بلغه وحده أموراً وأحكاماً ، ولم يبلغها الى الأمة عامة ، فقد اتهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمبأنه قصر في تبليغ الأمة ، وهو نوع من الكفر بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم!! ومقولة عائشة المتقدمة هي مقولة السلطة في رد قول عليعليه‌السلام..

ـ قال البخاري في صحيحه : ٥ / ١٨٨ :

بابيا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك. عن عائشة رضي الله عنها قالت : من حدثك أن محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمكتم شيئاً مما أنزل عليه ، فقد كذب ، والله يقوليا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك. الآية. انتهى. ثم كرر البخاري ذلك في : ٦ / ٥٠ و ٨ / ٢١٠ ، ومسلم : ١ / ١٠ ، والترمذي : ٤ / ٣٢٨ ... وغيرهم.