ـ ففي الكافي : ٢ / ١١٧ ، عن الإمام الصادقعليهالسلامقال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: أمرني ربي بمداراة الناس ، كما أمرني بأداء الفرائض.
ـ وفي مجمع الزوائد ٨ / ١٧
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد الى الناس.
وعن بريدة قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل رجل من قريش فأدناه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقربه ، فلما قام قال : يا بريدة أتعرف هذا ؟
قلت : نعم ، هذا أوسط قريش حسباً ، وأكثرهم مالاً ، ثلاثاً.
فقلت يا رسول الله قد أنبأتك بعلمي فيه ، فأنت أعلم.
فقال : هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة وزناً.
وقد عقد البخاري في صحيحه أكثر من باب لمدارة الناس ، قال في : ٧ / ١٠٢
باب المداراة مع الناس. ويذكر عن أبي الدرداء إنا لنكشر في وجوه أقوام ، وإن قلوبنا لتلعنهم ... عن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال : إئذنوا له فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة ، فلما دخل ألان له الكلام ، فقلت يا رسول الله : قلت ما قلت ، ثم ألنت له في القول ؟! فقال : أي عائشة إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس ، اتقاء فحشه. انتهى.
ـ وفي وسيط النيسابوري ٢ / ٢٠٨
وقال الأنباري : كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلميجاهر ببعض القرآن أيام كان بمكة ، ويخفي بعضه اشفاقاً على نفسه من شر المشركين اليه ، والى أصحابه ... انتهى.
المسألة الثانية : الرد بالآية على من زعم أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمقد سُحِر
فقد استدل عددٌ من علماء الفريقين بالآية على كذب الروايات التي تزعم أن يهودياً قد سحر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفأخذ مشطهصلىاللهعليهوآلهوسلموبعض شعره ، وجعل فيه سحراً ودفنه
في بئر .. وزعموا أن ذلك السحر أثَّر في النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفصار يتخيل أنه فعل الأمر ولم يفعله !! وأنه بقي مدةً على تلك الحالة رجلاً مسحوراً ! حتى دله رجل أو ملك أو جبرئيل ، على الذي سحره وعلى البئر التي أودع المشط والمشاطة ، فذهب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمالى البئر ، ولكنه لم يستخرج المشط منها ، لأنه كان شفي من السحر ، ولم يرد أن يثير فتنة ، فأمر بدفن البئر !!
فقد روى البخاري هذه التهمة عن عائشة في خمس مواضع من صحيحه ، ففي : ٤ / ٩١ :
عن عائشة قالت : سُحِرَ النبى صلى الله عليه وسلم ، وقال الليث كتب الى هشام أنه سمعه ووعاه عن أبيه عن عائشة قالت سحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان يخيل اليه أنه يفعل الشيء وما يفعله ، حتى كان ذات يوم دعا ودعا ، ثم قال : أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي ؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي ، فقال أحدهما للآخر :
ما وجع الرجل ؟
قال : مطبوب !
قال : ومن طَبَّهُ ؟
قال : لبيد بن الأعصم ؟
قال : في ماذا ؟
قال : في مشط ومشاقة وجف طلعة ذكر !
قال : فأين هو ؟
قال : في بئر ذروان !
فخرج اليها النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم رجع فقال لعائشة حين رجع : نخلها كأنها روس الشياطين !
فقلت : استخرجته ؟
فقال : لا ، أما أنا فقد شفاني الله ، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شراً ، ثم
دفنت البئر!! انتهى. ورواه في : ٤ / ٦٨ ، و : ٤ / ٢٨ ـ ٢٩ و١٦٤ ، ورواه مسلم في : ٧ / ١٤ ، وغيره .. وغيره.
وقد رد هذه التهمة علماء الشيعة قاطبةً ، وقد تجرأ قليل من العلماء السنيين على ردها ! ومما استدلوا به آية(والله يعصمك من الناس).
ـ قال الطوسي في تفسير التبيان : ١ / ٣٨٤
ما روي من أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمسحر ـ وكان يرى أنه يفعل مالم يفعله ـ فأخبار آحادٍ لا يلتفت اليها ، وحاشا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلممن كل صفة نقصٍ ، إذ تنفر من قبول قوله ، لأنه حجة الله على خلقه ، وصفيه من عباده ، واختاره الله على علمٍ منه ، فكيف يجوز ذلك مع ما جنبه الله من الفظاظة والغلظة وغير ذلك من الأخلاق الدنيئة والخلق المشينة ، ولا يجوِّز ذلك على الأنبياء إلا من لم يعرف مقدارهم ، ولا يعرفهم حقيقة معرفتهم. وقد قال الله تعالى : والله يعصمك من الناس ، وقد أكذب الله من قال : إن يتبعون إلا رجلاً مسحوراً فقال : وقال الظالمون إن يتبعون إلا رجلاً مسحورا. فنعوذ بالله من الخذلان.
ـ وقال ابن إدريس العجلي في السرائر : ٣ / ٥٣٤
والرسولعليهالسلامما سُحِر عندنا بلا خلاف ، لقوله تعالى :والله يعصمك من الناس. وعند بعض المخالفين أنه سُحر ، وذلك بخلاف التنزيل المجيد !
ـ وقال المجلسي في بحار الأنوار : ٦٠ / ٣٨
ومنها سورة الفلق ، فقد اتفق جمهور المسلمين على أنها نزلت فيما كان من سحر لبيد بن أعصم اليهودي لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمحتى مرض ثلاث ليال.
ومنها ما روي أن جارية سحرت عايشة ، وأنه سحر ابن عمر حتى تكوعت يده !
فإن قيل : لو صح السحر لأضرت السحرة بجميع الأنبياء والصالحين ، ولحصلوا لأنفسهم ( على ) الملك العظيم ، وكيف يصح أن يسحر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلموقد قال الله :والله يعصمك من الناس، ولا يفلح الساحر حيث أتى! وكانت الكفرة يعيبون النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمبأنه مسحور ، مع القطع بأنهم كاذبون. انتهى.
وممن رد هذه التهمة من السنيين : النووي في المجموع : ١٩ / ٢٤٣ ، قال :
قلت : وأكتفي بهذا القدر من أحاديث سحر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم... تنبيه : قال الشهاب بعد نقل في التأويلات : عن أبي بكر الأصم أنه قال : إن حديث سحره صلى الله عليه وسلم المروي هنا متروكٌ لما يلزمه من صدق قول الكفرة أنه مسحور ، وهو مخالف لنص القرآن حيث أكذبهم الله فيه.
ونقل الرازي عن القاضي أنه قال : هذه الرواية باطلةٌ ، وكيف يمكن القول بصحتها والله تعالى يقول :والله يعصمك من الناس، وقال : ولا يفلح الساحر حيث أتى ، ولأن تجويزه يفضي الى القدح في النبوة ، ولأنه لو صح ذلك لكان من الواجب أن يصلوا الى ضرر جميع الأنبياء والصالحين. انتهى.
ـ والرازي في تفسيره : ١٦ جزء ٣٢ / ١٨٧ قال : قول جمهور المسلمين أن لبيد بن أعصم اليهودي سحر النبىصلىاللهعليهوآلهوسلمفى إحدى عشرة عقدة ... فاعلم أن المعتزلة أنكروا ذلك بأسرهم. وكيف يمكن القول بصحتها والله تعالى يقول : والله يعصمك من الناس ... قال الأصحاب : هذه القصة قد صحت عند جمهور أهل النقل ... الخ. انتهى.
ولكن هؤلاء قلة من علماء السنة ، فأكثرهم يقبلون أحاديث سحر نبيهم !!
وأصل المشكلة عندهم أنهم يقبلون كلام عائشة وكلام البخاري مهما كان ، ولا يسمحون لأنفسهم ولا لأحدٍ أن يبحثه وينقده .. وقد أوقعهم هذا المنهج في مشكلات عقائدية عديدة ، في التوحيد والنبوة والشفاعة .. ومنها أحاديث بدء الوحي وورقة بن نوفل ، وحديث الغرانيق الذي أخذه المرتد سلمان رشدي وحرفه وسماه الآيات الشيطانية .. ومنها أحاديث أن اليهود سحروا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمالتي رواها البخاري عن عائشة !
وقد تحيروا فيها كما رأيت ، ولم يجرأ أحد منهم على القول إنها من المكذوبات على عائشة ، أو من خيالات النساء ..
والرد الصحيح أن تهمة السحر تتنافى مع أصل النبوة ، وأنها تهمة الكفار التي برأ الله نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم، منها بنص القرآن ، كما تقدم.
أما ردها بآية العصمة فهو ضعيف ، لأنه قد يجاب عنه بأن آية العصمة نزلت في آخر عمرهصلىاللهعليهوآلهوسلم، وقصة السحر المزعومة كانت قبلها.
وأما على تفسيرنا للآية ، فقد عرفت أن القدر المتيقن من العصمة فيها عصمتهصلىاللهعليهوآلهوسلممن ارتداد قريش والمسلمين في حياته ، بسبب تبليغه ولاية عترته من بعده .. فيقتصر فيها على هذا القدر المتيقن ، ما لم يقم دليل على شمولها لغيره.
وقد أكثر المفسرون والشراح السنييون من الكلام في هذا الموضوع ، وتجشموا احتمالات كثيرة .. كل ذلك بسبب تفسيرهم الخاطئ للآية وتصورهم أنها تفيد عصمتهصلىاللهعليهوآلهوسلممن القتل والسم والجرح والأذى.
ومن ذلك أنهم تصوروا أن الآية تعارض الرواية القائلة إن موتهصلىاللهعليهوآلهوسلماستند الى اللقمة التي أكلها من الشاة المسمومة التي قدمتها اليه اليهودية ، ثم أتاه جبريلعليهالسلامفأخبره فامتنع عن الأكل ، فانتقض عليه سم تلك اللقمة بعد سنة فتوفي بسببه ..
ـ قال في هامش الشفا ١ / ٣١٧ :
فإن قيل : ما الجمع بين قوله تعالى(والله يعصمك من الناس)وبين هذا الحديث المقتضي لعدم العصمة ، لأن موتهعليهالسلامبالسم الصادر من اليهودية ؟
والجواب : أن الآية نزلت عام تبوك ، والسم كان بخيبر قبل ذلك.
* *
ومن ذلك ما تحيروا فيه من أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمقد تمنى القتل في سبيل الله تعالى ، مع أنه الآية تدل على عصمته من القتل ، فهل يجوز أن يتمنى النبي شيئاً وهو يعلم أنه لا يكون ؟! قال في فتح الباري في شرح البخاري : ٨ / ٢٦٤٤ : عن أبي هريرة قال سمعت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلميقول .. والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ....
استشكل بعض الشراح صدور هذا التمني من النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بأنه لا يقتل ، وأجاب بن التين بأن ذلك لعله كان قبل نزول قوله تعالى : والله يعصمك من الناس ، وهو متعقب فإن نزولها كان في أوائل ما قدم المدينة ، وهذا الحديث صرح أبو هريرة بأنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما قدم أبو هريرة في أوائل سنة سبع من الهجرة.
والذي يظهر في الجواب : أن تمنى الفضل والخير لا يستلزم الوقوع ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : وددت لو أن موسى صبر ، كما سيأتي في مكانه ، وسيأتي في كتاب التمني نظائر لذلك ، وكأنه صلى الله عليه وسلم أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه ، قال بن التين : وهذا أشبه.
وحكى شيخنا بن الملقن أن بعض الناس زعم أن قوله ( ولوددت ) مدرج من كلام أبي هريرة ، قال : وهو بعيد. ونحوه في عمدة القاري : ٧ جزء ١٤ / ٩٥
ونقول : لو ثبت ذلك عنهصلىاللهعليهوآلهوسلملكان تمنياً حقيقياً ، لأن الآية إنما تضمن عدم ردة الناس في حياتهصلىاللهعليهوآلهوسلم، ولا ربط لها بضمان عدم القتل والجرح والأذى.
* *
الفصل الثالث
قصة الغديرقريش في حجة الوداع
رأيت في أحاديث حجة الوداع كيف ركز النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفي خطبه وكلامه وتصرفاته على مقام أهل بيتهعليهمالسلامفبشر الأمة بالائمة الإثني عشر منهم .. وبلغها أن الله تعالى جعل وجوب طاعتهم الى جانب القرآن ، فسماهم مع القرآن ( الثقلين ) ، وأنه تعالى حرم عليهم الصدقات وجعل لهم مالية خاصة هي : الخمس .. الخ.
لقد كانت خطبهصلىاللهعليهوآلهوسلمفي الحج ، وما رافقها من أعماله وأقواله ، في علي وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام، أقصى ما يمكن أن تتحمله قريش من ترسيخ قيادة بني هاشم ، و ( حرمان ) بقية قبائل قريش من القيادة حسب زعمهم ، بل تكريس قريش عبيداً طلقاء لبني هاشم !!
ولا تذكر المصادر السنية ردة الفعل الصريحة لزعماء قريش المعروفين على هذه الخطب والأعمال النبوية في حجة الوداع.
ومن الطبيعي أن لا تذكر ذلك .. فهل تريد من مصدر قرشي أن يعترف لك بأن
قريشاً لم تكن مرتاحة لكلام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم؟! وأن سهيل بن عمرو ، وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية بن خلف ، وحكيم بن حزام ، وصهيب بن سنان ، وأبا الأعور السلمي ... وغيرهم ، وغيرهم .. كانوا مكفهري الوجوه من تمهيد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلملبني هاشم ، وأنهم نشطوا في اتصالاتهم مع القرشيين المهاجرين ، من غير بني هاشم لمعالجة هذا الإتجاه النبوي الخطير ؟!!
أما مصادرنا الشيعية فتذكر أنهم نشطوا ضد بني هاشم في حجة الوداع ، وأن نشاطهم زاد في منى في أيام التشريق ، وكانت نتيجة مشاوراتهم ومحادثاتهم أن كتبوا بينهم صحيفة تسميها مصادرنا ( الصحيفة الملعونة ) لأنهم تعاهدوا فيها أن لا يسمحوا لبني هاشم أن يجمعوا بين النبوة والخلافة !
وتذكر أن بضعة نفر من ممثليهم انسلوا خفيةً من منى الى مكة ، ووقعوا الصحيفة في داخل الكعبة !
فكانت صحيفة قرشية جديدة ضد بني هاشم ، ولكنها هذه المرة ليست لمحاصرتهم في الشعب باسم اللات والعزى .. بل لعزلهم سياسياً وحرمانهم من القيادة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، باسم الإسلام !!
وذكرت مصادرنا أن الله تعالى أطلع نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلمعلى هذه الصحيفة ، فأخبر أصحابها بفعلتهم ، فارتعدت فرائصهم !
ولكنهصلىاللهعليهوآلهوسلماكتفى بإتمام الحجة عليهم ، وترك لهم حرية العمل وفق قانون تبليغ الأنبياءعليهمالسلاموواجبهم في إقامة الحجة لله تعالى على عباده !
وإذا كان ما ذكرته الصحاح السنية من لغطٍ وكلامٍ وضجةٍ وصراخٍ في وسط خطبة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفي عرفات ، عندما وصل الى نسب الأئمة الإثني عشر من بعده ـ إذا كان ذلك واحداً من فعاليات قريش المنظمة ضد بني هاشم ـ فلا بد أن يكون النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأنبهم عليه أيضاً ، وعرفهم أنه مطلعٌ عليه جيداً !!