والذى بعثني بالحق نبياً ما أخرتك إلا لنفسي ، فأنت مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، وأنت أخي ووارثي ، وأنت معي في قصري في الجنة.
ثم قال له : وإذا ذاكرك أحد فقل : أنا عبد الله وأخو رسوله ، ولا يدعيها بعدي إلا كاذب مفتر ( الرياض النضرة : ٢ / ١٦٨ منتخب كنز العمال : ٥ / ٤٥ و ٤٦ ).
ولذلك نفسه تراهصلىاللهعليهوآلهوسلمحينما عرض نفسه على القبائل فلم يرفعوا اليه رؤوسهم ، ثم عرض نفسه على بني عامر بن صعصعة قال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس بن عبد الله بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة : والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ، ثم قال لرسول الله : أرأيت إن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟
قال : الأمر الى الله يضعه حيث يشاء.
قال فقال له : أفنهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ، لا حاجة لنا بأمرك ، فأبوا عليه ( راجع سيرة ابن هشام : ١ / ٤٢٤ الروض الأنف : ١ / ٢٦٤ بهجة المحافل : ١ / ١٢٨ ، سيرة زيني دحلان : ١ / ٣٠٢ السيرة الحلبية : ٢ / ٣ ). فلولا أنهصلىاللهعليهوآلهوسلمكان تعاهد مع عليعليهالسلامبالخلافة والوصاية بأمر من الله عز وجل قبل ذلك ، لما ردهم بهذا الكلام المؤيس ، وهو بحاجة ماسة من نصرة أمثالهم. انتهى.
ـ وفي دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي : ١ / ١٥
وروينا أيضاً عن علي بن أبي طالب صلى الله عليه أنه قال : لما أنزل الله عز وجل :وأنذر عشيرتك الأقربين، جمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمبني عبد المطلب على فخذ شاة وقدح من لبن ، وإن فيهم يومئد عشرة ليس منهم رجل إلا أن يأكل الجذعة ويشرب الفرق ، وهم بضع وأربعون رجلاً ، فأكلوا حتى صدروا وشربوا حتى ارتووا ، وفيهم يومئذ أبو لهب ، فقال لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم:
يا بني عبد المطلب أطيعوني تكونوا ملوك الأرض وحكامها ، إن الله لم يبعث نبياً إلا جعل له وصياً ووزيراً ووارثاً وأخاً وولياً ، فأيكم يكون وصيي ووارثي ووليي وأخي ووزيري ؟
فسكتوا ، فجعل يعرض ذلك عليهم رجلاً رجلاً ، ليس منهم أحد يقبله ، حتى لم يبق منهم أحد غيري ، وأنا يومئذ من أحدثهم سناً ، فعرض عليَّ فقلت : أنا يا رسول الله. فقال : نعم ، أنت يا علي.
فلما انصرفوا قال لهم أبو لهب : لو لم تستدلوا على سحر صاحبكم إلا بما رأيتم ، أتاكم بفخذ شاة وقدح من لبن فشبعتم ورويتم ! وجعلوا يهزؤون ويقولون لأبي طالب : قد قدم ابنك اليوم عليك. انتهى.
ولا بد أن تكون حادثة دعوة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلملبني هاشم قد شاعت في قريش ، ثم في العرب ، فقالوا إن النبي الجديد جمع عشيرته وأنذرهم ودعاهم الى دينه ، وإنه طلب منهم شخصاً يكون له وزيراً وخليفةً من بعده ، فأجابه ابن عمه الشاب الغلام .. فاتخذه وزيراً وخليفة !
* *
فهذه النصوص تدل على أن ولاية الأمر بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمكانت مطروحةً ومنظورةً للناس ، من أول بعثته الى آخر حياتهصلىاللهعليهوآلهوسلم.. وأن كل الناس كانوا يعرفون أن مشروع النبوة ودعوة الناس اليها ، هو مشروع تكوين دولة يرأسها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، وتحتاج الى خليفة له بعده. ولذلك كان ممثلو القبائل يحاولون أن يأخذوا منه وعداً بأن يكون لهم الأمر من بعده ، ومنهم ممثلون لقبائل يمانية وعدنانية ، وزعيم قبائل نجد المتنقلة .. فكيف يصدق عاقلٌ ما زعمه زعماء قريش ، من أنهم لم يطرحوا مسألة الخلافة مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، حتى بصيغة سؤال عن الحكم الشرعي وواجب المسلمين من بعده !!
وكيف يقبل عاقل أنهم يروون عنهصلىاللهعليهوآلهوسلمأحاديث عن مستقبل الأمة في كل الأمور ، إلا في أمر الخلافة والإمام الشرعي من بعده ؟!
* *
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
البحث الثاني
النبيصلىاللهعليهوآلهوسلميبشر بالأئمة الإثني عشر من بعده
في اعتقادنا أن ولاية الأمر بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمكانت أمراً مفروغاً عنه عندهصلىاللهعليهوآلهوسلم، وأن الله تعالى أمره أن يبلغ الأمة ولاية عترته من بعده ، كما هي سنته تعالى في أنبيائه ، أن يورث عترتهم الكتاب والحكم والنبوة ..
ونبيناصلىاللهعليهوآلهوسلمأفضلهم ، ولا نبوة بعده ، بل إمامةٌ ووراثةُ الكتاب ..
وعترته وذريتهصلىاللهعليهوآلهوسلمأفضل من ذريات جميع الأنبياءعليهمالسلاموقد طهرهم الله تعالى واصطفاهم ، وأورثهم الحكم والكتاب ( ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ... ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ... ).
وقد كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمطوال نبوته يبلغ ولاية عترته بالحكمة والتدريج ، والتلويح والتصريح ، لعلمه بحسد قريش لبني هاشم ، وخططها لإبعادهم عن الحكم بعده ، بل قد لمسصلىاللهعليهوآلهوسلممراتٍ عديدة عنف قريش ضدهم ، فأجابهم بغضب نبوي !
وكانت حجة الوداع فرصةً مناسبةً للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلملكي يبلغ الأمة ولاية الأمر لعترته رسمياً على أوسع نطاق ، حيث لم يبق بعد تبليغ الفرائض والأحكام ، واتساع الدولة الإسلامية ، والمخاطر المحيطة بها ، وإعلان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمقرب رحيله الى ربه .. إلا أن يرتب أمر الحكم من بعده.
بل تدل النصوص ومنطق الأمور ، على أن ذلك كان هو الهم الأكبر للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفي حجة الوداع ، وأن قريشاً كانت تعرف جيداً ماذا يريد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، وتعمل لمنع إعلان ذلك! وأنها زادت من فعاليتها في حجة الوداع لمنع تكريس ولاية علي والعترةعليهمالسلامبشكل رسمي ، وأخذ البيعة لهم من الأمة !
ولا يتسع هذا البحث للإستدلال على المفردات التي ذكرناها .. وكل مفردة منها عليها عدة أدلة .. بل نكتفي هنا باستطلاع خطب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفي حجة الوداع .. فقد ذكرت المصادر أنهصلىاللهعليهوآلهوسلمخطب خمس خطب غير خطبة الغدير ، وكان من حق هذه الخطب النبوية أن تنقلها المصادر كاملةً غير منقوصة ، لأن المستمعين كانوا عشرات الألوف .. ولكنك تراها مجزأةً مقتضبة ، خاصة في الصحاح المعتمدة رسمياً عند الخلافة القرشية. قال في السيرة الحلبية : ٣ / ٣٣٣ :
خطب صلى الله عليه وسلم في الحج خمس خطب : الأولى يوم السابع من ذي الحجة بمكة ، والثانية يوم عرفة ، والثالثة يوم النحر بمنى ، والرابعة يوم القر بمنى ، والخامسة يوم النفر الأول بمنى أيضاً. انتهى.
وقد راجعنا نصوص هذه الخطب من أكثر من مئة مصدر ، فوجدنا فيها الغرائب والعجائب ، من التعارض والتضارب ، والمؤشرات والأدلة على تدخلات قريش ورواتها في نصوصها !!
وكل ذنب خطب الوداع أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأمر المسلمين فيها بإطاعة أهل بيته من بعده ، وحذرهم من الإختلاف بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ، وأقام عليهم الحجة ، كاملةً غير منقوصة !
ولكن رغم كل التعتيم القرشي ، فقد وصلنا منها في المصادر القرشية نفسها ، ما فيه بلاغٌ لمن أراد معرفة أوامر نبيه ، وتأكيده على الإلتزام بقيادة عترته الطاهرين من بعده .. صلى الله عليه وعليهم.
ونذكر منها فيما يلي : حديث الأئمة الإثني عشر ، حيث اتفق الجميع على أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمطرح قضيتهم في خطبه على المسلمين في حجة الوداع !
ثم نستعرض أهم ما تضمنته الخطب الشريفة من محاور ، ومنها حديث الثقلين : الكتاب والعترة ، وحديث : حوض النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، والصحابة الذين يمنعون من الورود عليه ، ويؤمر بهم الى النار !
ـ روى البخاري في صحيحه : ٨ / ١٢٧ :
جابر بن سمرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : يكون اثنا عشر أميراً ، فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي : إنه قال : كلهم من قريش !
ـ وفي صحيح مسلم : ٦ / ٣ :
جابر بن سمرة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يزال الإسلام عزيزاً الى اثني عشر خليفة ، ثم قال كلمة لم أفهمها ، فقلت لأبي : ما قال ؟ فقال : كلهم من قريش !
ثم روى مسلم رواية ثانية نحوها قال فيها ( ثم تكلم بشيء لم أفهمه ).
ثم روى ثالثة ، جاء فيها ( لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً الى اثني عشر خليفة ، فقال كلمة صَمَّنِيها الناس ! فقلت لأبي : ما قال ؟ قال : كلهم من قريش ). انتهى.
ولم يصرح البخاري أن هذا الحديث جزءٌ من خطبة حجة الوداع في عرفات ، وقد قلده غيره في ذلك ، ولكن عدداً من المصادر نصت عليه !
ففي مسند أحمد : ٥ / ٩٣ و ٩٦ و ٩٩ ( عن جابر بن سمرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات ، فقال ... ) وفي ص ٨٧ ( يقول في حجة الوداع ). وفي ص ٩٩ منه ( وقال المقدمي في حديثه : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلميخطب بمنى ). انتهى.
وستعرف أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمكرر هذا الموضوع المهم في عرفات ، وفي منى عند الجمرة ، وفي مسجد الخيف .. ثم أعلنه شرعياً وصريحاً في غدير خم !
* *
فما هي قصة الأئمة الإثني عشر ؟ ولماذا طرحها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمعلى أكبر تجمعٍ للمسلمين ، وهو يودع أمته ؟!
يجيبك البخاري : إن هؤلاء ليسوا أئمة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمتجب طاعتهم ، بل هم أمراء صالحون سوف يكونون في أمته في زمن ما ، وأنهصلىاللهعليهوآلهوسلمقد أخبر أمته بما أخبره الله تعالى من أمرهم ، وأنهم جميعاً من قريش ، لا من بني هاشم وحدهم ، بل من البضع وعشرين قبيلة التي تتكون منها قريش ! وليس فيهم من الأنصار ، ولا من قبائل العرب الأخرى ، ولا من غير العرب .. وهذا كل ما في الأمر !!
وتسأل البخاري : لماذا أخبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأمته في حجة الوداع في عرفات بهؤلاء الإثني عشر ؟ وما هو الأمر العملي الذي يترتب على ذلك ؟!
يجيبك البخاري : بأن الموضوع مجرد إخبار فقط ، فقد أحب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأن يخبر أمته بذلك ، لكي تأنس به .. فكأنه مجرد خبرٍ صحفي ليس فيه أي عنصرٍ عملي !!
والنتيجة : أن البخاري لم يروِ في صحيحه في الأئمة الإثني عشر إلا هذه الرواية اليتيمة المبهمة ، التي لا يمكنك أن تفهمها أنت ولا قومك ! بينما روى عن حيض أم المؤمنين عائشة في حجة الوداع روايات عديدة ، واضحة مفهومة ، تبين كيف احترمها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، وأرسل معها من يساعدها على إحرامها وعمرتها !
* *
أما مسلم فكان أكرم من البخاري قليلاً ، لأنه اختار روايةً يفهم منها أن هؤلاء الإثني عشر هم خلفاء يحكمون بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم!
ويفرح المسلم بحديث مسلم هذا ، لأنه يعني أن الله تعالى قد حل مشكلة الحكم في الأمة بعد نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم، فهؤلاء أئمة معينون من الله تعالى على لسان نبيه ، ويستمدون شرعيتهم من هذا التعيين ، ولا يحتاج الأمر الى سقيفة واختلافات ، ثم الى صراعٍ دموي على الحكم من صدر الإسلام الى يومنا هذا .. وملايين الضحايا .. وانقساماتٍ في الأمة أدت الى تراكم ضعفها .. الى أن .. انهارت خلافتها وخلفاؤها !
ولكن رواية مسلم تقول : كلا لم تحل المشكلة ، لأن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأخبر عنهم إخباراً مجملاً ! ولم يخبر المسلمين عن هويتهم وأسمائهم ؟ ولم يسأله أحدٌ من عشرات الألوف الذين أخبرهم بهذا الموضوع الخطير : من هم يا رسول الله ؟!
وياليت أحدهم سأله فحددهم ، حتى تسلم قريش لهم الأمر بلا منازع ؟!
يقول مسلم كما قال البخاري : كلا ، كلا .. إنهم فقط أناسٌ ربانيون ، يعز الله بهم الإسلام .. وهم من قريش .. من قريش !!
* *
وهكذا لا يمكنك أن تصل من البخاري ومسلم الى نتيجة مقنعة في أمر هؤلاء الأئمة الإثني عشر .. فقد أقفل الشيخان عليك الأبواب ، وقالا لك مقولة قريش : إن نبيك تحدث في حجة الوداع عن رائحة الأئمة الإثني عشر فقط ، فشمها واسكت !
ولكنك لا تعدم الكشف عن عناصر مفيدة من مصادر قرشية أخرى ، أقل مراعاة من البخاري ومسلم للسياسة وأهلها ، أو أن ظروف أصحابها أحسن من ظروفهما !
فقد روى أحمد في مسنده : ٥ / ٩٢ ، عن نفس الراوي جابر السوائي قال : إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يكون ( بعدي ) ...
وروى في نفس الصفحة عن نفس الراوي جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يكون بعدي اثنا عشر خليفة ، كلهم من قريش. قال ثم رجع الى منزله ، فأتته قريش فقالوا : ثم يكون ماذا ؟ قال : ثم يكون الهرج. انتهى.
ففي الروايتين كلمة ( بعدي ) والمفهوم منها أنهم يكونون بعده مباشرة ، والثانية تكشف عن اهتمام قريش بالموضوع ، وسؤالهم عن هؤلاء الأئمة الربانيين ، وأن القصة في المدينة ، لا في حجة الوداع ، فاحفظ ذلك لما يأتي !
وقد وردت كلمة بعدي ، ومن بعدي ، في عدد من روايات الحديث ، منها ما رواه أحمد أيضاً في : ٥ / ٩٤ ، عن نفس الرواي ( يكون بعدي اثنا عشر أميراً ، ثم لا أدري ما قال بعد ذلك ، فسألت القوم .. )