ـ وفي مستدرك الحاكم : ٢ / ٣٣٨
عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي بن كعبرضياللهعنهقال : آخر ما نزل من القرآن : لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم. حديث شعبة عن يونس بن عبيد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. انتهى. وهذه الرواية ( الصحيحة ) على شرط الشيخين تقصد الآيتين ١٢٨ ـ ١٢٩ ، من سورة التوبة.
ـ وفي الدر المنثور : ٣ / ٢٩٥
وأخرج ابن أبي شيبة ، واسحق بن راهويه ، وابن منيع في مسنده ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، من طريق يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب قال : آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ـ وفي لفظ أن آخر ما نزل من القرآن ـ لقد جاءكم رسول من أنفسكم الى آخر .. الآية.
* وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن ، وابن الأنباري في المصاحف ، وابن مروديه ، عن الحسن أن أبي بن كعب كان يقول : إن أحدث القرآن عهداً بالله ـ وفي لفظ بالسماء ـ هاتان الآيتان : لقد جاءكم رسول من أنفسكم .. الى آخر السورة.
ـ الدر المنثور : ٣ / ٢٩٥
واخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند ، وابن الضريس في فضائله ، وابن أبي دؤاد في المصاحف : وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، والخطيب في تلخيص المتشابه ، والضياء في المختارة ، من طريق أبي العالية ، عن أبي بن كعب ، أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر ، فكان رجال يكتبون ويمل عليهم أبي بن كعب ، حتى انتهوا الى هذه الآية من سورة براءة : ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ... قوم لا يفقهون ، فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن ، فقال أبي بن كعب : إن النبى صلى الله عليه وسلم قد أقرأني بعد هذا آيتين : لقد
جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم ، فإن تولوا فقل حسبى الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. فهذا آخر ما نزل من القرآن. قال فختم الأمر بما فتح به بلا إله إلا الله ، يقول الله :وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحي اليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون.
وأخرج ابن أبي دؤاد في المصاحف عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال : أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن فقام في الناس فقال : من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأتنا به ، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب ، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شهيدان ، فقتل وهو يجمع ذلك اليه.
فقام عثمان بن عفان فقال : من كان عنده شيء من كتاب الله فليأتنا به ، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد به شاهدان ، فجاء خزيمة بن ثابت فقال : إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما !
فقالوا : ما هما ؟
قال : تلقيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم :ولقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم.. الى آخر السورة.
فقال عثمان : وأنا أشهد أنهما من عند الله ، فأين ترى أن نجعلهما ؟
قال : إختم بهما آخر ما نزل من القرآن ، فختمت بهما براءة. انتهى.
وشبيه به في سنن أبي داود : ١ / ١٨٢ ، وقد بحثنا هذه الروايات في كتاب تدوين القرآن.
* *
ـ وفي صحيح مسلم : ٨ / ٢٤٣
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : قال لي ابن عباس : تعلم ـ وقال هارون تدري ـ آخر سورة نزلت من القرآن نزلت جميعاً ؟
قلت نعم ،إذا جاء نصر الله والفتح. قال : صدقت.
وفي رواية ابن أبي شيبة : تعلم أي سورة ، ولم يقل آخر.
ـ وفي سنن الترمذي : ٤ / ٣٢٦
وقد روي عن ابن عباس أنه قال : آخر سورة أنزلت :إذ جاء نصر الله والفتح.
ـ وفي الغدير : ١ / ٢٢٨ : وروى ابن كثير في تفسيره : ٢ / ٢
عن عبد الله بن عمر أن آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح ( يعني النصر ).
ـ وفي الدر المنثور : ٦ / ٤٠٧
وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن أبي هريرة في قوله :إذا جاء نصر الله والفتح، قال : علمٌ وحدٌّ حده الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ، ونعى اليه نفسه ، إنك لا تبقى بعد فتح مكة إلا قليلا.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عباس قال : آخر سورة نزلت من القرآن جميعاً :إذا جاء نصر الله والفتح.
* *
ـ وفي المجعم الكبير للطبرانى : ١٢ / ١٩
عن ابن عباس قال : آخر آية أنزلت :واتقوا يوماً ترجعون فيه الى الله. انتهى. وهي الآية ٢٨١ من سورة البقرة !
* *
ونذكر في آخر ادعاءاتهم في آخر آيةٍ من القرآن : أن معاوية بن أبي سفيان أدلى بدلوه في هذا الموضوع ، ونفى على المنبر أن تكون آية(اليوم أكملت لكم دينكم..)آخر ما نزل ، وأفتى للمسلمين بأن آخر آيةٍ نزلت هي الآية ١١٠ من سورة الكهف ، وأنها وكانت تأديباً من الله لنبيه !! ففي المعجم الكبير للطبراني : ١٩ / ٣٩٢ :
عمرو بن قيس أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر نزع بهذه الآية : اليوم
أكملت لكم دينكم .. قال : نزلت يوم عرفة في يوم جمعة ، ثم تلا هذه الآية :فمن كان يرجو لقاء ربه... وقال : إنها آخر آية نزلت .... تأديباً لرسول الله .. انتهى.
وقد التفت السيوطي الى أن كيل التناقض قد طفح لإبعاد آية إكمال الدين عن ختم القرآن ، وحجة الوداع ، وغدير خم .. فاستشكل في قبول قول معاوية وعمر ! ولكنه مرَّ بذلك مروراً سريعاً ، على عادتهم في التغطية والتستر والروغان !
قال في الإتقان : ١ / ١٠٢
من المشكل على ما تقدم قوله تعالى :اليوم أكملت لكم دينكم، فإنها نزلت بعرفة في حجة الوداع وظاهرها إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها. وقد صرح بذلك جماعة منهم السدي ، فقال : لم ينزل بعدها حلالٌ ولا حرامٌ ، مع أنه ورد في آية الربا والدين والكلالة أنها نزلت بعدها !
وقد استشكل ذلك ابن جرير وقال : الأولى أن يتأول على أنه أكمل لهم الدين بإفرادهم بالبلد الحرام ، وإجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون ، لا يخالطهم المشركون ! انتهى.
ومعنى كلام ابن جرير الطبري الذي ارتضاه السيوطي : أن حل التناقض في كلام الصحابة بأن نقبله ونبعد إكمال الدين وإتمام النعمة عن التشريع وتنزيل الأحكام والفرائض ، ونحصره بتحرير مكة فقط ، حتى تسلم لنا أحاديث عمر عن الكلالة والربا وحديث معاوية في آخر آية في ( تأديب النبي ) !!
إنها فتوى تتكرر أمامك من العلماء السنيين بوجوب قبول كلام الصحابة ـ ما عدا أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمـ حتى لو استلزم ذلك تفريغ آيات الله تعالى وأحاديث رسوله من معانيها ! فهم عملياً يعطون الصحابة درجة العصمة ، بل يعطونهم حق النقض على كلام الله تعالى وكلام رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم، لأنهم يجعلون كلامهم حاكماً عليه !
ثم يفرضون عليك أن تقبل ذلك وتغمض عينيك ، وتصمَّ سمعك عن صراخ ضحاياهم من الآيات الظاهرة والأحاديث الصحيحة !!
ونتيجة هذا المنطق :أن آية اليوم أكملت لكم دينكمليست آخر آية ، ولا سورتها آخر سورة ، ولا معناها أكملت لكم الفرائض والأحكام ، بل أكملت لكم فتح مكة !
وأن معنى ( اليوم ) في الآية ليس يوم نزول الآية ، بل قبل سنتين من حجة الوداع !
وسوف تعرف أن الخليفة عمر أقر في جواب اليهودي بأن معنى اليوم في الآية : يوم نزولها ، وليس يوم فتح مكة ! بل قال القرطبي إن اليوم هنا بمعنى الساعة التي نزلت فيها الآية ، كما سيأتي.
نص الآية الكريمة
يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً،وإذا حللتم فاصطادوا،ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا،وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان،واتقوا الله إن الله شديد العقاب.
حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم،وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام،ذلكم فسق،اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشونـاليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناـفمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم. المائدة ٢ ـ ٣
* *
آية إكمال الدين واللحوم المحرمة
أول ما يواجه الباحث في آية إكمال الدين غرابة مكانها في القرآن ، فظاهر ما رواه المحدثون والمفسرون عنها ، أنها نزلت في حجة الوداع آية مستقلة لا جزء آية .. ثم يجدها في القرآن جزءً من آية اللحوم المحرمة ، وكأنها حشرت حشراً في وسطها ، بحيث لو رفعنا آية إكمال الدين منها لما نقص من معناها شيء ، بل لاتصل السياق !!
فما هي الحكمة من هذا السياق ؟ وهل كان هذا موضعها الأصلي من القرآن ، أم وضعت هنا باجتهاد بعض الصحابة ؟!
نحن لا نقبل القول بوقوع تحريف في كتاب الله تعالى ، معاذ الله ، لكن نتساءل عسى أن يعرف أحد الجواب : ما هو ربط آية إكمال الدين باللحوم المحرمة ؟
ألا يحتمل أن تكون بالأساس في خاتمة سورة المائدة مثلاً ، ولم يلتفت الى ذلك الذين جمعوا القرآن ، فوضعوها هنا.
ثم .. قد يقبل الإنسان أن تكون الآية نزلت بعد آيات بيان أحكام اللحوم ، ولكن كيف يمكن أن ينزلها الله تعالى في وسط أحكام اللحوم ! فإذا قال الله تعالى :أكملت لكم دينكم، فقد تمت الأحكام ، فكيف يقول بعدها مباشرة :فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثمٍ فإن الله غفور رحيم؟! ثم يقول بعدها مباشرة :يسألونك ماذا أحل لهم ، قل أحل لكم الطيبات وما علمتم... الى آخر أحكام الدين الذي قال عنه أحكم الحكماء سبحانه قبل لحظات : إنه قد أكمله وأتمه ؟!!
ـ قال في الدر المنثور : ٢ / ٢٥٩ :
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله : اليوم أكملت لكم دينكم قال : هذا نزل يوم عرفة ، فلم ينزل بعدها حرامٌ ولا حلالٌ. انتهى.
ـ وقال في : ٢ / ٢٥٧
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس .... فلما كان واقفاً بعرفات نزل عليه جبريل وهو رافع يده والمسلمون يدعون الله :اليوم أكملت لكم دينكم، يقول حلالكم وحرامكم ، فلم ينزل بعد هذا حلالٌ ولا حرامٌ. انتهى.
والأحاديث والأقوال في عدم نزول أحكام بعد الآية كثيرة ، وقد مر بعضها ، ولا تحتاج الى استقصائها بعد أن كان ذلك يفهم من الآية نفسها .. ويؤيده ما ذكره اللغويون في معنى الكمال والتمام
ـ قال الزبيدي في تاج العروس : ٨ / ١٠٣ :
( الكمال : التمام ) وهما مترادفان كما وقع في الصحاح وغيره ، وقد فرق بينهما بعض أرباب المعاني ، وأوضحوا الكلام في قوله تعالى اليوم :أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، وبسطه في العناية ، وأوسع الكلام فيه البهاء السبكي في عروس الأفراح. وقيل : التمام الذي تجزأ منه أجزاؤه كما سيأتي ، وفيه ثلاث لغات ( كمل كنصر وكرم وعلم ) قال الجوهري والكسر أردؤها ، وزاد ابن عباد : كمل يكمل مثل ضرب يضرب ، نقله الصاغاني ( كمالاً وكمولاً فهو كامل وكميل ) جاؤوا به على كمل.
وقال في ص ٢١٢ : ( وتمام الشيء وتمامته وتتمته ما يتم به ) وقال الفارسي : تمام الشيء ماتم به بالفتح لا غير يحكيه عن أبي زيد. وتتمة كل شيء ما يكون تمام غايته ، كقولك هذه الدراهم تمام هذه المائة ، وتتمة هذه المائة.
قال شيخنا : وقد سبق في كمل أن التمام والكمال مترادفان عند المصنف وغيره ، وأن جماعة يفرقون بينهما بما أشرنا اليه. وزعم العيني أن بينهما فرقا ظاهراً ولم يفصح عنه.
وقال جماعة : التمام الإتيان بما نقص من الناقص ، والكمال الزيادة على التمام ، فلا يفهم السامع عربياً أو غيره من رجل تام الخلق إلا أنه لا نقص في أعضائه ، ويفهم من كامل ، وخصه بمعنى زائد على التمام كالحسن والفضل الذاتي أو العرضي. فالكمال تمامٌ وزيادة ، فهو أخص.
وقد يطلق كل على الآخر تجوزاً ، وعليه قوله تعالى :اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي. كذا في كتاب التوكيد لابن أبي الإصبع.
وقيل التمام يستدعي سبق نقص ، بخلاف الكمال. وقيل غير ذلك ، مما حرره البهاء السبكي في عروس الأفراح ، وابن الزملكاني في شرح التبيان ، وغير واحد.
قلت وقال الحراني : الكمال : الإنتهاء الى غاية ليس وراءها مزيد من كل وجه. وقال ابن الكمال : كمال الشيء : حصول ما فيه الغرض منه ، فإذا قيل كمل فمعناه حصل ما هو الغرض منه. انتهى.
وبعد السؤال عن مكان الآية يواجهنا السؤال عن معناها ، وسبب نزولها .. وفي ذلك ثلاثة أقوال :
القول الأول
قول أهل البيتعليهمالسلامأنها نزلت يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة في الجحفة ، في رجوع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلممن حجة الوداع ، عندما أمره الله تعالى أن يوقف المسلمين في غدير خم ، قبل أن تتشعب بهم الطرق ، ويبلغهم ولاية عليعليهالسلاممن بعده ، فأوقفهم وخطب فيهم وبلغهم ما أمره به ربه. وهذه نماذج من أحاديثهم :
فقد تقدم ما رواه الكليني في الكافي : ١ / ٢٨٩
عن الإمام محمد الباقرعليهالسلاموفيه ( وقال أبو جعفرعليهالسلام: وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى ، وكانت الولاية آخر الفرائض ، فأنزل الله عز وجل :اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، قال أبو جعفرعليهالسلام: يقول الله عز وجل : لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة ، قد أكملت لكم الفرائض.
ـ وعن علي بن إبراهيم ، عن صالح بن السندي ، عن جعفر بن بشير ، عن هارون بن خارجة ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليهالسلامقال : كنت عنده جالساً فقال له رجل : حدثني عن ولاية علي ، أمن الله أو من رسوله ؟
فغضب ثم قال : ويحك كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمأخوف ( لله ) من أن يقول ما لم يأمره به الله !! بل افترضه الله ، كما افترض الصلاة والزكاة والصوم والحج. انتهى.
ـ وفي الكافي : ١ / ١٩٨
أبو محمد القاسم بن العلاءرحمهاللهرفعه عن عبد العزيز بن مسلم قال : كنا مع الرضاعليهالسلامبمرو ، فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا ، فأداروا أمر