ثم .. إن الأعياد الإسلامية توقيفية ، فلا يجوز لأحد أن يشرع عيداً من نفسه .. وحجة الشيعة في جعل يوم الغدير عيداً ، أن أهل البيتعليهمالسلاموشيعتهم رووا عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأن يوم الآية أي يوم الغدير عيدٌ شرعي ، وأن جبرئيل أخبره بأن الأنبياءعليهمالسلامكانوا يأمرون أممهم أن تتخذ يوم نصب الوصي عيداً.
فما هي حجة الخليفة في تأييد كلام اليهودي ، وموافقته له بأن ذلك اليوم يستحق أن يكون عيداً شرعياً للأمة الإسلامية ! ثم أخذ يعتذر له بأن مصادفة نزولها في عيدين أوجبت عدم إفراد المسلمين ليومها بعيد .. الخ.
فإن كان الخليفة حكم من عند نفسه بأن يوم الآية يستحق أن يكون عيداً ، فهو تشريع وبدعة ، وإن كان سمعه من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، فلماذا لم يذكره ، ولم يرو أحدٌ من المسلمين شيئاً عن عيد الآية ، إلا ما رواه الشيعة ؟!
ثامناً : لو كان يوم عرفة يوم جمعة كما قال عمر في بعض أقواله ، لصلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمبالمسلمين صلاة الجمعة ، مع أن أحداً لم يرو أنه صلى الجمعة في عرفات ، بل روى النسائي وغيره أنه قد صلى الظهر والعصر !
والظاهر أن النسائي يوافق سفيان الثوري ولا يوافق عمر ، فقد جعل في سننه : ١ / ٢٩٠ عنواناً باسم ( الجمع بين الظهر والعصر بعرفة ).
وروى فيه عن جابر بن عبد الله قال : سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها ، حتى إذا زاغت الشمس ، أمر بالقصواء فرحلت له ، حتى إذا انتهى الى بطن الوادي خطب الناس ، ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً !! انتهى.
ـ وكذلك روى أبو داود في سننه : ١ / ٤٢٩
عن ابن عمر قال : غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة ، حتى أتى عرفة فنزل بنمرة ، وهي منزل الإمام الذي ينزل بعرفة ،
حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجراً ، فجمع بين الظهر والعصر ، ثم خطب الناس ، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة. انتهى.
وأما الجواب بأن الجمعة تسقط في السفر ، فهو أمر مختلفٌ عندهم فيه ، ولو صح أن يوم عرفة كان يوم جمعة ولم يصل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمصلاة الجمعة ، لذكر ذلك مئات المسلمين الذين كانوا في حجة الوداع !
وقد تمحل ابن حزم في الجواب عن ذلك فقال في المحلى : ٧ / ٢٧٢ :
مسألة : وإن وافق الإمام يوم عرفة يوم جمعةٍ جهرِ وهي صلاة جمعة ! ويصلي الجمعة أيضاً بمنى وبمكة ، لأن النص لم يأت بالنهي عن ذلك ، وقال تعالى :إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع، فلم يخص الله تعالى بذلك غير يوم عرفة ومنى.
وروينا ... عن عطاء بن أبي رباح قال : إذا وافق يوم جمعة يوم عرفة ، جهر الإمام بالقراءة ... فإن ذكروا خبراً رويناه ... عن الحسن بن مسلم قال : وافق يوم التروية يوم الجمعة وحجة النبيعليهالسلامفقال : من استطاع منكم أن يصلي الظهر بمنى فليفعل ، فصلى الظهر بمنى ولم يخطب ... فهذا خبرٌ موضوعٌ فيه كل بلية : ابراهيم بن أبي يحيى مذكور بالكذب متروك من الكل ، ثم هو مرسل ، وفيه عن ابن الزبير ، مع ابن أبي يحيى الحجاج بن أرطاة ، وهو ساقط ، ثم الكذب فيه ظاهر ، لأن يوم التروية في حجة النبيعليهالسلامإنما كان يوم الخميس ، وكان يوم عرفة يوم الجمعة ، روينا ذلك من طريق البخارى ...
فإن قيل : إن الآثار كلها إنما فيها جمع رسول اللهعليهالسلامبعرفة بين الظهر والعصر ؟
قلنا : نعم وصلاة الجمعة هي صلاة الظهر نفسها ! وليس في شيء من الآثار أنهعليهالسلاملم يجهر فيها ، والجهر أيضاً ليس فرضاً ، وإنما يفترق الحكم في أن ظهر يوم الجمعة في الحضر والسفر للجماعة ركعتان. انتهى.
وجواب ابن حزم : أنه صادر على المطلوب ، لأنه رد الرواية لمجرد مخالفتها لقول عمر بأن يوم عرفة لم يكن يوم جمعة !
فلماذا لم يرد قول عمر بقوله الثاني بأن عرفة كانت يوم خميس ، وروايته صحيحة ؟
أو بقول النسائي والثوري ، والأقوال العديدة التي ذكرها الطبري وغيره ؟
ولو صح ما قاله من أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلماعتبر ركعتي الظهر في عرفة صلاة جمعة لأنه جهر فيهما ، لاشتهر بين المسلمين أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمجهر في صلاة الظهر التي لا يجهر بها لتصبح ( أتوماتيكياً ) صلاة جمعة !
بل إن الرواية التي كذبها وهاجمها بسبب مخالفتها لرواية عمر تنص على أنهصلىاللهعليهوآلهوسلمصلى الجمعة في منى ، وهي أقرب الى حساب سفرهصلىاللهعليهوآلهوسلممن المدينة الذي كان يوم الخميس لأربع بقين من ذي القعدة ، ووصوله الى مكة يوم الخميس لأربع مضين من ذي الحجة ، وأن أول ذي الحجة كان يوم الإثنين ، فيوم عرفة يوم الثلاثاء ، وعيد الأضحى الأربعاء ، ويوم الجمعة كان ثاني عشر ذي الحجة كما سيأتي .. فيكون قول الراوي إن الجمعة كانت في منى قولاً صحيحاً ، ولكنه اشتبه وحسبها قبل موقف عرفات ، مع أنها كانت بعده !
تاسعاً : إن القول بأن يوم عرفة في تلك السنة كان يوم جمعة ، تعارضه رواياتهم التي تقول إنهصلىاللهعليهوآلهوسلمعاش بعد نزول الآية إحدى وثمانين ليلةً أو ثمانين !
فقد ثبت عندهم أن وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمفي اليوم الثاني عشر من ربيع الأول ومن ٩ ذي الحجة الى ١٢ ربيع الأول أكثر من تسعين يوماً .. فلا بد لهم إما أن يأخذوا برواية وفاته قبل ذلك فيوافقونا على أنها في ٢٨ من صفر ، أو يوافقونا على نزول الآية في يوم الغدير ١٨ ذي الحجة.
ـ قال السيوطي في الدر المنثور : ٢ / ٥٩
وأخرج ابن جرير ، عن ابن جريج قال : مكث النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما نزلت هذه الآية إحدى وثمانين ليلة ، قوله :اليوم أكملت لكم دينكم. انتهى.
ـ وذكر نحوه في : ٢ / ٢٥٧ عن البيهقي في شعب الإيمان.
ـ وقال ابن حجر في تلخيص الحبير بهامش مجموع النووي : ٧ / ٣
وروى أبو عبيد ، عن حجاج ، عن ابن جريح أنه صلى الله عليه وسلم لم يبق بعد نزول قوله تعالى :اليوم أكملت لكم دينكمإلا إحدى وثمانين ليلة. ورواه الطبراني في المعجم الكبير برقم ١٢٩٨٤ ، ورواه الطبري في تفسيره : ٤ / ١٠٦ عن ابن جريح قال : حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج قال : مكث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمبعد ما نزلت هذه الآية إحدى وثمانين ليلة ، قوله :اليوم أكملت لكم دينكم.
ـ وقال القرطبي في تفسيره : ٢٠ / ٢٢٣ :
وقال ابن عمر : نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع ثم نزلت :اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي. فعاش بعدهما النبي صلى الله عليه وسلم ثمانين يوماً. ثم نزلت آية الكلالة فعاش بعدها خمسين يوماً ، ثم نزللقد جاءكم رسول من أنفسكم. فعاش بعدها خمسه وثلاثين يوماً. ثم نزلواتقوا يوماً ترجعون فيه الى اللهفعاش بعدها أحداً وعشرين يوماً. وقال مقاتل سبعة أيام. وقيل غير هذا. انتهى.
ورواية ابن عمر تؤيد قول أبيه بنزول آية الكلالة بعد آية إكمال الدين ، ولكنه نسي آية الربا التي قال أبوه أيضاً إنها آخر آية ، ومن ناحية أخرى خالف أباه في أن آية إكمال الدين نزلت في عرفة ، وقال إنها نزلت بعد سورة النصر بمنى ، يعني بعد انتهاء حجة الوداع وسفر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، واقترب من القول بنزولها في الغدير !!
ـ وقال الأميني في الغدير : ١ / ٢٣٠
وهو الذي يساعده الاِعتبار ويؤكده النقل الثابت في تفسير الرازي : ٣ / ٥٢٩ عن أصحاب الآثار : إنه لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم لم يعمر بعد نزولها إلا أحداً وثمانين يوماً ، أو اثنين وثمانين ، وعينه أبو السعود في تفسيره بهامش تفسير الرازي : ٣ / ٥٢٣ ، وذكر المؤرخون منهم أن وفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلمفي الثاني عشر من ربيع الأول ، وكأن فيه تسامحاً بزيادة يوم واحد على الإثنين وثمانين يوماً ، بعد إخراج يومي الغدير والوفاة ..
وعلى أي فهو أقرب الى الحقيقة من كون نزولها يوم عرفة ، كما جاء في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما لزيادة الأيام حينئذ. انتهى.
كما تعارض قول عمر بأن يوم عرفات كان يوم جمعة ، رواياتهم التي تنص على أن الآية نزلت يوم الإثنين .. ففي دلائل البيهقي : ٧ / ٢٣٣ : عن ابن عباس قال : ولد نبيكمصلىاللهعليهوآلهوسلميوم الإثنين ، ونبىَ يوم الإثنين ، وخرج من مكة يوم الإثنين ، وفتح مكة يوم الإثنين ، ونزلت سورة المائدة يوم الإثنين :اليوم أكملت لكم دينكموتوفي يوم الإثنين.
ـ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١ / ١٩٦
رواه أحمد والطبراني في الكبير وزاد فيه : وفتح بدراً يوم الإثنين ، ونزلت سورة المائدة يوم الإثنين :اليوم أكملت لكم دينكم، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف ، وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح. انتهى.
وللحديث طرقٌ ليس فيها ابن لهيعة .. ولكن علته الحقيقية عندهم مخالفته لما قاله الخليفة عمر ، كما صرح به السيوطي وابن كثير ! فقد قال ابن كثير في سيرته : ١ / ١٩٨ : تفرد به أحمد ، ورواه عمرو بن بكير عن ابن لهيعة ، وزاد : نزلت سورة المائدة يوم الإثنين :اليوم أكملت لكم دينكم، وهكذا رواه بعضهم عن موسى بن داود به ، وزاد أيضاً : وكانت وقعة بدر يوم الإثنين. وممن قال هذا يزيد بن حبيب. وهذا منكرٌ جداً !! قال ابن عساكر : والمحفوظ أن بدراً ونزول :اليوم أكملت لكم دينكميوم الجمعة وصدق ابن عساكر. انتهى.
وقد تقدم أن علة نكارته عند ابن كثير أنه مخالف لقول عمر ، وقول معاوية ! وقد كان ابن عساكر أكثر اتزاناً منه حيث لم يصف الخبر بالضعف أو النكارة ، بل قال إنه مخالفٌ للمحفوظ ، أي المشهور عندهم ، وهو قول عمر.
وينبغي الإلفات الى أن الإشكال عليهم بأحاديث نزول الآية في يوم الإثنين إنما هو إلزامٌ لهم بما التزموا به ، وإلا فنحن لا نقبل أنهصلىاللهعليهوآلهوسلملم يبق بعد الآية إلا ثمانين يوماً
لأن المعتمد عندنا أن الآية نزلت يوم الثامن عشر من ذي الحجة ، وأن وفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلمكانت في يوم الثامن والعشرين من صفر ، فتكون الفاصلة بنحو سبعين يوماً.
وقد ثبت عندنا أن الآية نزلت يوم الخميس ، وفي رواية يوم الجمعة ، كما ثبت عندنا أن بعثة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمكانت يوم الإثنين ، وأن علياًعليهالسلامصلى معه يوم الثلاثاء ، وأن وفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلمكانت في يوم الإثنين أيضاً ، وقد تكون سورة المائدة نزلت يوم الإثنين أي أكثرها ، ثم نزلت بقيتها بعد ذلك ، ومنها آية التبليغ ، وآية إكمال الدين.
عاشراً : إن القول بأن يوم عرفة في تلك السنة كان يوم جمعة ، تعارضه الروايات التي سجلت يوم حركة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلممن المدينة ، وأنه كان يوم الخميس لأربع بقين من ذي القعدة. وهو الرواية المشهورة عن أهل البيتعليهمالسلام، وهي منسجمةٌ مع تاريخ نزول الآية في يوم الغدير الثامن عشر من ذي الحجة.
وذلك ، لأن سفر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمكان في يوم الخميس ، أي في اليوم السابع والعشرين من ذي القعدة ، لأربع بقين من ذي القعدة هي : الخميس والجمعة والسبت والأحد .. ويكون أول ذي الحجة يوم الإثنين ، ووصول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمالى مكة عصر الخميس الرابع من ذي الحجة في سلخ الرابع ، كما في رواية الكافي : ٤ / ٢٤٥ ، ويكون يوم عرفة يوم الثلاثاء ، ويوم الغدير يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة. وهذه نماذج من روايات أهل البيتعليهمالسلامفي ذلك :
ـ ففي وسائل الشيعة : ٩ / ٣١٨
محمد بن إدريس في ( آخر السرائر ) نقلاً من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب قال : خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلملأربع بقين من ذي القعدة ، ودخل مكة لأربع مضيْن من ذي الحجة ، دخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين ، وخرج من أسفلها.
ـ وفي الكافي : ٤ / ٢٤٥
عن أبي عبد اللهعليهالسلامقال : حج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمعشرين حجة ... إن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمأقام بالمدينة عشر سنين لم يحج ، ثم أنزل الله عز وجل عليه : وأذن في الناس بالحج
يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍ عميق ، فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم بأن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلميحج في عامه هذا ، فعلم به من حضر المدينة وأهل العوالي والاَعراب ، واجتمعوا لحج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، وإنما كانوا تابعين ينظرون ما يؤمرون ويتبعونه ، أو يصنع شيئاً فيصنعونه ، فخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمفي أربع بقين من ذي القعدة ، فلما انتهى الى ذي الحليفة زالت الشمس فاغتسل ، ثم خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة فصلى فيه الظهر ، وعزم بالحج مفرداً ، وخرج حتى انتهى الى البيداء عند الميل الأول فصف له سماطان ، فلبى بالحج مفرداً ، وساق الهدي ستاً وستين أو أربعاً وستين ، حتى انتهى الى مكة في سلخ أربع من ذي الحجة فطاف بالبيت سبعة أشواط ، ثم صلى ركعتين خلف مقام إبراهيمعليهالسلام، ثم عاد الى الحجر فاستلمه ...
ـ وفي المسترشد / ١١٩ :
العبدي عن أبي سعيد أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمدعا الناس الى عليعليهالسلامبغدير خم ، وأمر بما كان تحت الشجرة من الشوك فقمَّ ، وذلك يوم الخميس ، ثم دعا الناس ، وأخذ بضبعيه ورفعه حتى نظر الناس الى بياض إبطيه ، ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية :اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ، ورضى الرب برسالتي وبالولاية لعلي من بعدي. انتهى.
* *
ويؤيد قول أهل البيتعليهمالسلامما روته مصادر الفريقين من أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمكان لا يبدأ سفره إلا يوم الخميس ، أو قلما يبدأه في غيره ، كما في صحيح البخاري : ٤ / ٦ وسنن أبي داود ١ / ٥٨٦ ، وتنص رواية ابن سيد الناس في عيون الأثر : ٢ / ٣٤١ على أن سفر النبي من المدينة كان يوم الخميس.
وروى في بحار الأنوار : ١٦ / ٢٧٢ عن الكافي بسندٍ مقبول عن أبي عبد اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمقال : كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمإذا خرج في الصيف من البيت خرج يوم الخميس ، وإذا أراد أن يدخل في الشتاء من البرد ، دخل يوم الجمعة. انتهى.
ويؤيد قول أهل البيتعليهمالسلامأيضاً ما رووه عن جابر بأن حركتهصلىاللهعليهوآلهوسلمكانت لأربع بقين من ذي القعدة ، كما يأتي من سيرة ابن كثير.
بل يؤيده أيضاً ، أن البخاري وأكثر الصحاح رووا أن سفرهصلىاللهعليهوآلهوسلمكان كان لخمسٍ بقين من ذي القعدة ، بدون تحديد يوم راجع البخاري : ٢ / ١٤٦ و ١٨٤ و ١٨٧ و : ٤ / ٧ وفيه ( وقدم مكة لأربع ليالٍ خلون من ذي الحجة ) ، والنسائي : ١ / ١٥٤ و ٢٠٨ و : ٥ / ١٢١ ، ومسلم : ٤ / ٣٢ ، وابن ماجه : ٢ / ٩٩٣ ، والبيهقي : ٥ / ٣٣ ، وغيرها.
ويؤيده أيضاً أن مدة سيرهصلىاللهعليهوآلهوسلممن المدينة الى مكة لا تزيد على ثمانية أيامٍ ، وذلك بملاحظة الطريق الذي سلكه ، والذي هو في حدود ٤٠٠ كيلو متراً ، وملاحظة سرعة السير ، حتى أن بعض الناس شكوا له تعب أرجلهم فعلمهم شدها.
وملاحظة أن أحداً لم يرو توقفه في طريق مكة أبداً.
وملاحظة روايات رجوعه ووصوله الى المدينة أيضاً ، مع أنه توقف طويلاً نسبياً في الغدير .. الخ.
ثم بملاحظة الروايات التي تتفق على وصوله الى مكة في الرابع من ذي الحجة. كما رأيت في روايات أهل البيتعليهمالسلامورواية البخاري الآنفة.
وبذلك تسقط رواية خروجه من المدينة لستٍ بقين من ذي الحجة ، كما في عمدة القاري ، وإرشاد الساري ، وابن حزم ، وهامش السيرة الحلبية : ٣ / ٢٥٧ ، لأنها تستلزم أن تكون مدة السير الى مكة عشرة أيام !
* *