ـ وفي سنن ابن ماجة : ٢ / ١٣٠٠
باب لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض :
عن جرير بن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : في حجة الوداع استنصت الناس ، فقال : لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
ويحكم أو ويلكم ، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.
عن الصنابح الأحمسي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إني فرطكم على الحوض وإني مكاثرٌ بكم الأمم ، فلا تقتتلن بعدي.
في الزوائد : إسناده صحيح ، ورجاله ثقات.
ـ وفي سنن الترمذي : ٢ / ٦١
سليم بن عامر قال : سمعت أبا أمامة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : يخطب في حجة الوداع فقال : إتقوا الله ربكم ، وصلوا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وأدوا زكاة أموالكم ، وأطيعوا ذا أمركم ، تدخلوا جنة ربكم.
قال : قلت لأبي أمامة : منذ كم سمعت هذا الحديث ؟
قال : سمعت وأنا ابن ثلاثين سنة. قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.
ـ وفي مسند أحمد : ٥ / ٤١٢
عن مرة قال حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة حمراء مخضرمة ، فقال :
أتدرون أي يومكم هذا ؟
قال قلنا يوم النحر.
قال : صدقتم يوم الحج الأكبر. أتدرون أي شهركم هذا ؟
قلنا ذو الحجة.
قال : صدقتم شهر الله الأصم. أتدرون أي بلد بلدكم هذا ؟
قال قلنا : المشعر الحرام.
فقال : صدقتم ، قال فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، أو قال كحرمة يومكم هذا وشهركم هذا وبلدكم هذا ، ألا وإني فرطكم على الحوض أنظركم وإني مكاثرٌ بكم الأمم ، فلا تسودوا وجهي ! ألا وقد رأيتموني وسمعتم مني وستسألون عني ، فمن كذب علي فليتبوأ مقعده من النار ألا وإني مستنقذٌ رجالاً أو أناساً ، ومستنقذٌ مني آخرون ، فأقول : يا رب أصحابي ! فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك !!
ـ وفي مجمع الزوائد : ٣ / ٢٦٥
( باب الخطب في الحج ) عن أبي حرة الرقاشي عن عمه قال : كنت آخذاً بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق أذود عنه الناس ، فقال : يا أيها الناس هل تدرون في أي شهر أنتم ، وفي أي يوم أنتم ، وفي أي بلد أنتم ؟
قالوا : في يوم حرام وبلد حرام وشهر حرام.
قال : فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، الى يوم تلقونه.
ثم قال : إسمعوا مني تعيشوا ، ألا لا تظلموا ، ألا لا تظلموا ، ألا لا تظلموا ، إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه.
ألا وإن كل دم وماء ومال كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه الى يوم القيامة ، وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، كان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل.
ألا وإن كل رباً في الجاهلية موضوعٌ ، وإن الله عز وجل قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب. لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون.
ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض ، ثم قرأ : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض ، منها أربعة
حرم ذلك الدين القيم ، فلا تظلموا فيهن أنفسكم.
ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.
ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون ، ولكنه في التحريش بينكم.
واتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوانٌ لا يملكن لأنفسهن شيئاً ، وإن لهن عليكم حقاً ، ولكم عليهن حقاً أن لايوطئن فرشكم أحداً غيركم ، ولا يأذنن في بيوتكم لأحد تكرهونه ، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح ـ قال حميد قلت للحسن ما المبرح ؟ قال : المؤثر ـ ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وإنما أخذتموهن بأمانة بالله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله عز وجل.
ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها.
وبسط يده وقال ألا هل بلغت ، ألا هل بلغت ؟
ثم قال ليبلغ الشاهد الغائب ، فإنه رب مبلغ أسعد من سامع.
قال حميد قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة : قد والله بلغوا أقواما كانوا أسعد به.
قلت : روى أبو داود منه ضرب النساء فقط رواه أحمد وأبو حرة الرقاشي وثقة أبو داود وضعفه ابن معين. وفيه علي بن زيد وفيه كلام.
وعن أبي نضرة قال حدثني من سمع خطبة النبى صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق فقال :
يا أيها الناس إن ربكم واحد وأباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربى ، ولا أسود على أحمر ولا أحمر على أسود ، إلا بالتقوى.
أبلغت ؟
قالوا : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال : أي يوم هذا ؟
قالوا : يوم حرام.
ثم قال : أي بلد هذا ؟
قالوا : بلد حرام.
قال فإن الله عز وجل قد حرم بينكم دماءكم وأموالكم ـ قال ولا أدري قال وأعراضكم أم لا ـ كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.
أبلغت ؟
قالوا : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال : ليبلغ الشاهد الغائب. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ( أحمد : ٥ / ٧٢ )
وعن ابن عمر قال نزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمنى في أوسط أيام التشريق فعرف أنه الموت ، فأمر براحلته القصواء فرحلت له فركب فوقف للناس بالعقبة ، واجتمع له ما شاء الله من المسلمين فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال :
أما بعد أيها الناس ، فإن كل دمٍ كان في الجاهلية فهو هدر ، وإن أول دمائكم أهدر دم ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل. وكل رباً كان في الجاهلية فهو موضوع ، وإن أول رباكم أضع ربا العباس بن عبد المطلب.
أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، وإن عدة الشهور اثنا عشر شهراً ، منها أربعة حرم ، رجب مضر الذى بين جمادى وشعبان وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ، إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ، ليواطئوا عدة ما حرم الله. كانوا يحلون صفر عاماً ويحرمون المحرم عاماً فذلك النسيء.
يا أيها الناس : من كانت عنده وديعةٌ فليؤدها الى من ائتمنه عليها.
أيها الناس : إن الشيطان أيس أن يعبد ببلادكم آخر الزمان ، وقد رضي منكم بمحقرات الأعمال ، فاحذروا على دينكم محقرات الأعمال.
أيها الناس : إن النساء عندكم عوان ، أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن
بكلمة الله ، لكم عليهن حق ولهن عليكم حق ، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم ، ولا يعصينكم في معروف ، فإن فعلن ذلك فليس لكم عليهن سبيل ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، فإن ضربتم فاضربوا ضرباً غير مبرح.
لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه.
أيها الناس : إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله فاعملوا به.
أيها الناس : أي يوم هذا ؟
قالوا : يوم حرام.
قال : فأي بلد هذا ؟
قالوا : بلد حرام.
قال : فأي شهر هذا ؟
قالوا : شهر حرام.
قال : فإن الله تبارك وتعالى حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذا اليوم وهذا الشهر وهذا البلد. ألا ليبلغ شاهدكم غائبكم ، لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم. ثم رفع يديه فقال : اللهم اشهد. قلت في الصحيح وغيره طرف منه ـ رواه البزار وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف.
ـ وفي مجمع الزوائد : ٣ / ٢٧٢
وعن فهد بن البحيرى بن شعيب بن عمرو بن الأزرق قال : خرجت الى مكة فلما صرت بالصحرية ، قال لي بعض إخواني : هل لك في رجلٍ له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : نعم ، قال صاحب القبة المضروبة في موضع كذا وكذا ، فقلت لأصحابى : قوموا بنا إليه ، فقمنا فانتهينا الى صاحب القبة ، فسلمنا فرد السلام فقال : مَنِ القوم ؟
قلنا : قومٌ من أهل البصرة بلغنا أن لك صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال : نعم ، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدت تحت منبره يوم حجة
الوداع ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال : إن الله يقول :
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، فليس لعربي على عجمي فضل ، ولا لعجمي على عربي فضل ، ولا لأسود على أحمر فضل ، ولا لأحمر على أسود فضل ، إلا بالتقوى.
يا معشر قريش لا تجيئوا بالدنيا تحملونها على رقابكم وتجئ الناس بالآخرة ، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً.
قلنا : ما اسمك ؟ قال : أنا العداء بن خالد بن عمرو بن عامر ، فارس الضحياء في الجاهلية. رواه الطبراني في الكبير بأسانيد هذا ضعيف. وتقدم له إسناد صحيح في الخطبة يوم عرفة.
وعن أبي قبيلة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في الناس في حجة الوداع فقال : لا نبي بعدي ، ولا أمة بعدكم ، فاعبدوا ربكم ، وأقيموا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وأطيعوا ولاة أمركم ، ثم ادخلوا جنة ربكم. رواه الطبراني في الكبير ، وفيه بقية وهو ثقة ولكنه مدلس ، وبقية رجاله ثقات.
ـ وفي سنن الدارمي : ٢ / ٤٧
فلما كان يوم التروية وجه الى منى فأهللنا بالحج ، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ، ثم مكث قليلاً حتى إذا طلعت الشمس ، أمر بقبة من الشعر تضرب له بنمرة ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار ، لا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية في المزدلفة ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة ، فوجد القبة قد ضربت بنمرة فنزلها ، حتى إذا زاغت يعني الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فأتى بطن الوادي فخطب الناس ، وقال :
إن دماء كم وأموالكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وأول
دم وضع دماؤنا دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل ، وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه ربا عباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء ، فإنما أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، وإن لكم عليهن أن لا يؤطين فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وأنتم مسؤلون عني فما أنتم قائلون ؟
قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت.
فقال بإصبعه السبابة فرفعها الى السماء وينكتها الى الناس : اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، اللهم اشهد.
ثم أذن بلال بنداء واحد وإقامة فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، لم يصل بينهما شيئاً ، ثم ركب حتى وقف ، فجعل بطن ناقته القصواء الى الصخيرات ...
ـ وفي سنن الدارمي : ٢ / ٦٧
عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال : لما كان ذلك اليوم قعد النبي صلى الله عليه وسلم على بعير ، لا أدري جمل أو ناقة ، وأخذ إنسان بخطامه ، أو قال بزمامه
فقال : أي يوم هذا ؟
قال فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه.
فقال : أليس يوم النحر ؟
قلنا : بلى.
قال فأي شهر هذا .... الخ.
الأساس الأول : المساواة الإنسانية
لا نطيل في هذا الأساس لوضوحه ، وقد تقدمت عدة فقرات تتعلق به في نماذج النصوص من خطبهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
الأساس الثاني : وحدة الأمة الإسلامية
وقد روى المسلمون فقرات الخطب التي تتعلق بالمبادئ الخمس الأولى من هذا الأساس بكثرةٍ وحفظوها وكرروها ، حتى ليتصور الإنسان لأول وهلة أنها الموضوع الوحيد في خطب حجة الوداع !
والسبب في ذلك : أن المجتمع العالمي كان في عصرهصلىاللهعليهوآلهوسلممجتمع تمييز حاد على أساس قومي وقبلي وطبقي .. كما أنه كان مجتمع ( قانون الغلبة والقوة ) فالغالب على حق دائماً ، سواء كان حاكماً ، أو قبيلة ، أو فارساً ، أو صعلوكاً .. لأنه استطاع أن يقهر الآخرين ، أو يغزوهم ويقتلهم ويسرق أموالهم ، أو يغصبها منهم عنوةً ، أو يحتال عليهم بحيلة !
فجاءت تشريعات الإسلام لتلغي ذلك كله ، وتعلن تساوي الناس أمام الشرع ، وتحرم كل أنواع الإعتداء على الحقوق الشخصية ، وتركز احترام الإنسان وملكيته وكرامته.
فالأمر الذي جعلهم يحفظونها أكثر من غيرها من كلمات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، هو إعجاب المسلمين المؤمنين بها ، وكونها تمثل الحل لمشكلة الغزو والقتل التي كانوا يعانون منها في الجاهلية القريبة.
وقد كان لهذه التوجيهات بصيغها الإلهية والنبوية البليغة ، تأثيرٌ كبيرٌ على مجرى احترام الإنسان وماله وعرضه ورأيه بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، إذ لولاها لساء وضع مجتمع المسلمين أضعافاً مضاعفة عما وصل اليه من سوء ، ولعادت النظرة الى الإنسان والتصرف معه الى الحالة الجاهلية مئة بالمئة !!
والملاحظ بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأن أكثر الناس احتراماً للإنسان وحرياته المشروعة ، هم عترته وأهل بيته الطاهرون ، فعليعليهالسلامهو الحاكم الوحيد بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمالذي لم يستعمل قانون الطوارئ أو الأحكام العرفية ، ولا أي قانون استثنائي ، حتى مع