بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 29


« البرهان الثاني : قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) . اتّفقوا على نزولها في عليّ .
وروى أبو نعيم الحافظ - من الجمهور - بإسناده عن عطية ، قال : نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم في عليّ بن أبي طالب .
ومن تفسير الثعلبي ، قال : معناه : ( بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) في فضل عليّ ، فلمّا نزلت هذه الآية أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم بيد عليّ ، فقال : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه . . . » .
فقال ابن تيميّة في الجواب :
« إنّ هذا أعظم كذباً وفريةً من الأوّل .
وقوله : اتّفقوا على نزولها في عليّ ، أعظم كذباً ممّا قاله في تلك الآية ، فلم يقل لا هذا ولا ذاك أحد من العلماء الّذين يدرون ما يقولون .
وأمّا ما يرويه أبو نعيم في الحلية أو في فضائل الخلفاء والنقّاش والثعلبي والواحدي ونحوهم في التفسير ، فقد اتّفق أهل المعرفة على أنّ في ما يروونه كثيراً من الكذب الموضوع .
واتّفقوا على أنّ هذا الحديث المذكور الذي رواه الثعلبي في تفسيره هو من الموضوع . . . .
ولكنّ المقصود هنا أنّا نذكر قاعدة فنقول : المنقولات فيها كثير من


صفحه 30


الصدق وكثير من الكذب ، والمرجع في التمييز بين هذا وهذا إلى أهل علم الحديث . . . فلكلّ علم رجال يعرفون به ، والعلماء بالحديث أجلّ هؤلاء قدراً ، وأعظمهم صدقاً ، وأعلاهم منزلة ، وأكثر ديناً ، وهم من أعظم الناس صدقاً وأمانةً وعلماً وخبرةً في ما يذكرونه من الجرح والتعديل . . .
فالأصل في النقل أن يُرجع فيه إلى أئمّة النقل وعلمائه . . . ومجرّد عزوه إلى رواية الثعلبي ونحوه ليس دليلا على صحّته باتّفاق أهل العلم بالنقل ; لهذا لم يروه أحد من علماء الحديث في شيء من كتبهم . . . » .
قال : « أنتم ادّعيتم أنّكم أثبتّم إمامته بالقرآن ، والقرآن ليس في ظاهره ما يدلّ على ذلك أصلا ، فإنّه قال : ( بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) وهذا اللفظ عامّ في جميع ما أُنزل إليه من ربّه ، لا يدلّ على شيء معيّن . . . فإن ثبت ذلك بالنقل كان ذلك إثباتاً بالخبر لا بالقرآن .
لكنّ أهل العلم يعلمون بالاضطرار أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم لم يبلّغ شيئاً في إمامة عليّ . . . »[1].
أقول :
أمّا قوله : إنّ في روايات أبي نعيم والثعلبي والواحدي ، موضوعات كثيرة ; فهذا حقّ ونحن نوافقه عليه ، إذ ليس هناك - بعد كتاب اللّه عزّ وجلّ - كتاب خال عن الموضوعات ، حتّى الكتب المسمّاة


[1]منهاج السُنّة 7 / 33 .


صفحه 31


بالصحاح . . . ففي صحيح البخاري - الذي يقدّمه أكثر القوم على غيره من الكتب مطلقاً أكاذيب وأباطيل ، ذكرنا بعضها في بعض كتبنا استناداً إلى أقوال كبار الحفّاظ من شرّاحه كابن حجر العسقلاني وغيره .
فالمنقولات ، فيها كثير من الصدقّ وكثير من الكذب ، والمرجع في التمييز إلى أهل علم الحديث وعلماء الجرح والتعديل . . . كما قال .
ولذا فإنّا أثبتنا على ضوء كلمات علماء الحديث والرجال صحّة أسانيد حديث نزول الآية في الغدير ، وكذلك في غير هذا الحديث ممّا وقع الاستدلال به من قبل صاحب المراجعات وغيره من علمائنا بتوثيق رجالها واحداً واحداً . . . وإذا ثبت صحّة الحديث وجب على الكلّ القبول به ، ومن كذّبه حينئذ فقد كذّب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في ما قال وفعل ، وهذا كفر باللّه ، نعوذ باللّه منه .
وعلى الجملة ، فليس الاستدلال بمجرّد عزو الحديث إلى رواية الثعلبي أو غيره ، بل الاستدلال به يكون بعد تصحيحه على القواعد المقرّرة في علم الحديث والرجال .
وأمّا قوله : إنّ هذا الاستدلال ليس بالقرآن بل هو بالحديث ; فهذا تعصّبٌ واضح ; لأنّ ابن تيّميّة نفسه يستدلّ بقوله تعالى : ( إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا )[1]لإثبات فضيلة لأبي بكر ،


[1]سورة التوبة 9 : 40 .


صفحه 32


فيقول : « إنّ الفضيلة في الغار ظاهرة بنصّ القرآن ، لقوله تعالى : ( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا ) . . . وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أنس عن أبي بكر . . . »[1].
فجعل الحديث مفسّراً للآية ، وجعل فيها فضيلة لصاحبه . . .
وكذلك : يدّعي نزول قوله تعالى : ( وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى )[2]في أبي بكر مستدلا ببعض رواياتهم فيقول :
« وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنّها نزلت في قصّة أبي بكر . وكذلك ذكره ابن أبي حاتم والثعلبي أنّها نزلت في أبي بكر عن عبد اللّه بن المسيّب . وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره : حدّثنا أبي ، حدّثنا محمّد بن أبي عمر العدني ، حدّثنا سفيان ، حدّثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : أعتق أبو بكر سبعة كلّهم يعذّب في اللّه . . . قال : وفيه نزلت ( وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى ) إلى آخر السورة »[3].
وهكذا في مواضع أُخرى . . . .
أمّا حين يستدلّ الإمامية بآية : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ . . . ) على إمامة أمير المؤمنين ، بمعونة أحاديث صحيحة رواها


[1]منهاج السُنّة 8 / 373 ، الطبعة الحديثة .
[2]سورة الليل 92 : 17 .
[3]منهاج السُنّة 8 / 495 ، الطبعة الحديثة .


صفحه 33


ابن أبي حاتم والثعلبي وأمثالهما من المفسّرين والمحدّثين من أهل السُنّة في تفسيرها وبيان سبب نزولها ، يقول : « فمن ادّعى أنّ القرآن يدلّ على أنّ إمامة عليّ ممّا أُمر بتبليغه فقد افترى على القرآن »[1].
مع أنّ استدلال الإمامية بأحاديث القوم مطابق للقاعدة المقرّرة في البحث والمناظرة ; لأنّهم ملزَمون بما يروونه ، بخلاف استدلالاتهم في مقابلة الإمامية ; لأنّ أحاديثهم ليست بحجّة عند الإماميّة حتّى لو كانت مخرّجة في ما يسمّونه بالصحيح .
فانظر من المفتري ؟ !
محاولات يائسة وبما ذكرنا يظهر سقوط تمحّلات المتعصّبين لصرف الآية المباركة عن الدلالة على ولاية أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام .
وهناك محاولاتٌ عمدتها :
1 - الأخذ بالسياق .
2 - الأحاديث المروية في قبال حديث نزولها في أمير المؤمنين يوم الغدير .
ولا بُدّ قبل الدخول في البحث من أن نعلم بأنّ الآية المباركة من


[1]منهاج السُنّة 7 / 47 .


صفحه 34


سورة المائدة ، وأنّ هذه السورة هي آخر ما نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم باتّفاق الفريقين .
فلاحظ : تفسير القرطبي ، وتفسير الخازن ، والإتقان في علوم القرآن 1 / 26 - 52 ، وغيرها من كتب العامّة .
وفي تهذيب الأحكام لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي - بسند صحيح عن أمير المؤمنين عليه السلام ، أنّها نزلت قبل أن يقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بشهرين أو ثلاثة[1].
وقال العيّاشي في تفسيره : إنّها أخر ما نزل من القرآن .
وحينئذ نقول : كما جعل الأوّلون آية التطهير ضمن آيات زوجات النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، واتّخذ أتباعهم ذلك أساساً للقول بنزولها في الزوجات ، كذلك الحال في آية التبليغ فقد وضعت في سياق آيات الكلام مع اليهود والنصارى ، ثمّ جاء اللاحقون واستندوا إلى سياق الآية فراراً من الإذعان للحقيقة :
قال الرازي : « اعلم أنّ هذه الروايات وإن كثرت ، إلاّ أنّ الأَولى حمله على أنّه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى ، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم ، وذلك لأنّ ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير ،


[1]تهذيب الأحكام 1 / 361 .


صفحه 35


لمّا كان كلاماً مع اليهود والنصارى ، امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين على وجه تكون أجنبيّة عمّا قبلها وما بعدها »[1].
وكأنّ الرازي قد غفل عن أنّ الآية في سورة المائدة ، وهي إنّما نزلت في أُخريات حياة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، حين لم يكن يهاب اليهود ولا النصارى ولا قريشاً ، وأنّ السياق إنّما يكون قرينةً إذا لم يكن في مقابله نصّ معتبر ، وقد صرّح الفخر الرازي نفسه بأنّ نزول الآية في فصل أمير المؤمنين عليه السلام هو قول ابن عبّاس والبَراء بن عازب والإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام ، في حين أنّه لم يعضّد القول الذي حمل الآية عليه - ولا غيره من الأقوال التي ذكرها - بقول أيّ أحد من الصحابة .
وأمّا الأحاديث التي يروونها في المقام في مقابلة حديث نزول الآية المباركة في الإمام عليه السلام ، فإن شئت الوقوف عليها فراجع تفسير الطبري والدرّ المنثور للسيوطي - ولعلّ الثاني هو أجمع الكتب لها - وستجدها متناقضة فيما بينها ، فضلا عن كونها مردودة بإجماع الفريقين على نزول سورة المائدة في الأيّام الأخيرة من حياة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
فمن ذلك ما أخرجه الطبراني وأبو الشيخ وأبو نعيم في الدلائل


[1]تفسير الرازي 12 / 50 .


صفحه 36


وابن مردويه وابن عساكر ، عن ابن عبّاس ، قال : « كان النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم يُحرس ، وكان يرسل معه عمّه أبو طالب كلّ يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه .
فقال : يا عمّ ! إنّ قد عصمني ، لا حاجة لي إلى من تبعث » .
أورده السيوطي في ذيل الآية المباركة ، وهو - إن كان له علاقة بنزول الآية المباركة - خبر مكذوب ; لأنّه يفيد نزولها في مكّة ، وهو قول مردود بالإجماع .
وما أخرجه ابن مردويه والضياء في المختارة ، عن ابن عبّاس ، قال : « سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم : أيّ آية أُنزلت من السماء أشدّ عليك ؟ فقال : كنت بمنى أيّام موسم ، واجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم ، فنزل علَيَّ جبرئيل فقال : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) .
قال : فقمت عند العقبة فناديت : يا أيّها الناس ! من ينصرني على أن أُبلّغ رسالة ربّي ولكم الجنّة ؟
أيّها الناس ! قولوا : لا إله إلاّ اللّه وأنا رسول اللّه إليكم ، تنجحوا ولكم الجنّة .
قال : فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلاّ يرمون علَيّ بالتراب