المنذر الفهري ، فقال . . . » .
5 - « وأخبرنا عثمان ، أخبرنا فرات بن إبراهيم الكوفي ، حدّثنا الحسين بن محمّد بن مصعب البجلي ، حدّثنا أبو عمارة محمّد بن أحمد المهدي ، حدّثنا محمّد بن أبي معشر المدني ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : أخذ رسول اللّه بعضد عليّ ابن أبي طالب . . . »[1].
أقول :
ولو أردنا تصحيح كلّ هذه الأسانيد لطال بنا المقام ، لكنّا نكتفي ببيان صحّة واحد منها ، وهو الطريق الثاني للخبر الرابع ، فنقول :
* وأمّا أبو بكر محمّد البغدادي ، فقد قال الحافظ عبد الغافر النيسابوري بترجمته : « محمّد بن محمّد بن عبد اللّه بن جعفر العطّار الورّاق الحنيفي الحيري ، أبو بكر بن أبي سعيد البغدادي ، الفقيه . فاضل ، ديّن ، ظريف ، قصير القامة ، مليح الشمائل ، حدّث عن . . توفّي سنة 416 »[2].
* وأمّا عبد اللّه بن أحمد بن جعفر الشيباني النيسابوري ، فقد ترجم له الخطيب البغدادي ، فقال ما ملخّصه :
[1]شواهد التنزيل 2 / 381 - 385 .
[2]السياق في تاريخ نيسابور : 37 .
كان له ثروة ظاهرة ، فأنفق أكثرها على العلم وأهل العلم وفي الحجّ والجهاد وغير ذلك من أعمال البرّ ، وكان من أكثر أقرانه سماعاً للحديث ، كتب الناس عنه ، روى عنه : يوسف بن عمر القوّاس ، وابن الثلاّج ، وإبراهيم بن مخلد بن جعفر ، وأبو الحسن بن رزقويه ، وغيرهم ، وكان ثقة . توفّي سنة 372[1].
* وأمّا عبد الرحمن بن الحسن الأسدي ، فقد ترجم له الخطيب البغدادي كذلك ، فقال :
« عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد . . . الأسدي القاضي . من أهل همدان . حدّث عن إبراهيم بن الحسين بن ديزيل الهمداني ، . . . وقدم بغداد وحدّث بها ، فكتب عن الشيوخ القدماء ، وروى عنه : الدارقطني ، وحدّثنا عنه أبو الحسن بن رزقويه بكتاب تفسير ورقاء وغيره ، وحدّثنا عنه أيضاً أبو الحسن ابن الحمامي المقرئ ، وأبو علي بن شاذان ، وأحمد بن علي البادا . . . »[2].
وجعله الذهبي من ( أعلام النبلاء ) وترجم له[3].
ووفاته سنة 352 .
[1]تاريخ بغداد 9 / 391 .
[2]تاريخ بغداد 10 / 292 .
[3]سير أعلام النبلاء 16 / 15 .
وقد ذكروا تكلّم بعض معاصريه فيه بسبب روايته عن إبراهيم ابن الحسين بن ديزيل ، بدعوى أنّه لم يدركه ، ومن هنا أورده الذهبي في ميزان الاعتدال[1]، وأوضح ذلك الحافظ ابن حجر في لسان الميزان بأنّ أبا حفص بن عمر والقاسم بن أبي صالح أنكرا روايته عن إبراهيم ، وقالا : بلغنا أنّ إبراهيم قرأ كتاب التفسير قبل سنة سبعين ، وادّعى هذا - أي : عبد الرحمن بن الحسن الأسدي - أنّ مولده سنة سبعين ، وبلغنا أنّ إبراهيم قلّ أن يمرّ له شيء فيعيده[2].
أقول :
لقد كان الرجل محدّثاً جليلا يروي عنه الدارقطني وأمثاله من الأئمّة النقدة المتقنين ، وهذا القدر من الكلام فيه لا يضرّ بوثاقته :
أمّا أوّلا : فلأنّ كلام المعاصر في معاصره غير مسموع ، كما نصّ عليه الذهبي وابن حجر في غير موضع من كتبهما[3].
[1]ميزان الاعتدال 2 / 566 .
[2]لسان الميزان 3 / 411 .
[3]من ذلك : قول الذهبي في الميزان 1 / 111 : « كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به ، لا سيّما إذا لاح لك أنّه لعداوة أو لمذهب أو لحسد ، ما ينجو منه إلاّ من عصم اللّه ، وما علمت أنّ عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك ، سوى الأنبياء والصدّيقين ، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس » ، وقول ابن حجر في اللسان 5 / 234 : « ولا نعتد - بحمد اللّه - بكثير من كلام الأقران بعضهم في بعض » .
وأمّا ثانياً : فلأنّ مبنى هذا الكلام هو ولادة عبد الرحمن سنة 270 ، وأنّ ابن ديزيل قرأ التفسير قبل هذه السنة - كما بلغ القائل - ، وأنّ ابن ديزيل قلّ أن يعيد قراءة شيء .
لكن إذا كانت ولادته سنة 270 ، ووفاة ابن ديزيل سنة 281 - كما تقدّم - ، فإنّ من الجائز أن يكون قد سمع منه ما رواه عنه ، أو سمع بعضه وسمّعه أبو البعض الآخر ، وإذ لا جرح في الرجل من ناحية أُخرى ، جاز لنا الاعتماد على خبره ، مع رواية الأكابر عنه ، ولا يعارض ذلك كلام بعض معاصريه فيه خاصّةً إذا كان استناداً إلى « بلغنا » و « بلغنا » .
* وأمّا إبراهيم بن الحسين الكسائي ، فهو « ابن ديزيل » وقد تقدّمت ترجمته .
* وأمّا الفضل بن دكين ، فمن رجال الصحاح الستّة . قال ابن حجر الحافظ : « ثقة ، ثبت ، وهو من كبار شيوخ البخاري »[1].
* وأمّا سفيان بن سعيد ، فهو الثوري ، المتقدّمة ترجمته .
* وأمّا منصور ، فهو منصور بن المعتمر ، وهو من رجال الصحاح الستّة ، قال الحافظ : « ثقة ثبت ، وكان لا يدلّس »[2].
* وأمّا ربعي ، فهو ربعي بن خراش ، من رجال الصحاح الستّة ، قال
[1]تقريب التهذيب 2 / 110 .
[2]تقريب التهذيب 2 / 177 .
الحافظ : « ثقة ، عابد ، مخضرم »[1].
* وأمّا حذيفة بن اليمان ، فهو الصحابي الجليل .
دلالة الخبر على إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام :
ثمّ إن هذا الخبر من أوضح الدلائل على أنّ قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في أمير المؤمنين يوم الغدير : « من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه » ، نصّ قطعي على إمامته الكبرى وولايته العظمى من بعده بلا فصل . . . لأنّ هذا الكلام من النبيّ إن كان معناه « الحبّ » أو « النصرة » أو ما شابه ذلك من المعاني ، لم يكن أيّ اعتراض من ذلك الأعرابي على رسول اللّه قائلا : « هذا منك أو من اللّه ؟ ! » .
بل إنّ كلامه : « أمرتنا . . . وأمرتنا . . . ثمّ لم ترض بهذا ، حتّى رفت بضبعَي ابن عمّك وفضّلته على الناس ، وقلت : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه » صريح في دلالة حديث الغدير على الإمامة والخلافة . .
وإلاّ . . . فلماذا هذا الاعتراض ؟ ! وبهذه الوقاحة ؟ ! حتّى يضطرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى أن يحلف قائلا - وقد احمرّت عيناه - : « واللّه الذي لا إله إلاّ هو إنّه من اللّه وليس منّي » ، ويكرّر ذلك ثلاثاً ؟ !
[1]تقريب التهذيب 1 / 243 .
وإلاّ . . فلماذا يناشد عليٌّ الناس بحديث الغدير ؟ !
وإلاّ . . . فلماذا يكون في نفس أبي الطفيل شيء ؟ !
أخرج أحمد بسند صحيح عن أبي الطفيل ، قال : « جمع عليٌّ الناس في الرحبة ، ثمّ قال لهم : أُنشد اللّه كلّ امرئ مسلم سمع رسول اللّه يقول يوم غدير خمّ ما سمع ، لما قام ; فقام ثلاثون من الناس . . .
قال : فخرجت وكأنّ في نفسي شيئاً ، فلقيت زيد بن أرقم ، فقلت له : إنّي سمعت عليّاً يقول كذا وكذا ! قال : فما تنكر ؟ ! قد سمعت رسول اللّه يقول له ذلك »[1].
وإلاّ . . . وإلاّ . . . إلى غير ذلك ممّا سيأتي بحول اللّه وقوتّه في مباحث حديث الغدير .
مع ابن تيميّة :
نعم ، لولا دلالة حديث الغدير على إمامة الأمير عليه الصلاة والسلام ، لم يعترض ذاك الأعرابي على اللّه ورسوله ، فخرج بذلك عن الإسلام ، ولاقى جزاءه في دار الدنيا ، ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى . . . .
ولولا دلالته على إمامة الأمير لما تبع ابن تيميّة ذاك الأعرابي الجلف الجافّ ، وزعم أنّ أهل المعرفة بالحديث قد اتّفقوا على أنّ هذا الحديث
[1]مسند أحمد بن حنبل 4 / 370 .
من الكذب الموضوع .
وقد ظهر أنّ للحديث طرقاً كثيرة ، بعضها صحيح ورواته كبار الأئمّة والحفّاظ والأعلام من أبناء العامّة ، فهو حديث معتبر مستفيض .
ثمّ ذكر وجوهاً في إبطال الحديث ، كشف بها عن جهله المفرط وتعصّبه الشديد ، حتّى أعرض عنها بعض أتباعه وجعل أهمّها :
1 - كون السورة مكيّة .
2 - كون الآية : ( وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ . . . ) من سورة الأنفال ، وهي نازلة ببدر ، قبل قضية غدير خمّ بسنين .
وهذا نصّ كلام ابن تيميّة المشتمل على المطلبين :
« فيقال لهؤلاء الكذّابين : أجمع الناس كلّهم على أنّ ما قاله النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم بغدير خمّ كان مرجعه من حجّة الوداع ، والشيعة تسلّم هذا وتجعل ذلك اليوم عيداً ، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة ، والنبيّ لم يرجع إلى مكّة بعد ذلك ، بل رجع من حجّة الوداع إلى المدينة ، وعاش تمام ذي الحجّة والمحرّم وصفر ، وتوفّي في أوّل ربيع الأوّل .
وفي هذا الحديث أنّه بعد أن قال هذا بغدير خمّ وشاع في البلاد جاء الحرث وهو بالأبطح ، والأبطح بمكّة ، فهذا كذب جاهل لم يعلم متى كانت قصّة غدير خمّ ; فإنّ هذه السورة ( سَأَلَ سَائِلٌ ) - مكّية باتّفاق
أهل العلم ، نزلت بمكّة قبل الهجرة ، فهذه نزلت قبل غدير خمّ بعشر سنين أو أكثر من ذلك ، فكيف نزلت بعده ؟ !
وأيضاً : قوله : ( وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ ) في سورة الأنفال ، وقد نزلت ببدر بالاتّفاق ، قبل غدير خمّ بسنين كثيرة ، وأهل التفسير متّفقون على أنّها نزلت بسببِ ما قاله المشركون للنبيّ قبل الهجرة ، كأبي جهل وأمثاله . . . »[1].
أقول :
هذا لفظ ابن تيميّة ، وقد أسقط منه بعض مقلّديه جملةً منه ، لوضوح بطلانه وسقوطه ، وحذف منه قوله : « أجمع الناس كلّهم » ، وبدّل لفظ « الشيعة » ب : « الرافضة » ، وغير ذلك من التصرّفات .
فكان ممّا أسقط منه : إنّ الأبطح بمكّة . . . فإنّ هذا جهل من ابن تيميّة ، لأنّ الأبطح في اللغة هو : المسيل الواسع فيه دقاق الحصى ، كما لا يخفى على من راجع الكتب اللغوية من الصحاح والقاموس والنهاية وغيرها في مادّة « بطح » ، قالوا : « ومنه بطحاء مكّة » .
بل ذكر السمهودي في كتابه في تاريخ المدينة المنوّرة في بقاعها ما يسمّى بالبطحاء[2].
[1]منهاج السُنّة 4 / 13 ، الطبعة القديمة .
[2]خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى : 246 .