بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 86


الحافظ : « ثقة ، عابد ، مخضرم »[1].
* وأمّا حذيفة بن اليمان ، فهو الصحابي الجليل .
دلالة الخبر على إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام :
ثمّ إن هذا الخبر من أوضح الدلائل على أنّ قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في أمير المؤمنين يوم الغدير : « من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه » ، نصّ قطعي على إمامته الكبرى وولايته العظمى من بعده بلا فصل . . . لأنّ هذا الكلام من النبيّ إن كان معناه « الحبّ » أو « النصرة » أو ما شابه ذلك من المعاني ، لم يكن أيّ اعتراض من ذلك الأعرابي على رسول اللّه قائلا : « هذا منك أو من اللّه ؟ ! » .
بل إنّ كلامه : « أمرتنا . . . وأمرتنا . . . ثمّ لم ترض بهذا ، حتّى رفت بضبعَي ابن عمّك وفضّلته على الناس ، وقلت : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه » صريح في دلالة حديث الغدير على الإمامة والخلافة . .
وإلاّ . . . فلماذا هذا الاعتراض ؟ ! وبهذه الوقاحة ؟ ! حتّى يضطرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى أن يحلف قائلا - وقد احمرّت عيناه - : « واللّه الذي لا إله إلاّ هو إنّه من اللّه وليس منّي » ، ويكرّر ذلك ثلاثاً ؟ !


[1]تقريب التهذيب 1 / 243 .


صفحه 87


وإلاّ . . فلماذا يناشد عليٌّ الناس بحديث الغدير ؟ !
وإلاّ . . . فلماذا يكون في نفس أبي الطفيل شيء ؟ !
أخرج أحمد بسند صحيح عن أبي الطفيل ، قال : « جمع عليٌّ الناس في الرحبة ، ثمّ قال لهم : أُنشد اللّه كلّ امرئ مسلم سمع رسول اللّه يقول يوم غدير خمّ ما سمع ، لما قام ; فقام ثلاثون من الناس . . .
قال : فخرجت وكأنّ في نفسي شيئاً ، فلقيت زيد بن أرقم ، فقلت له : إنّي سمعت عليّاً يقول كذا وكذا ! قال : فما تنكر ؟ ! قد سمعت رسول اللّه يقول له ذلك »[1].
وإلاّ . . . وإلاّ . . . إلى غير ذلك ممّا سيأتي بحول اللّه وقوتّه في مباحث حديث الغدير .
مع ابن تيميّة :
نعم ، لولا دلالة حديث الغدير على إمامة الأمير عليه الصلاة والسلام ، لم يعترض ذاك الأعرابي على اللّه ورسوله ، فخرج بذلك عن الإسلام ، ولاقى جزاءه في دار الدنيا ، ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى . . . .
ولولا دلالته على إمامة الأمير لما تبع ابن تيميّة ذاك الأعرابي الجلف الجافّ ، وزعم أنّ أهل المعرفة بالحديث قد اتّفقوا على أنّ هذا الحديث


[1]مسند أحمد بن حنبل 4 / 370 .


صفحه 88


من الكذب الموضوع .
وقد ظهر أنّ للحديث طرقاً كثيرة ، بعضها صحيح ورواته كبار الأئمّة والحفّاظ والأعلام من أبناء العامّة ، فهو حديث معتبر مستفيض .
ثمّ ذكر وجوهاً في إبطال الحديث ، كشف بها عن جهله المفرط وتعصّبه الشديد ، حتّى أعرض عنها بعض أتباعه وجعل أهمّها :
1 - كون السورة مكيّة .
2 - كون الآية : ( وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ . . . ) من سورة الأنفال ، وهي نازلة ببدر ، قبل قضية غدير خمّ بسنين .
وهذا نصّ كلام ابن تيميّة المشتمل على المطلبين :
« فيقال لهؤلاء الكذّابين : أجمع الناس كلّهم على أنّ ما قاله النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم بغدير خمّ كان مرجعه من حجّة الوداع ، والشيعة تسلّم هذا وتجعل ذلك اليوم عيداً ، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة ، والنبيّ لم يرجع إلى مكّة بعد ذلك ، بل رجع من حجّة الوداع إلى المدينة ، وعاش تمام ذي الحجّة والمحرّم وصفر ، وتوفّي في أوّل ربيع الأوّل .
وفي هذا الحديث أنّه بعد أن قال هذا بغدير خمّ وشاع في البلاد جاء الحرث وهو بالأبطح ، والأبطح بمكّة ، فهذا كذب جاهل لم يعلم متى كانت قصّة غدير خمّ ; فإنّ هذه السورة ( سَأَلَ سَائِلٌ ) - مكّية باتّفاق


صفحه 89


أهل العلم ، نزلت بمكّة قبل الهجرة ، فهذه نزلت قبل غدير خمّ بعشر سنين أو أكثر من ذلك ، فكيف نزلت بعده ؟ !
وأيضاً : قوله : ( وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ ) في سورة الأنفال ، وقد نزلت ببدر بالاتّفاق ، قبل غدير خمّ بسنين كثيرة ، وأهل التفسير متّفقون على أنّها نزلت بسببِ ما قاله المشركون للنبيّ قبل الهجرة ، كأبي جهل وأمثاله . . . »[1].
أقول :
هذا لفظ ابن تيميّة ، وقد أسقط منه بعض مقلّديه جملةً منه ، لوضوح بطلانه وسقوطه ، وحذف منه قوله : « أجمع الناس كلّهم » ، وبدّل لفظ « الشيعة » ب‌ : « الرافضة » ، وغير ذلك من التصرّفات .
فكان ممّا أسقط منه : إنّ الأبطح بمكّة . . . فإنّ هذا جهل من ابن تيميّة ، لأنّ الأبطح في اللغة هو : المسيل الواسع فيه دقاق الحصى ، كما لا يخفى على من راجع الكتب اللغوية من الصحاح والقاموس والنهاية وغيرها في مادّة « بطح » ، قالوا : « ومنه بطحاء مكّة » .
بل ذكر السمهودي في كتابه في تاريخ المدينة المنوّرة في بقاعها ما يسمّى بالبطحاء[2].


[1]منهاج السُنّة 4 / 13 ، الطبعة القديمة .
[2]خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى : 246 .


صفحه 90


وأمّا أنّ سورة المعارج مكّية ، فالجواب :
أوّلا : إن كونها مكّية لا يمنع من كون بعضها مدنيّاً ، حتّى الآيات الأُولى ، لوجود نظائر لذلك في القرآن الكريم ، كما هو مذكور في كتب هذا الشأن ، بل تكفي مراجعة كتب التفسير في أوائل السور ، حيث يقولون مثلا : مكّية إلاّ كذا من أوّلها ، أو الآية الفلانيّة .
وثانياً : إنّه لا مانع من تكرّر نزول الآية المباركة ، ولهذا أيضاً نظائر في القرآن الكريم ، وقد عقد له باب في كتب علوم القرآن ، مثل الإتقان للحافظ السيوطي .
وأمّا أنّ الآية ( وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ . . . ) مدنيّة نزلت في واقعة بدر ، فالاعتراض به عجيب جدّاً ، وقد كان على مقلّده أن يسقطه أيضاً ، إذ ليس في الرواية عن سفيان بن عيينة ذِكرٌ لنزول هذه الآية في قضية غدير خمّ ، وإنّما جاء فيها أنّ الأعرابي خرج وهو يقول : اللّهمّ إن كان ما يقوله محمّد حقّاً فأمطر علينا حجارةً من السماء . . . فما هو وجه الإشكال ؟ !
هذا ، وقد تعرّضنا للجواب عن جميع جهات كلام ابن تيميّة في الآية في كتابنا الكبير[1].


[1]نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار 8 / 364 - 381 .


صفحه 91


وبقي شيء :
وهو : أنّه إذا كانت الآية ( وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ ) من ( سورة الأنفال ) ، ونازلة في واقعة بدر ، ولا علاقة لها بقضية الأعرابي المعترض على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد واقعة غدير خمّ ، فلماذا ذكر الحاكم النيسابوري الخبر التالي في تفسير ( سورة المعارج ) من كتاب التفسير من المستدرك ؟ !
وهذا نصّ عبارته :
« تفسير سورة ( سَأَلَ سَائِلٌ ) . بسم اللّه الرحمن الرحيم : أخبرنا محمّد بن عليّ الشيباني بالكوفة ، ثنا أحمد بن حازم الغفاري ، ثنا عبيد اللّه بن موسى ، عن سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع * لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ) : ذي الدرجات .
( سَأَلَ سَائِلٌ ) . قال : هو النضر بن الحارث بن كلدة ، قال : اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء .
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه » .
وافقه الذهبي على التصحيح[1].


[1]المستدرك على الصحيحين 2 / 502 .


صفحه 92


بل إذا رجعت إلى المستدرك في سورة الأنفال ، لا تجد الرواية هناك أصلا . . . .
وبماذا يجيب ابن تيميّة وأتباعه عن هذا الذي فعله الحاكم والذهبي وهما الإمامان الحافظان الكبيران ؟ !
لا سيّما وأنّ راوي هذا الخبر الصحيح هو سفيان الثوري ، وقد وقع في طريق خبر صحيح آخر في القضيّة - كما تقدّم بالتفصيل ، والمرويّ عنه هو سعيد بن جبير ، ولا بُدّ وأنّه أخذ الخبر من ابن عبّاس ، وهو أحد رواة خبر نزول آية ( سَأَلَ سَائِلٌ ) في قضية غدير خمّ . . . مضافاً إلى أنّ أغلب رواته من الشيعة .
الحقيقة : إنّ هذا الخبر من جملة الأخبار الصحيحة في نزول ( سَأَلَ سَائِلٌ ) في قضيّة غدير خمّ ، ويشهد بذلك كلام بعض المفسّرين بتفسير الآية مع ذكر القضيّة ، حيث يذكر عن ابن عبّاس أنّ السائل للعذاب بعد قضيّة غدير خمّ هو « النصر بن الحارث بن كلدة » .
ففي تفسير الخطيب الشربيني ما نصّه : « اختلف في هذا الداعي ، فقال ابن عبّاس : هو النضر بن الحارث ; وقيل : الحارث بن النعمان . وذلك أنّه لمّا بلغه قول النبيّ : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه . . . »[1].


[1]السراج المنير 4 / 380 .


صفحه 93


وفي تفسير القرطبي : « وهو النضر بن الحارث . . . قال ابن عبّاس ومجاهد . وقيل : إنّ السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهري ، وذلك أنّه لمّا بلغه . . . »[1].
فذكرا قولين ، أحدهما مطابق لرواية الحاكم ، والآخر مطابق لرواية الثعلبي .
وعن تفسير أبي عبيدة الهروي أنّه : « جابر بن النضر بن الحارث ابن كلدة »[2].
ومنهم من صحّف « الحارث بن النعمان » إلى « النعمان بن المنذر » وهو أيضاً عن سفيان الثوري ، وبسنده صحيح[3].
ومنهم من صحّفه إلى « النعمان بن الحارث »[4].
ومنهم من صحّفه إلى « الحارث بن عمرو »[5].
ومنهم من قال : « فقام إليه أعرابي »[6].


[1]تفسير القرطبي 18 / 278 .
[2]الغدير 1 / 239 .
[3]شواهد التنزيل 2 / 384 .
[4]شواهد التنزيل 2 / 381 .
[5]شواهد التنزيل 2 / 382 .
[6]شواهد التنزيل 2 / 385 .