القول مع اعترافه بوحدانية الخالق، قال تعالى: {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ}(المائدة / 116).
ومن هنا نجد الطوسي يرى أنّ هذا وإنْ خرج مخرج الاستفهام فهو تقريع وتهديد لمن أدعى ذلك عليه من النصارى([235]).
وما يقارب هذا المعنى من توجيه اللوم والعتاب لمن أدعى ذلك على النَّبي عيسى بن مريم عليهما السلام إذ كان هذا محط توبيخهم وتأنيبهم وتكذيبهم([236]).
وقال القرطبي (واختلف أهل التأويل في معنى السؤال وليس هو استفهام وإن خرج مخرج الاستفهام – على قولين: – أحدهما: إنّه سأله عن ذلك توبيخاً لمن أدعى عليه ذلك ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب وأشد في التوبيخ([237]).
ويفترض مير سيد علي الطهراني أنّ هناك سؤالاً مقدراً (فلو قيل: إنّ الاستفهام كيف يليق به تعالى على أنّه تعالى كان عالماً بأن عيسى لم يقل ذلك فكيف بهذا الخطاب؟).
فالجواب: (أنّ هذا الاستفهام توبيخ للقائل، واستفهام لتعيين القائل حتى يجازى)([238]).
وفي بيان السعادة: (الخطاب لعيسى عليه السلام والمقصود تقريع أمته وتبكيتهم والمنظور التعريض بأُمّة مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم....)([239]).
[234]ظ: الطوسي، التبيان 4: 66، الطبرسي، مجمع البيان 3: 335.
[235]ظ: الشريف المرتضى، تنزيه الأنبياء ص 145، الفخر الرازي، عصمة الأنبياء ص 92.
[236]ظ: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 3: 236.
[237]مقتنيات الدرر 4: 123.
[238]السلطان محمد الجنابذي الملقب بسلطان علي شاه (ت 1327 هـ) بيان السعادة في مقامات العبادة 2/119، انتشارات مطبعة جامعة طهران، ط2 / 1344 ش – 1385 ق.
ثانيهما: من يرى أنّ محل الآية في الحياة الأخرة إذ يقول الله يوم القيامة ((ياعيسى)) وهو استفهام يراد به التقريع لمن ادعّى ذلك عليه من النصارى واستعظام لذلك القول([240]).
ومما يؤيد نزول هذه الآية في عتاب النصارى وتوبيخهم ما ورد في عيون أخبار الرضا عليه السلام في أوجه دلائل الأئمة عليهم السلام والرد على الغلاة والمفوضة قوله عليه السلام: (قال الإمام علي عليه السلام يهلك فيّ اثنان ولا ذنب لي، محبّ مفرط ومبغض مفرط وأنا أبرأ إلى الله تبارك وتعالى ممن يغلوا فينا ويرفعنا فوق حدّنا كبراءة عيسى بن مريم عليهما السلام من النصارى، قال الله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ}([241]) (المائدة /116).
ومن هنا نجد الإمام علي عليه السلام يوضح بصريح قوله: إنّ النصارى قد غالوا في عيسى عليه السلام إذ تبرأ من قولهم وفعلهم الذي استحقوا عليه اللوم والتقريع.
الآية الثالثة
قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ* قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً
وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (آل عمران / 98 - 99).
[239]ظ: جوامع الجامع 1: 363، ظ: كنز الدقائق 4: 267، المعين 1: 322، الصافي 2: 101.
[240]الصدوق، عيون أخبار الرضا 2: 217.
ويقول في جامع البيان:
(وقد ذكر أنّ هاتين الآيتين من قوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ…} (آل عمران/98) والآيات بعدهما إلى قوله: {وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (البقرة / 105) نزلت في رجل من اليهود حاول الإغراء بين الأوس والخزرج بعد الإسلام ليرجعوا إلى ما كانوا عليه في جاهليتهم من العداوة والبغضاء، فعنفّه الله بفعله ذلك وقبح له ما فعل ووبخّه عليه، ووعض أيضاً أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، وأمرهم بالاجتماع والائتلاف)([242]).
وقيل: إنّ قوله {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} (آل عمران/98) خطاب لليهود والنصارى، والاستفهام في قوله تعالى: {لِمَ تَكْفُرُونَ} (آل عمران/98) للإنكار والتوبيخ، وقوله {وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} (آل عمران/98) جملة حالية مؤكدة للتوبيخ والإنكار، وهكذا المجيء بصيغة المبالغة في ((شهيد)) يفيد مزيد من التشديد والتهويل، والاستفهام في قوله: {لِمَ تَصُدُّونَ} (آل عمران/99) يفيد فائدة الاستفهام الأول أي: التوبيخ والإنكار)([243]).
ثم أنّه سبحانه وتعالى حاجج أهل الكتاب فوجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمره بخطاب اليهود والنصارى وقيل لليهود فقط.
فيكون (الإحتجاج عليهم بالكتاب لإقرارهم به فكأنّه قيل يا من يقر بأنّه
[241]ظ: الفيض الكاشاني 1: 363.
[242]الشوكاني 1: 366.
من أهل كتاب الله لِمَ تفكرون بآيات الله، واللفظ لفظ الاستفهام والمراد به التوبيخ، وإنما جاز التوبيخ على لفظ الاستفهام من حيث إنّه سؤال يعجز عن إقامة العذر فكأنّه قال هاتوا العذر...)([244]).
وذهب الطباطبائي إلى أنّ الآية المباركة (تشتمل على الإنكار والتوبيخ لليهود في إلقائهم الشبهات وتفتينهم المؤمنين في دينهم، وتحذير المؤمنين أنَّ يطيعوهم فيما يدعون إليه فيكفروا بالدين...)([245]).
ويرى الشيرازي أنّ (المخاطب في هذه الآية هم أهل الكتاب ويقصد منهم هنا اليهود، فالله سبحانه يأمر نبيّه في هذه الآية يسألهم معاتباً عن علة كفرهم بآيات الله في حين أنّ الله يعلم أعمالهم..)([246]).
نماذج من آيات عتاب المشركين
توطئة
ويطالعنا القرآن الكريم بنوع من اللوم والتوبيخ الشديدين في أكثر من آية في سورة الزخرف.
الآية الأولى
قوله تعالى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ} (الزخرف / 18) قال السمرقندي فيها: (قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ} بضم الياء،
[243]مجمع البيان 2: 609.
[244]الميزان 3: 364.
[245]الامثل 2: 368.
ونصب الشين ومعناه: أفمن يربى في الحليةِ، لفظه لفظ الاستفهام والمراد به التوبيخ)([247]).
(وكذلك يرى التوبيخ والعتاب ظاهراً في قوله تعالى: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} (الزخرف/ 19) قال (هذا استفهام فيه نفي: يعني لم يشهدوا خلقهم على وجه التوبيخ والتقريع)([248]).
وأما الزمخشري فعندما يصل إلى قوله تعالى: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} يرى أنّ هذا تهكم بهم([249]).
وفي الكشّاف يرى أنّ (الهمزة للإنكار المستقل بالتجهيل والتعجّب من إعتراضهم وتحكمهم)([250]).
وقال في مجمع البيان عندما يقف على بيان عتاب وتوبيخ المشركين في قوله تعالى: {أَمْ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} (الزخرف/16) (ثم انكر سبحانه عليهم قولهم فقال ((أم)) وهذا استفهام انكار وتوبيخ ومعناه بل)([251]) إلى أنَّ يقول (ثمّ وبخّهم بما افتروه فقال {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ}(الزخرف/18))([252]).
والسيوطي يرى في قوله تعالى من سورة الزخرف {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} (الزخرف/80) أنَّ الاستفهام هنا توبيخي.
[246]أبو نصر محمد بن مسعود بن عباس السمر قندي بحر الغرائب 3: 241، منشورات الاعلمي، بيروت – لبنان ط1، 1411 هـ - 1991 م.
[247]المصدر نفسه 3: 242.
[248]ظ: الكشاف 4: 248.
[249]الزمخشري 4: 252.
[250]مجمع البيان 9: 57.
[251]المصدر نفسه 9: 57.
وفي نهر الماد عند ذكر قوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} (الزخرف/32) قال: (فيه توبيخ وتعجّب من جهلهم)([253]).
وأما في أيسر التفاسير فإنّ (الاستفهام إنكاري يتضمن التوبيخ لهؤلاء الزاعمين اختيار من شاءوا للإصطفاء والرسالة فعلموا أنّه لاحق لهم...)([254]).
الآية الثانية
{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} (التوبة /19) ذهب جمع من المفسرين إلى أنّ هذه الآية المباركة من الآيات التي نزلت في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام إذ أبرزت عمق إيمانه وجهاده وفضله على غيره وجاءت من جانب آخر موبخة ومعاتبة للمشركين إذ إنّ هناك من فاضل أو ماثل بين الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام وبين غيره من المشركين فجاءت موبخّة لهم ومقرّعة لأفعالهم فما كان من الإنصاف المساواة بين السقاية والعمارة وبين الجهاد والإيمان.
وما ورد في سبب نزول الآية أنّ الآيات نزلت في العباس وطلحه بن شيبه والإمام علي عليه السلام حين تفاخروا فذكر العباس سقاية الحاج، وشيبه عمارة المسجد الحرام، وعلي الإيمان والجهاد، في سبيل الله([255]).
والطبري يرى أنّ هذا توبيخاً من الله لقومٍ افتخروا بالسقاية وسدانة البيت
[252]ابن حيان الأندلسي 2: 913.
[253]الجزائري 4: 638.
[254]ظ: مجمع البيان 4: 410، ابن كثير 3: 363 المراجعات، 90، ابن المغازلي (ت 483 هـ) مناقب علي بن أبي طالبعليهما السلام، انتشارات سبط النّبي صلى الله عليه وآله وسلم، إيران – قم، ط 1، 1426 هـ، الطباطبائي، الميزان 9: 305.
الحرام، أعلمهم أنَّ الفخر في الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد من سبيله([256]).
وفي صفوة التفاسير (الخطاب للمشركين، والاستفهام للإنكار والتوبيخ والمعنى؛ أجعلتم يا معشر المشركين سقاية الحجيج وسدانة البيت، كإيمان من آمن بالله وجاهد في سبيله؟ وهو رد على العباس حين قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة، فلقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، فنزلت)([257]).
ويقول صاحب أيسر التفاسير في خطاب الآية: إنّه جاء التوبيخ وبيان الحال إذ يقول في معنى الآيات (ما زال السياق في الرد على من رأى تفضيل عمارة المسجد الحرام بالسقاية والحجاجة والسدانة على الإيمان والهجرة والجهاد فقال تعالى موبخاً لهم {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ} (التوبة: 19) في حكم الله وقضائه بحال من الأحوال، والمشركون ظالمون كيف يكون لعمارتهم للمسجد الحرام وزن أو قيمة تذكر {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (التوبة: 19) بعد هذا التوبيخ والبيان للحال أخبر تعالى أنّ {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا}([258]) (التوبة: 20).
الآية الثالثة
قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} (القصص/74).
[255]جامع البيان 10: 94 عن صفوة التفاسير 1: 488.
[256]الصابوني 1: 488.
[257]الجزائري 2: 350 – 351، ظ: أبو حنيفة النعمان (ت 362 هـ) المناقب والمثالب: 211 تحقيق ماجد أحمد العطية، منشورات الأعلمي، بيروت – لبنان ط 1، 1423 هـ - 2002م.
وهذه الآية كذلك من الآيات التي وردت بلسان العتاب للمشركين بأشدّ صورة، بحيث يرى الطوسي رحمه الله أنّ النداء قد كرّر بـ{أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} (القصص/ 62)؛ لأنّ النداء الأول للتقرير بالإقرار على اليقين بالغيّ الذي كانوا عليه ودعوا إليه، والثاني للتعجيز عن إقامة البرهان لما طولبوا به بحضرة الإشهاد مع تقريع حاصل بالاشتراك بعد تقريع([259]).
ويرى الطبري في تفسيره أنّ هذا نداءً على سبيل التقريع والتوبيخ لمن عبد مع الله إلهاً آخر، يناديهم الرب تبارك وتعالى على رؤوس الأشهاد فيقول: {أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}([260]).
والبعض يرى أنّ هذا السؤال ونظائره هو سؤال تبكيت وتأنيب وتوبيخ وهو نوع من العذاب النفسي الذي هو أشد من العذاب الجسمي([261]).
في حين يرى البقاعي أنَّ الآيات جاءت بلسان الغضب والافتراء والتوبيخ([262]).
الآية الرابعة
قوله تعالى: {قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ* قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ* قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ* بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ
[258]ظ: الطوسي، التبيان 8: 173.
[259]ظ: الطبري 5: 33.
[260]ظ: الجزائري، أيسر التفاسير 4: 96.
[261]ظ: نظم الدرر 5: 515.