بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 110

وهذه الآية كذلك من الآيات التي وردت بلسان العتاب للمشركين بأشدّ صورة، بحيث يرى الطوسي رحمه الله أنّ النداء قد كرّر بـ{أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} (القصص/ 62)؛ لأنّ النداء الأول للتقرير بالإقرار على اليقين بالغيّ الذي كانوا عليه ودعوا إليه، والثاني للتعجيز عن إقامة البرهان لما طولبوا به بحضرة الإشهاد مع تقريع حاصل بالاشتراك بعد تقريع([259]).

ويرى الطبري في تفسيره أنّ هذا نداءً على سبيل التقريع والتوبيخ لمن عبد مع الله إلهاً آخر، يناديهم الرب تبارك وتعالى على رؤوس الأشهاد فيقول: {أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}([260]).

والبعض يرى أنّ هذا السؤال ونظائره هو سؤال تبكيت وتأنيب وتوبيخ وهو نوع من العذاب النفسي الذي هو أشد من العذاب الجسمي([261]).

في حين يرى البقاعي أنَّ الآيات جاءت بلسان الغضب والافتراء والتوبيخ([262]).

الآية الرابعة

قوله تعالى: {قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ* قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ* قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ* بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ

[258]ظ: الطوسي، التبيان 8: 173.

[259]ظ: الطبري 5: 33.

[260]ظ: الجزائري، أيسر التفاسير 4: 96.

[261]ظ: نظم الدرر 5: 515.


صفحه 111

وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (المؤمنون / 84-90).

ويستنتج الطباطبائيرحمه الله في ميزانه العتاب والتوبيخ للمشركين من خلال تفسير الآيات المباركات، فيقول في بيان الآية المباركة {قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} (المؤمنون / 85) أمرٌ بعد تسجيل الجواب أنَّ يوبخهم على الابتعاد عن تذكر الحّجة الدالة على إمكان البعث وعند الوقوف على قوله تعالى: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} (المؤمنون/ 87) فيذكر المعنى فيقول(والمعنى: سيجيبونك بأنّها لله قل لهم تبكيتاً وتوبيخاً...)([263]).

في حين يقول الشيرازي: (وهذه عبارات تنبيه شديدة للكفّار وإنكار لما هم عليه من باطل بشكل متدرّج ومرحلة بعد أخرى، وهو أسلوب متعارف ينسجم مع الأساليب المعروفة في التعليم والتربية المنطقية...)([264]).

وكذلك الحال عند بعض المفسرين إذ يرون أنّ فيها عتاباً وتوبيخاً واستهجاناً لهم وتأنيباً شديداً([265]).

الآية الخامسة

قوله تعالى: {أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ} (الصافات / 153).

موضوع هذه الآية المباركة يرتبط بمشركي مكة إذ إنهم يبرزون لوناً آخر من ألوان الشرك الذي ينم عن سطحية أفكارهم وبساطتها إذ إنهم في هذه الآية المباركة يذهبون إلى قياس معرفة الخالق من خلال أنفسهم أي تصوروا أنّ الخالق كالبشر له

[262]الميزان: 15: 56 – 59.

[263]الأمثل 10: 310.

[264]ظ: المراغي 18: 48 – 49، أيسر التفاسير 3: 531.


صفحه 112

أولاد مثلما لهم تارة، وأخرى أنّ له زوجاً وربما كانت من الجنّ، وهذه الأوهام الخرافية دعتهم إلى الاعتقاد أنّ لله بنات وهم الملائكة وغيرها من الأوهام، فجاء القرآن الكريم راداً عليهم {أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ} (الصافات/150).

فلذا جاء هنا الاستفهام الإنكاري لهم مع ما يحمل من التوبيخ لهم. ففي الكشاف ذكر أنّ الهمزة في قوله تعالى {أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ} (الصافات/ 153) فلذا يرى الطبرسيرحمه الله أنّ الهمزة على وجه التقريع لهم بذلك والتوبيخ([266]).

وقيل (إنّها استفهام على طريق الإنكار والاستبعاد)([267]).

وعلل أنَّهُ ولما كان المراد تبكيتهم بكونهم جعلوا الأخس لله.... عدل التعبير بالإناث وعبّر بما ينص على المراد فقال: ((البنات))([268]).

وقيل أنَّ في الآية (استفهام إنكاري... ثم وبّخهم فقال: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}([269]) (الصافات/154).

وفي قوله تعالى: (({فَاسْتَفْتِهِمْ} (الصافات/ 11) فاسأل يا رسول الله مُحَمَّد أهل مكة، هو سؤال توبيخ))([270]).

وفي الجامع لأحكام القرآن أنَّ قوله تعالى (اصطفى) (على معنى التقريع والتوبيخ - وأما قوله تعالى: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (الصافات/154) - فالكلام جار على التوبيخ...)([271]).

[265]ظ: مجمع البيان 8: 592، ظ: القاسمي، محاسن التأويل 6: 78.

[266]الزمخشري، الكشاف 4: 64.

[267]نظم الدرر 6: 346.

[268]الجديد 6: 90، ظ: مقتنيات الدرر 9: 138، الأمثل 14: 272.

[269]معالم التنزيل 4: 852.

[270]القرطبي 8: 88.


صفحه 113

المبحث الثالث: نماذج من آيات عتاب الله لغير البشر من مخلوقاته

المطلب الأول: نماذج من آيات عتاب الملائكة

لعل من ابرز مصاديق هذا النوع من ما ورد في قضية نبي الله آدم عليه السلام في سورة البقرة إذ ذكر القرآن الكريم ما جرى قبيل هبوط آدم عليه السلام وإخراجه من الجنة كما في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة / 30) فتمضي الآيات بنا قدماً لتصل إلى بيان أسباب هذا التفضيل للنبي عليه السلام على سائر الملائكة وتعليمه ما لم يعلموا إذ ظهر ذلك جلياًَ حينما اختبروا بمعرفة الأسماء التي عرضها الله تعالى لهم حتى أنّ الملائكة قالوا: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (البقرة /32).

ومن هنا بدأ عتابهم وتوبيخهم كما يراه بعض المفسرين وخصوصاً عند قول الملائكة كما يورده القرآن الكريم {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة / 30).

ورد البارئ تعالى لهم الذي كان نقطة انطلاق العتاب واللوم عليهم إذ قال


صفحه 114

تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة/30).

ولذا ينقل الطبري (ت 310 هـ) رواية عن ابن عباس يَعْرض فيها ضعف الملائكة وعجزهم ولوم الله سبحانه لهم لأمر قد غابت مصلحته عنهم لتقصير علمهم وأحاطتهم به فيقول (وهذه الرواية عن ابن عباس تنبأ عن أنّ قول الله عزّ وجلّ {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة / 30) خطاب من الله تعالى جلّ ثناؤه لخاص من الملائكة من دون الجمع والذين قيل لهم ذلك من الملائكة كانوا قبيلة إبليس خاصة، الذين قاتلوا معه جن الأرض قبل خلق آدم عليه السلام وإنّ الله إنما خصهم بقيل ذلك، احتجاجاً منه لهم وابتلاءً ليعرفهم تقصير علمهم وفضل كثير ممن هو أضعف خلقاً منهم، ممن خلفّه عليهم وأنّ كرامته لا تنال بقوى الأبدان ولا بشدة الأجسام كما ظنه إبليس عدو الله عزّ وجلّ)([272]).

والآية الكريمة تحوي استفهاماً ما يحمل بين طياته عتاباً يكشف عن انتفاء ميلهم إلى السجود لآدم عليه السلام.

ولذا يرى الطبري أنّ (هذه كانت هفوة منهم ورجماً بالغيب وأنّ الله جلّ ثناؤه اطلعهم على مكروه ما نطقوا به من ذلك ووقفهم عليه حتى تابوا وأنابوا إليه مما قالوا ونطقوا بهم من رجم الغيب بالظنون وتبرؤا إليه أنَّ يعلموا الغيب وغيره)([273]).

ولذا يرى بعض المفسرين أنَّ هذا عجباً من أنَّ يخلف لعمارة الأرض

[271]ظ: جامع البيان عن تأويل القرآن 1: 292.

[272]ظ: المصدر نفسه 1: 292.


صفحه 115

وإصلاحها من يفسد فيها أو يخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية، وكشف عما خفي عليهم من الحكمة التي بهرت بتلك المفاسد والفتها واستخبار عما يرشدهم ويزيح شبههم كسؤال المتعلم معلمه عما يختلج في صدره وليس باعتراض على الله تعالى ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة)([274]).

ولهذا نلاحظ أنّ ميزان استحقاق الملائكة للوم والعتاب أو من دونه مبنيّ على(أنّ مع إخبار الله للملائكة بأمر الإفساد في الأرض فلا وجه لتوبيخهم ولومهم وأما مع ظنهم بإدراك أنَّ بني آدم يفسدون في الأرض فإنّ التوبيخ حينئذٍ واقع بهم على ما ظنوا)([275]).

ويبدو لنا أنّ هذا واقع حالهم لأنّهم مأمورون بالاعتراف والإذعان وترك الاعتراض والاستفسار عن علة أمرٍ صادر لهم.

والذي يبدو من الفخر الرازي أنّ الملائكة وقعوا فيما من شأنه أنَّ يجلب لهم لوم البارئ وعتابه، إذ يرى أنّ خطاب الملائكة أما كان معصية أو ترك أولى فيصل إلى أنّه على التقديرين أنّ المقصود حاصل([276]).

ومنهم من يعلق كلما جرى على أنّه إشارة إلى تحدي يواجه الملائكة واختبار صعب يلاحظ في نهايته عجزهم عن اجتيازه والخوض فيه والذي يترتب عليه نهاية الأمر لومهم وعتابهم([277]).

ولكن الذي يبدو أنّ قول الملائكة: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا} (البقرة/32)

[273]ظ: الزمخشري، الكشاف 1: 154، القرطبي، الجامع 1: 82.

[274]ظ: الطبري، جامع البيان 1: 295.

[275]ظ: مفاتيح الغيب 2: 157.

[276]ظ: الشوكاني، فتح القدير 1: 64.


صفحه 116

يوحي بأنّه كان استفساراً لا اعتراضاً {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} (البقرة/30) وهم استحقوا اللوم والعتاب كما يرى المراغي([278]).

ومع أدب الملائكة مع الله سبحانه يرى بعض المفسرين أنّ من باب الحق والإنصاف أنّ الصادر منهم أشبه بالتوبة ولكن لا عن ذنب مخل بالعصمة بل ناشئ من ترك أولى([279]).

وربما كان عجز الملائكة عن إدراك غاية الخلاف في الأرض هو مدعاة البارئ لعتابهمْ ولاسيما أنَّ إجابتهم {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا} (البقرة/32) دلت على نوع من الاعتذار والإقرار والعجز.

هذا ما يراه أتباع هذه المدرسة في نطاق هذا المقطع من هذه الآية المباركة.

وأما مفسرو الإمامية فقد اختلفوا قليلاً عن غيرهم في سعة قبول فكرة المعاتبة والتوبيخ من الله للملائكة إذ إنهم قالوا {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} (البقرة/30) على الرغم من إظهار ندم الملائكة على ما قالوا، ومن ذلك ما نراه عند العياشي إذ يروي بسند عن أبي عبد الله عليه السلام يقول: كنت مع أبي في الحجر فيما هو قائم يصلي وأتاه رجل فجلس إليه فلما انصرف سلم عليه ثم قال: إني أسألك عن ثلاث أشياء لا يعلمها إلا أنت ورجل آخر، قال ما هي؟ قال: اخبرني أي شيء كان سبب الطواف بهذا البيت؟ فقال: إنّ الله تعالى لما أمر الملائكة أنْ تسجد لآدم عليه السلام فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ

[277]ظ: أحمد مصطفى المراغي 1: 84.

[278]ظ: أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الآلوسي البغداد (ت 1270هـ) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 1: 226 – 227، منشورات دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، ط 4، 1405 هـ - 1985 م.


صفحه 117

فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} (البقرة/30) قال الله عزّ وجلّ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة/30) فغضب عليهم ثم سألوا التوبة فأمرهم أنَّ يطوفوا بالضراح وهو البيت المعمور ومكثوا يطوفون سبع سنين، ويستغفرون الله تعالى مما قالوا، ثم جعل الله البيت الحرام حذو الضراح توبة لمن أذنب من بني آدم وطهوراً لهم، فقال: صدقت([280]).

وعندما نأتي إلى الشيخ الطوسي رحمه الله نجده يرى قوله تعالى: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} (البقرة/30) قول من قال: إنّ الملائكة إنما قالت على وجه التعجب من هذا التدبير لا إنكاراً له ولكن على وجه التألم والتوجع والاغتمام والاستعلام لوجه التدبر فيها([281]).

وعندما يصل الطبرسيرحمه الله إلى عرض قوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة / 30) ويعرض بعض الاشكالات حول ذلك ثم يجيب عليها، يروي بعد ذلك ما قالت الملائكة مما استوجب جلب اللوم والعتاب لهم، وهذا ما يفهم من نص الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام من (أنّ الملائكة سألت الله أنَّ يجعل الخليفة منهم وقالوا نحن نقدسك ونطيعك ولا نعصيك كغيرنا، فقال أبو عبد الله عليه السلام فلما أجيبوا بما ذكر الله في القرآن علموا أنّهم قد تجاوزوا ما ليس لهم، فلاذوا بالعرش استغفاراً، فأمر الله آدم عليه السلام بعد هبوطه أنَّ يبني لهم في

[279]ظ: أبو نصر محمد بن مسعود بن عباس السمر قندي، بحر الغرائب 1: 48، عبد علي بن جمعه العروسي الحويزي، نور الثقلين 1: 51.

[280]ظ: ابو جعفر الطوسي 1: 133، محمد رضا القمي، كنز الدقائق 1: 323، عبد الأعلى السبزواري، مواهب الرحمن 1: 152، منشورات أهل البيت ط2، بيروت – لبنان 1409 هـ - 1988 م.