بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 115

وإصلاحها من يفسد فيها أو يخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية، وكشف عما خفي عليهم من الحكمة التي بهرت بتلك المفاسد والفتها واستخبار عما يرشدهم ويزيح شبههم كسؤال المتعلم معلمه عما يختلج في صدره وليس باعتراض على الله تعالى ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة)([274]).

ولهذا نلاحظ أنّ ميزان استحقاق الملائكة للوم والعتاب أو من دونه مبنيّ على(أنّ مع إخبار الله للملائكة بأمر الإفساد في الأرض فلا وجه لتوبيخهم ولومهم وأما مع ظنهم بإدراك أنَّ بني آدم يفسدون في الأرض فإنّ التوبيخ حينئذٍ واقع بهم على ما ظنوا)([275]).

ويبدو لنا أنّ هذا واقع حالهم لأنّهم مأمورون بالاعتراف والإذعان وترك الاعتراض والاستفسار عن علة أمرٍ صادر لهم.

والذي يبدو من الفخر الرازي أنّ الملائكة وقعوا فيما من شأنه أنَّ يجلب لهم لوم البارئ وعتابه، إذ يرى أنّ خطاب الملائكة أما كان معصية أو ترك أولى فيصل إلى أنّه على التقديرين أنّ المقصود حاصل([276]).

ومنهم من يعلق كلما جرى على أنّه إشارة إلى تحدي يواجه الملائكة واختبار صعب يلاحظ في نهايته عجزهم عن اجتيازه والخوض فيه والذي يترتب عليه نهاية الأمر لومهم وعتابهم([277]).

ولكن الذي يبدو أنّ قول الملائكة: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا} (البقرة/32)

[273]ظ: الزمخشري، الكشاف 1: 154، القرطبي، الجامع 1: 82.

[274]ظ: الطبري، جامع البيان 1: 295.

[275]ظ: مفاتيح الغيب 2: 157.

[276]ظ: الشوكاني، فتح القدير 1: 64.


صفحه 116

يوحي بأنّه كان استفساراً لا اعتراضاً {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} (البقرة/30) وهم استحقوا اللوم والعتاب كما يرى المراغي([278]).

ومع أدب الملائكة مع الله سبحانه يرى بعض المفسرين أنّ من باب الحق والإنصاف أنّ الصادر منهم أشبه بالتوبة ولكن لا عن ذنب مخل بالعصمة بل ناشئ من ترك أولى([279]).

وربما كان عجز الملائكة عن إدراك غاية الخلاف في الأرض هو مدعاة البارئ لعتابهمْ ولاسيما أنَّ إجابتهم {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا} (البقرة/32) دلت على نوع من الاعتذار والإقرار والعجز.

هذا ما يراه أتباع هذه المدرسة في نطاق هذا المقطع من هذه الآية المباركة.

وأما مفسرو الإمامية فقد اختلفوا قليلاً عن غيرهم في سعة قبول فكرة المعاتبة والتوبيخ من الله للملائكة إذ إنهم قالوا {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} (البقرة/30) على الرغم من إظهار ندم الملائكة على ما قالوا، ومن ذلك ما نراه عند العياشي إذ يروي بسند عن أبي عبد الله عليه السلام يقول: كنت مع أبي في الحجر فيما هو قائم يصلي وأتاه رجل فجلس إليه فلما انصرف سلم عليه ثم قال: إني أسألك عن ثلاث أشياء لا يعلمها إلا أنت ورجل آخر، قال ما هي؟ قال: اخبرني أي شيء كان سبب الطواف بهذا البيت؟ فقال: إنّ الله تعالى لما أمر الملائكة أنْ تسجد لآدم عليه السلام فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ

[277]ظ: أحمد مصطفى المراغي 1: 84.

[278]ظ: أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الآلوسي البغداد (ت 1270هـ) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 1: 226 – 227، منشورات دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، ط 4، 1405 هـ - 1985 م.


صفحه 117

فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} (البقرة/30) قال الله عزّ وجلّ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة/30) فغضب عليهم ثم سألوا التوبة فأمرهم أنَّ يطوفوا بالضراح وهو البيت المعمور ومكثوا يطوفون سبع سنين، ويستغفرون الله تعالى مما قالوا، ثم جعل الله البيت الحرام حذو الضراح توبة لمن أذنب من بني آدم وطهوراً لهم، فقال: صدقت([280]).

وعندما نأتي إلى الشيخ الطوسي رحمه الله نجده يرى قوله تعالى: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} (البقرة/30) قول من قال: إنّ الملائكة إنما قالت على وجه التعجب من هذا التدبير لا إنكاراً له ولكن على وجه التألم والتوجع والاغتمام والاستعلام لوجه التدبر فيها([281]).

وعندما يصل الطبرسيرحمه الله إلى عرض قوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة / 30) ويعرض بعض الاشكالات حول ذلك ثم يجيب عليها، يروي بعد ذلك ما قالت الملائكة مما استوجب جلب اللوم والعتاب لهم، وهذا ما يفهم من نص الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام من (أنّ الملائكة سألت الله أنَّ يجعل الخليفة منهم وقالوا نحن نقدسك ونطيعك ولا نعصيك كغيرنا، فقال أبو عبد الله عليه السلام فلما أجيبوا بما ذكر الله في القرآن علموا أنّهم قد تجاوزوا ما ليس لهم، فلاذوا بالعرش استغفاراً، فأمر الله آدم عليه السلام بعد هبوطه أنَّ يبني لهم في

[279]ظ: أبو نصر محمد بن مسعود بن عباس السمر قندي، بحر الغرائب 1: 48، عبد علي بن جمعه العروسي الحويزي، نور الثقلين 1: 51.

[280]ظ: ابو جعفر الطوسي 1: 133، محمد رضا القمي، كنز الدقائق 1: 323، عبد الأعلى السبزواري، مواهب الرحمن 1: 152، منشورات أهل البيت ط2، بيروت – لبنان 1409 هـ - 1988 م.


صفحه 118

الأرض بيتاً يلوذ به المخطئون كما لاذ بالعرش الملائكة المقربون، فقال تعالى: إنّي أعرف بالمصلحة منكم وهو معنى قوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ([282]) (البقرة / 30) وفي مجمع البيان ينقل وجوه عدة في تحليل الآية المباركة منها أنّ الملائكة إنما قالت ذلك على سبيل الاستفهام وعلى وجه الاستخبار والاستعلام عن وجه المصلحة والحكمة على وجه الإنكار ولا على سبيل الإخبار فكأنّهم قالوا، يا الله إن كان هذا كما ظننا فعرفنا ما وجه الحكمة فيه([283]).

فكأنما طلب منهم أنَّ يقفوا ليدافعوا ويبرروا عما صرحوا به وهو نتاج لوم توجه لهم وهذا اللوم هو الذي طرأ عليهم لاستعظامهم أنفسهم واستصغارهم آدم عليه السلام وتفاخرهم عليه مما أدّى ذلك إلى سجودهم له ليعلموا أنّ البارئ مستغنً عن طاعتهم([284]).

المطلب الثاني: نماذج من آيات عتاب الجن

الآية الأولى

قال تعالى في معرض الحديث عن سجود الملائكة لآدم عليه السلام وامتناع إبليس: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَاسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ} (ص / 75).

وهنا جاء العتاب في استفهام إنكار ظاهر يؤيده السياق اللاحق في الآية وهو

[281]ظ: التبيان 1: 136، البحراني، البرهان 1: 318، كنز الدقائق 1: 325.

[282]ظ: الطبرسي 1: 93.

[283]ظ: محمد بن إبراهيم الشيرازي، صدر المتألهين (ت 1050 هـ) تفسير القرآن الكريم 3: 390 – 391، دار التعارف بيروت – لبنان، ط 2، 1419 هـ - 1998 م.


صفحه 119

الجواب على لسان إبليس {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} (الأعراف /12) وهذا الجواب - كما نرى – ينبئ عن قياس فاسدٍ أتى به إبليس ممّا أدّى إلى لومه وتوبيخه بل وتكفيره ((فلما أتى إبليس بقياسه الفاسد دلّ ذلك على أنَّهُ إنما ذكر ذلك القياس ليتوسل به إلى القدح في أمر الله وتكليفه وذلك يوجب الكفر))([285]).

ويرى البغوي أنّ التوبيخ واللوم إنما جاء لتكبره وامتناعه عن السجود لآدم عليه السلام فيقول في تفسيره لقوله تعالى {أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ} (ص/75) أي من المتكبرين استفهام توبيخ وإنكار يقول استكبرت بنفسك حتى أبيت السجود أم كنت من اللذين يتكبرون عن السجود لكونك منهم([286]).

ويرى بعض المفسرين أنّ التوبيخ جاء نتيجة الاستفهام في الآية الكريمة([287]).

ونحن نرى أنّ سياق الآية المباركة تجاوز العرض والعتاب والتحضيض إلى اللوم والتعنيف {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَاسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ} (ص / 75) ثم يأتي جواب الاستفهام بالاستفهام فيه همزة تسوية المتلوة بأم المعادلة وكلا الطرفين (الاستكبار، العلو) يوجب اللوم والتقريع وصد

[284]الفخر الرازي، مفاتيح الغيب 26: 302 وقال بهذه الفكرة مفسرون كثيرون منهم: نظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري القمي (ت 728 هـ) غرائب القرآن ورغائب الفرقان 5: 608 دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان ط 1416 هـ - 1996 م.

[285]أبو محمد الحسيني بن مسعود الفراء الشافعي (ت 514 هـ) معالم التنزيل 4: 615، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان.

[286]أبو القاسم محمد بن أحمد الكلبي (ت 741 هـ) التسهيل لعلوم التنزيل 2: 213، تحقيق محمد هاشم سالم دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط 1415 هـ - 1995 م.


صفحه 120

النفس الاستكباري الذي طغى على روح إبليس فبانت نيته وظهر معدنه إذ بلس من طاعة الله سبحانه وتعالى.

ونجد أنَّ القاسم المشترك بين المفسرين هو تأكيدهم على وقوع اللوم والتقريع على إبليس بكونه عاصياً لما أمر به البارئ عزّ وجلّ والجدير بالذكر أنّ النتيجة التي انتهى إليها إبليس لعصيانه وتكبره هي خروجه من طاعة الله مذموماً مدحوراً وهذا يؤكد ويوجب تقريعه ولومه له لعنه الله([288]).

الآية الثانية

قال تعالى {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} (الأنعام / 130) إنّ محل الشاهد في هذا النص الكريم هو الخطاب الإلهي لمعشر الجن في خضم الخطاب الشامل للجن والإنس والأشرار منهم خاصة والآية حملت تأنيباً بيناً وتوبيخاً ظاهراً ليس على وجه الحقيقة لأنّ الله يعلم وهم لا يعلمون أنّه سبحانه قد أرسل إليهم رسلاً مبشرين ومنذرين([289]).

ويرى بعض المفسرين أنّ النداء في الآية المباركة يتضمن توبيخاً للكفار من الجن والإنس يوم القيامة ويبيّن أنّه لا يكون إلى الجحود سبيل يشهدون على أنفسهم بأنّهم كانوا كافرين لذا يقول سبحانه وتعالى للثقلين الجن والإنس يوم

[287]ظ: الزمخشري، الكشاف 4: 109، الصابوني، صفوة التفاسير 3: 60، شهاب الدين، روح المعاني 8: 88 وغيرها.

[288]ظ: محمد جواد مغنية، تفسير الكاشف 3: 365.


صفحه 121

القيامة {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} (الزمر/71) في الدنيا {رُسُلٌ} مكلفين من الله {مِنْكُمْ} من جنسكم([290]).

كما يجد بعض المفسرين أنّ النداء في الآية المباركة نداء واستفهام توبيخي منه سبحانه وتعالى يعاتب فيه الإنس والجن، بأنّه قد أرسل عليهم رسلاً منهم وأنبياء يبينون لهم حرام الله وحلاله([291]).

الآية الثالثة

قوله سبحانه وتعالى {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} (الرحمن: 13).

وقد تكرر قوله تعالى في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة مما يشير إلى قوة توكيد المضمون الذي حملته الآية المباركة، وهو العتاب القوي الشامل الموجه لمعشر الإنس والجان بل إنّ مادة ألفاظ الآية {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يؤكد الاستفهام فيها بهذا التكرار المعبر على التقريع والتوبيخ الموجه للثقلين: الإنس والجن، أي فبأي نعمة من هذه النعم الظاهرة والباطنة التي أسبغها الله عليكم تكذبان؟

ويرى بعض المفسرين أنّ الوجه لتكرار هذه الآية من هذه السورة فإنما هو التقرير بالنعم المعدودة وتأكيد التذكير بها فكلما ذكر سبحانه نعمة من نعمه تحمد وبخ على التكذيب بها([292]).

[289]ظ: مير سيد علي الحائري الطهراني (ت1340 هـ) مقتنيات الدرر 4: 264 دار الكتب الإسلامية، طهران 1373 ش.

[290]ظ: التفسير الجديد، 3: 91، صفوة التفاسير 1: 277، الجوهر الثمين 6: 157، تقريب القرآن 8: 25.

[291]ظ: الطوسي 9: 353، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 9: 106.


صفحه 122

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة