النفس الاستكباري الذي طغى على روح إبليس فبانت نيته وظهر معدنه إذ بلس من طاعة الله سبحانه وتعالى.
ونجد أنَّ القاسم المشترك بين المفسرين هو تأكيدهم على وقوع اللوم والتقريع على إبليس بكونه عاصياً لما أمر به البارئ عزّ وجلّ والجدير بالذكر أنّ النتيجة التي انتهى إليها إبليس لعصيانه وتكبره هي خروجه من طاعة الله مذموماً مدحوراً وهذا يؤكد ويوجب تقريعه ولومه له لعنه الله([288]).
الآية الثانية
قال تعالى {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} (الأنعام / 130) إنّ محل الشاهد في هذا النص الكريم هو الخطاب الإلهي لمعشر الجن في خضم الخطاب الشامل للجن والإنس والأشرار منهم خاصة والآية حملت تأنيباً بيناً وتوبيخاً ظاهراً ليس على وجه الحقيقة لأنّ الله يعلم وهم لا يعلمون أنّه سبحانه قد أرسل إليهم رسلاً مبشرين ومنذرين([289]).
ويرى بعض المفسرين أنّ النداء في الآية المباركة يتضمن توبيخاً للكفار من الجن والإنس يوم القيامة ويبيّن أنّه لا يكون إلى الجحود سبيل يشهدون على أنفسهم بأنّهم كانوا كافرين لذا يقول سبحانه وتعالى للثقلين الجن والإنس يوم
[287]ظ: الزمخشري، الكشاف 4: 109، الصابوني، صفوة التفاسير 3: 60، شهاب الدين، روح المعاني 8: 88 وغيرها.
[288]ظ: محمد جواد مغنية، تفسير الكاشف 3: 365.
القيامة {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} (الزمر/71) في الدنيا {رُسُلٌ} مكلفين من الله {مِنْكُمْ} من جنسكم([290]).
كما يجد بعض المفسرين أنّ النداء في الآية المباركة نداء واستفهام توبيخي منه سبحانه وتعالى يعاتب فيه الإنس والجن، بأنّه قد أرسل عليهم رسلاً منهم وأنبياء يبينون لهم حرام الله وحلاله([291]).
الآية الثالثة
قوله سبحانه وتعالى {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} (الرحمن: 13).
وقد تكرر قوله تعالى في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة مما يشير إلى قوة توكيد المضمون الذي حملته الآية المباركة، وهو العتاب القوي الشامل الموجه لمعشر الإنس والجان بل إنّ مادة ألفاظ الآية {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يؤكد الاستفهام فيها بهذا التكرار المعبر على التقريع والتوبيخ الموجه للثقلين: الإنس والجن، أي فبأي نعمة من هذه النعم الظاهرة والباطنة التي أسبغها الله عليكم تكذبان؟
ويرى بعض المفسرين أنّ الوجه لتكرار هذه الآية من هذه السورة فإنما هو التقرير بالنعم المعدودة وتأكيد التذكير بها فكلما ذكر سبحانه نعمة من نعمه تحمد وبخ على التكذيب بها([292]).
[289]ظ: مير سيد علي الحائري الطهراني (ت1340 هـ) مقتنيات الدرر 4: 264 دار الكتب الإسلامية، طهران 1373 ش.
[290]ظ: التفسير الجديد، 3: 91، صفوة التفاسير 1: 277، الجوهر الثمين 6: 157، تقريب القرآن 8: 25.
[291]ظ: الطوسي 9: 353، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 9: 106.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة

الفصل الثالث
عصمة الأنبياء عليهم السلام و
إمكانية العتاب مع استلزامه المخالفة
المبحث الأول: القول بالعصمة المطلقة للأنبياء وأدلتهم
المبحث الثاني: القول بالعصمة الجزئية للأنبياء عليهم السلام وأدلتهم
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
توطئة
يقع الحديث عن العصمة في إطار مسائل النبوة، وهي مجموعة القضايا التي يشترك فيها الأنبياء عليهم السلام وتقف مسألة العصمة في الصف الأول من مسائل النبوّة العامة من إذ أهميتها لما لها من آثار مهمة وثمرات أساس في عقيدة الإنسان المسلم إزاء وظيفة النبوة وأثر وظيفتها في حياة المجتمع البشري ونظامه، فثبوت العصمة لإنسان ما يعني ثبوت مجموعة من الآثار واللوازم كأن تكون أفعاله وأقوالهُ حجة على الآخرين، أو إمكان اتخاذه قدوة وأسوة لهم في كل شيء وغير ذلك من الثمرات المتفرعة عن مسألة العصمة.
ونجد القرآن الكريم يقررّ ثبوت العصمة المطلقة للأنبياء عليهم السلام من خلال آيات عديدة سنقف عندها في مقام آخر من هذه الدراسة وفي غير مورد، ولابد لنا قبل ذلك من الوقوف على الدلالات اللغوية والاصطلاحية للعصمة قبل الإلمام في إطارها الموضوعي في ضوء المنظور القرآني.
العصمة في اللغة والاصطلاح
العصمة لغة
حينما يتعّرض اللغويون لبيان حقيقة العصمة فإنّهم يؤكدون في حقيقتها أصل الامتناع الذي نجده يتكرر في صيغها واستخداماتها المختلفة.
قال ابن فارس (ت395 هـ): (عصم أصل واحد صحيح يدل على إمساك ومنع وملازمه، والمعنى في ذلك كله واحد، من ذلك [العصمة] أنَّ يعصم الله عبده من سوء يقع به، واعتصم العبد بالله تعالى إذا تمنّع)([293]).
وعرّفها الراغب (أبو القاسم الحسين بن أحمد) (ت565 هـ): (العصم الإمساك، والاستعصام الاستمساك)([294]). وجاءت العصمة في كلام العرب بمعنى المنع([295]).
ولذا قال (ابن منظور أبو الفضل جلال الدين) (ت711 هـ): (والعاصم المانع الحامي)([296]).
وعلى هذا فالأصل اللغوي في العصمةِ هو المنع والحفظ والوقاية من الوقوع في ما فيه مناف لتحقق الغرض.
العصمة اصطلاحاً
للمذاهب الإسلامية في المعنى الاصطلاحي للعصمة أقوال مختلفة وآراء متباينة وكل يعرّفها على وفق متبنياتهِ واعتقاده وسنقف هنا باختصار عند تلك الآراء.
[292]مقاييس اللغة، مادة (عصم) 4: 432.
[293]مفردات ألفاظ القرآن الكريم، مادة (عصم) 568.
[294]مختار الصحاح، مادة (عصم) 437.
[295]لسان العرب (مادة عصم) 12: 403.
(أولاً) الإمامية
ذهب الشيخ المفيدرحمه الله (ت413 هـ) إلى القول إنّها (لطف يفعله الله تعالى بالمكلف، بحيث تمنع وقوع المعصية، وترك الطاعة، مع قدرته عليها)([297]).
وكذا هي لطف من الله يترتب عليه الوثوق بقول المعصوم عليه السلام ولذا اعتبرها العلامة ابن المطهّر الحلّيرحمه الله (ت726 هـ): (لطف خفي يفعل الله تعالى بالمكلف إذ لا يكون له داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك، لأنّه لولا ذلك لم يحصل الوثوق بقوله فانتفت الفائدة من البعثة وهو محال)([298]).
وفي الصراط المستقيم أكدّ الشيخ زين الدين العاملي على اتصافهم عليهم السلام بالعصمة عن كل نقيصة من أول عمرهم([299]).
ومن هنا قالوا: (وليس معنى العصمة أنَّ الله يجبره على ترك المعصية بل يفعل به ألطافاً، يترك معها المعصية، باختياره مع قدرته عليها([300]).
ويضيف السيد الشهيد مُحَمَّد باقر الصدر أبعاد أُخَر مهمة على معنى
[296]النكت الاعتقادية 10: 37 مصنفات الشيخ المفيد، المؤتمر العالمي (د.ت).
[297]الفاضل المقداد، شرح الباب الحادي عشر: 63، تحقيق محسن الصدر الرضواني مطبعة سلمان الفارسي ط1، 1412 هـ - 1370.
[298]ظ: العلامة الشيخ زين الدين أبو محمّد علي بن يونس العاملي النياطي (ت 877 هـ)، الصراط المستقيم 1: 50، تحقيق محمد الباقر العبودي، المكتبة المركزية لإحياء الآثار الجعفرية ط 1، 1384 هـ. ش.
[299]السيد عبد الله شبر (ت1242 هـ)، حق اليقين 1: 90 مطبعة العرفان، صيدا، 1352 هـ.