العصمة في اللغة والاصطلاح
العصمة لغة
حينما يتعّرض اللغويون لبيان حقيقة العصمة فإنّهم يؤكدون في حقيقتها أصل الامتناع الذي نجده يتكرر في صيغها واستخداماتها المختلفة.
قال ابن فارس (ت395 هـ): (عصم أصل واحد صحيح يدل على إمساك ومنع وملازمه، والمعنى في ذلك كله واحد، من ذلك [العصمة] أنَّ يعصم الله عبده من سوء يقع به، واعتصم العبد بالله تعالى إذا تمنّع)([293]).
وعرّفها الراغب (أبو القاسم الحسين بن أحمد) (ت565 هـ): (العصم الإمساك، والاستعصام الاستمساك)([294]). وجاءت العصمة في كلام العرب بمعنى المنع([295]).
ولذا قال (ابن منظور أبو الفضل جلال الدين) (ت711 هـ): (والعاصم المانع الحامي)([296]).
وعلى هذا فالأصل اللغوي في العصمةِ هو المنع والحفظ والوقاية من الوقوع في ما فيه مناف لتحقق الغرض.
العصمة اصطلاحاً
للمذاهب الإسلامية في المعنى الاصطلاحي للعصمة أقوال مختلفة وآراء متباينة وكل يعرّفها على وفق متبنياتهِ واعتقاده وسنقف هنا باختصار عند تلك الآراء.
[292]مقاييس اللغة، مادة (عصم) 4: 432.
[293]مفردات ألفاظ القرآن الكريم، مادة (عصم) 568.
[294]مختار الصحاح، مادة (عصم) 437.
[295]لسان العرب (مادة عصم) 12: 403.
(أولاً) الإمامية
ذهب الشيخ المفيدرحمه الله (ت413 هـ) إلى القول إنّها (لطف يفعله الله تعالى بالمكلف، بحيث تمنع وقوع المعصية، وترك الطاعة، مع قدرته عليها)([297]).
وكذا هي لطف من الله يترتب عليه الوثوق بقول المعصوم عليه السلام ولذا اعتبرها العلامة ابن المطهّر الحلّيرحمه الله (ت726 هـ): (لطف خفي يفعل الله تعالى بالمكلف إذ لا يكون له داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك، لأنّه لولا ذلك لم يحصل الوثوق بقوله فانتفت الفائدة من البعثة وهو محال)([298]).
وفي الصراط المستقيم أكدّ الشيخ زين الدين العاملي على اتصافهم عليهم السلام بالعصمة عن كل نقيصة من أول عمرهم([299]).
ومن هنا قالوا: (وليس معنى العصمة أنَّ الله يجبره على ترك المعصية بل يفعل به ألطافاً، يترك معها المعصية، باختياره مع قدرته عليها([300]).
ويضيف السيد الشهيد مُحَمَّد باقر الصدر أبعاد أُخَر مهمة على معنى
[296]النكت الاعتقادية 10: 37 مصنفات الشيخ المفيد، المؤتمر العالمي (د.ت).
[297]الفاضل المقداد، شرح الباب الحادي عشر: 63، تحقيق محسن الصدر الرضواني مطبعة سلمان الفارسي ط1، 1412 هـ - 1370.
[298]ظ: العلامة الشيخ زين الدين أبو محمّد علي بن يونس العاملي النياطي (ت 877 هـ)، الصراط المستقيم 1: 50، تحقيق محمد الباقر العبودي، المكتبة المركزية لإحياء الآثار الجعفرية ط 1، 1384 هـ. ش.
[299]السيد عبد الله شبر (ت1242 هـ)، حق اليقين 1: 90 مطبعة العرفان، صيدا، 1352 هـ.
العصمة من خلال ارتباطها بالرسالة في إطارها الشمولي فيقول: (العصمة تعبير عن الانفعال الكامل بالرسالة والتجسيد الكامل لكل معطيات تلك الرسالة في النطاقات الروحية والفكرية والعملية)([301]).
وهذه التعريفات والدلالات التي اعتمدها متكلمو الإمامية نجد أنّها اشتقت من الأصول والآثار الواردة عن أهل البيت عليهم السلام ([302]).
ومن ذلك ما رواه الشيخ الصدوقرحمه الله بإسناده إلى الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام عن أبيه عن جده عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: الإمام منا لا يكون إلاّ معصوماً.. فقيل يا ابن رسول الله فما معنى المعصوم؟ فقال: هو المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة: والإمام يهدي إلى القرآن، والقرآن يهدي إلى الإمام، وذلك قول الله عزّ وجلّ: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء / 9).
وكذلك بإسناده إلى هشام بن الحكم قال:
سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك (أي معنى الإمام لا يكون إلاّ معصوماً) فقال: المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله، وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (آل عمران / 101)([303]).
[300]محمد باقر الصدر، تنوع أدوار ووحدة هدف 47.
[301]ظ: الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن بن بابويه القمّي (ت 381 هـ) معاني الأخبار 132، تحقيق علي أكبر غفاري، انتشارات إسلامي 1361 هـ.
[302]المصدر نفسه 132.
(ثانياً) المعتزلة
يرى بعض المعتزلة أنّ العصمة راجعة إلى اللطف فيكون المعنى، عصمهُ حين يمنع معه وقوع فعل المعصية على وجه الحكم وهذا النوع من اللفظ خاص بالأنبياء عليهم السلام يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي (ت415 هـ) (والأسامي تختلف عليه فربما يسمى توفيقاً وربما يسمى عصمة إلى غير ذلك)([304]).
لذلك فهو يُعرّف العصمة فيقول: إنّها (تعبير عن لطف يقع معه الملطوف فهي لا محالة حتى يكون المرء معه كالمدفوع إلى أنَّ لا يرتكب الكبائر ولهذا لا يطلق إلا على الأنبياء أو من يجري مجراهم)([305]).
ولما كانت البعثة لطفاً للمكلفين فيما يراه المعتزلة فيجب أنَّ تحصل في أتم صورة من صور الكمال، وهذا يقتضي أنَّ تتحقق في المبعوث صفات معينة كالنزاهة عن جميع المنفرات سواء الصغير منها أو الكبير.
ولذا يقرر المعتزلة أنّه لابد له تعالى من (ان يجنّب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ما ينفر عن القبول منه لأنّه لو لم يجنبّه عن مثل هذه الحال لم يقع القبول منه، ولأنّ المكلّف لا يكون أقرب إلى ذلك إلاّ على ما قلناه، فيجب أنَّ يجنبهم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عن الغلظة والفضاضة وذكر علته قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}([306])(آل عمران / 59).
[303]القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني (ت 415 هـ)، شرح الأصول الخمسة: 519 تحقيق د. عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، القاهرة ط 1، 1965 م.
[304]المصدر نفسه: 780، ظ القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، المغني 13: 12 تحقيق د. محمود محمد قاسم.
[305]شرح الأصول، مصدر سابق 105.
(ثالثاً) الأشاعرة
وأما الأشاعرة فيرى العلامة ابن المطهر الحلّي أنّهم يجوّزون على الأنبياء الصغائر والكبائر إلا الكفر والكذب([307]).
فلذا تكون العصمة ثابتة عندهم بعد البعثة من دون قبلها ومن الذنوب كلها ما عدا السهو والخطأ، وجائز عليهم الذنب قبل البعثة.
يقول البغدادي: فقد سها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته حين سلّم في الركعتين ثم بنى عليها وسجد سجدتي السهو، فقال النظام:([308]) إن ذنوبهم على السهو والخطأ مأخوذة لما وقع منهم من هذه الجهة وإن كان ذلك موضوعاً عن أممهم وإنما يصح عصمتهم على أصولنا إذا قلنا إنّ الله أقدرهم على الطاعة من دون المعاصي وصاروا بذلك معصومين عن المعاصي([309]) فقد كان الأنبياء جميعاً قبل بعثتهم مؤمنين بالله موحدين، أما بالأدلة العقلية أو على شريعة من قبلهم ولقد كان الرسول قبل بعثته متابعاً ملة إبراهيم عليه السلام ([310]).
[306]ظ: جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي المطهّر العلامة الحلي (ت 726 هـ) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ص 376، تعليق إبراهيم الموسوي الزنجاني منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت – لبنان، ط 1، 1399 هـ - 1972 م، مفلح بن الحسن بن راشد ابن صلاح البحراني، من أعلام القرن التاسع، إلزام النواصب ص119 تحقيق، عبد الرضا النجفي ط 1 1420 هـ.
[307]ظ: الخياط المعتزلي، أبو الحسن عبد الرحيم، الانتصار ص 93، تحقيق د. نيبرج، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط 1925 م.
[308]ظ: البغدادي،عبد القاهر بن طاهر، أصول الدين ص 169 مدرسة الإلهيات دار الفنون التركية، استنبول ط1، 1982م.
[309]ظ: أحمد صبحي، في علم الكلام، دراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلامية ص 551 مؤسسة الثقافة الجامعية الاسكندرية 1987 م.
وعند التأمل قد نجد المذهب عند محققي الأشاعرة منع الكبائر والصغائر الخسيسة بعد البعثة مطلقاً، والصغائر غير الخسيسة عمداً لا سهواً([311])، مثبت أنّ العصمة عند الأشاعرة صدور المعصية كبيرة أو صغيرة عمداً أي أنّ صدورها سهواً لا ينافي العصمة([312]).
ويذهب البغدادي إلى أنّ الأنبياء جميعهم معصومون من الذنوب كلها بعد البعثة لا قبلها، وأما السهو والخطأ فجائز عليهم([313]).
وعليه فيرى أحمد صبحي أنّ المعتزلة أشد نزاهة من الأشاعرة في الموقف تجاه عصمة الأنبياء ويستغرب من انتقاد البغدادي لهم مع أنّهم لم يثبتوا للنبي أي ذنبٍ على سبيل الخطأ في التأويل، فينكر عليهم القول: إنّ الله قد حصنهم من الذنوب([314]).
[310]ظ: الشريف علي بن محمد الجرجاني (ت 816 هـ)، شرح المواقف 8: 265 مطبعة السعادة مصر ط1، 1325 هـ 1970 م.
[311]ظ: أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي (ت 380 هـ) التعرّف لمذهب التصّوف تحقيق أحمد شمس الدين طه، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان ط 1، 1413 هـ - 1993، محيي الدين محمد بن عمر الخطيب الرازي (ت660 هـ)، معالم أصول الدين، تحقيق طه عبد الرزاق، دار الكتب العربية، بيروت – لبنان ط 1404 هـ - 1984م.
[312]ظ: البغدادي عبد القاهر، أصول الدين ص 165.
[313]أحمد صبحي، في علم الكلام ص 551.
المطلب الأول: الأدلة النقلية على القول بالعصمة المطلقة
أولاً: الأدلة القرآنية
قبل محاولة عرض نماذج من الأدلة القرآنية الدامغة للعصمة المطلقة للأنبياء عليهم السلام لابد من بيان أمر، فقد يدّعى أنّ العصمة والبحث فيها ليست من الأفكار التي عرضها القرآن الكريم، بل هي مسألة ترجع في جذورها إلى الاختلافات التي نشبت بين علماء الكلام في المسائل الاعتقادية، وفي ضوء هذه الدعوة نستطيع أنَّ نقرر أنَّ الأمر ليس كما ذُكر، إذ يكفي في ردها القول إنّ القرآن الكريم قد صرّح بمسألة العصمة ونص عليها في غير مورد، وهنا ما نحن بصدد بيانه بعرض نماذج من الآيات الداعمة لذلك.
الآية الأولى
قال تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} (الأعراف / 181).
الآية المباركة واضحة الدلالة على الملازمة بين الحق وبين الهادي إليه وهي (تدل على أنّه لا يخلو زمان ألبتة عمن يقوم بالحق، ويعمل به ويهدي إليه، وأنّهم لا يجتمعون في شيء من الأزمنة على الباطل...)([315]).
[314]الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، 15: 60 ,
ومن كان بهذه الصفات لابد أنَّ يكون معصوماً مخلصاً كي يكون أهلاً للإقتداء.
ولذا نجد القرطبي يوافق الرازي في دلالة الآية على الهادي للحق فقال: (دلت الآية على أنّ الله عزّ وجلّ لا يخلي الدنيا في وقت من الأوقات من داعٍ يدعو إلى الحق..)([316]).
ونستطيع أنَّ نستنتج من هذا بأنّ هذه الأمة هي آخر الأُمم وأَنّه لابد أنَّ يبقى منها من يقوم بأوامر الله مع قيام الدنيا وأنّه الهادي والداعي إلى الحق.
وقال السيد الطباطبائي رحمه الله: إنّها (تدل على أنّ النوع الإنساني يتضمن طائفة قليلة أو كثيرة مهتدية حقيقية، إذ الكلام في الاهتداء والضلال الحقيقيين المستندين إلى صنع الله ومن يهدي الله فهو المهتدي، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون، والاهتداء الحقيقي لا يكون إلاّ عن هداية حقيقية، وهي التي لله سبحانه)([317]).
ثم يقول: (إنّ الهداية الحقيقية الإلهية لا تختلف عن مقتضاها بوجه وتوجب العصمة من الضلال)([318]).
فالذي يهدي بالحق وبه يعدل لابد أنَّ يكون معصوماً في الأزمنة جميعها ولا يمكن بناءً على هذا أنَّ يظهر المصداق لهذهِ الآية المباركة إلاّ على ما نقول في وجود الأنبياء والأئمة عليهم السلام.
[315]الجامع لأحكام القرآن 4: 255.
[316]الميزان 8: 345.
[317]المصدر نفسه 8: 345.