(ثانياً) المعتزلة
يرى بعض المعتزلة أنّ العصمة راجعة إلى اللطف فيكون المعنى، عصمهُ حين يمنع معه وقوع فعل المعصية على وجه الحكم وهذا النوع من اللفظ خاص بالأنبياء عليهم السلام يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي (ت415 هـ) (والأسامي تختلف عليه فربما يسمى توفيقاً وربما يسمى عصمة إلى غير ذلك)([304]).
لذلك فهو يُعرّف العصمة فيقول: إنّها (تعبير عن لطف يقع معه الملطوف فهي لا محالة حتى يكون المرء معه كالمدفوع إلى أنَّ لا يرتكب الكبائر ولهذا لا يطلق إلا على الأنبياء أو من يجري مجراهم)([305]).
ولما كانت البعثة لطفاً للمكلفين فيما يراه المعتزلة فيجب أنَّ تحصل في أتم صورة من صور الكمال، وهذا يقتضي أنَّ تتحقق في المبعوث صفات معينة كالنزاهة عن جميع المنفرات سواء الصغير منها أو الكبير.
ولذا يقرر المعتزلة أنّه لابد له تعالى من (ان يجنّب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ما ينفر عن القبول منه لأنّه لو لم يجنبّه عن مثل هذه الحال لم يقع القبول منه، ولأنّ المكلّف لا يكون أقرب إلى ذلك إلاّ على ما قلناه، فيجب أنَّ يجنبهم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عن الغلظة والفضاضة وذكر علته قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}([306])(آل عمران / 59).
[303]القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني (ت 415 هـ)، شرح الأصول الخمسة: 519 تحقيق د. عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، القاهرة ط 1، 1965 م.
[304]المصدر نفسه: 780، ظ القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، المغني 13: 12 تحقيق د. محمود محمد قاسم.
[305]شرح الأصول، مصدر سابق 105.
(ثالثاً) الأشاعرة
وأما الأشاعرة فيرى العلامة ابن المطهر الحلّي أنّهم يجوّزون على الأنبياء الصغائر والكبائر إلا الكفر والكذب([307]).
فلذا تكون العصمة ثابتة عندهم بعد البعثة من دون قبلها ومن الذنوب كلها ما عدا السهو والخطأ، وجائز عليهم الذنب قبل البعثة.
يقول البغدادي: فقد سها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته حين سلّم في الركعتين ثم بنى عليها وسجد سجدتي السهو، فقال النظام:([308]) إن ذنوبهم على السهو والخطأ مأخوذة لما وقع منهم من هذه الجهة وإن كان ذلك موضوعاً عن أممهم وإنما يصح عصمتهم على أصولنا إذا قلنا إنّ الله أقدرهم على الطاعة من دون المعاصي وصاروا بذلك معصومين عن المعاصي([309]) فقد كان الأنبياء جميعاً قبل بعثتهم مؤمنين بالله موحدين، أما بالأدلة العقلية أو على شريعة من قبلهم ولقد كان الرسول قبل بعثته متابعاً ملة إبراهيم عليه السلام ([310]).
[306]ظ: جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي المطهّر العلامة الحلي (ت 726 هـ) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ص 376، تعليق إبراهيم الموسوي الزنجاني منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت – لبنان، ط 1، 1399 هـ - 1972 م، مفلح بن الحسن بن راشد ابن صلاح البحراني، من أعلام القرن التاسع، إلزام النواصب ص119 تحقيق، عبد الرضا النجفي ط 1 1420 هـ.
[307]ظ: الخياط المعتزلي، أبو الحسن عبد الرحيم، الانتصار ص 93، تحقيق د. نيبرج، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط 1925 م.
[308]ظ: البغدادي،عبد القاهر بن طاهر، أصول الدين ص 169 مدرسة الإلهيات دار الفنون التركية، استنبول ط1، 1982م.
[309]ظ: أحمد صبحي، في علم الكلام، دراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلامية ص 551 مؤسسة الثقافة الجامعية الاسكندرية 1987 م.
وعند التأمل قد نجد المذهب عند محققي الأشاعرة منع الكبائر والصغائر الخسيسة بعد البعثة مطلقاً، والصغائر غير الخسيسة عمداً لا سهواً([311])، مثبت أنّ العصمة عند الأشاعرة صدور المعصية كبيرة أو صغيرة عمداً أي أنّ صدورها سهواً لا ينافي العصمة([312]).
ويذهب البغدادي إلى أنّ الأنبياء جميعهم معصومون من الذنوب كلها بعد البعثة لا قبلها، وأما السهو والخطأ فجائز عليهم([313]).
وعليه فيرى أحمد صبحي أنّ المعتزلة أشد نزاهة من الأشاعرة في الموقف تجاه عصمة الأنبياء ويستغرب من انتقاد البغدادي لهم مع أنّهم لم يثبتوا للنبي أي ذنبٍ على سبيل الخطأ في التأويل، فينكر عليهم القول: إنّ الله قد حصنهم من الذنوب([314]).
[310]ظ: الشريف علي بن محمد الجرجاني (ت 816 هـ)، شرح المواقف 8: 265 مطبعة السعادة مصر ط1، 1325 هـ 1970 م.
[311]ظ: أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي (ت 380 هـ) التعرّف لمذهب التصّوف تحقيق أحمد شمس الدين طه، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان ط 1، 1413 هـ - 1993، محيي الدين محمد بن عمر الخطيب الرازي (ت660 هـ)، معالم أصول الدين، تحقيق طه عبد الرزاق، دار الكتب العربية، بيروت – لبنان ط 1404 هـ - 1984م.
[312]ظ: البغدادي عبد القاهر، أصول الدين ص 165.
[313]أحمد صبحي، في علم الكلام ص 551.
المطلب الأول: الأدلة النقلية على القول بالعصمة المطلقة
أولاً: الأدلة القرآنية
قبل محاولة عرض نماذج من الأدلة القرآنية الدامغة للعصمة المطلقة للأنبياء عليهم السلام لابد من بيان أمر، فقد يدّعى أنّ العصمة والبحث فيها ليست من الأفكار التي عرضها القرآن الكريم، بل هي مسألة ترجع في جذورها إلى الاختلافات التي نشبت بين علماء الكلام في المسائل الاعتقادية، وفي ضوء هذه الدعوة نستطيع أنَّ نقرر أنَّ الأمر ليس كما ذُكر، إذ يكفي في ردها القول إنّ القرآن الكريم قد صرّح بمسألة العصمة ونص عليها في غير مورد، وهنا ما نحن بصدد بيانه بعرض نماذج من الآيات الداعمة لذلك.
الآية الأولى
قال تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} (الأعراف / 181).
الآية المباركة واضحة الدلالة على الملازمة بين الحق وبين الهادي إليه وهي (تدل على أنّه لا يخلو زمان ألبتة عمن يقوم بالحق، ويعمل به ويهدي إليه، وأنّهم لا يجتمعون في شيء من الأزمنة على الباطل...)([315]).
[314]الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، 15: 60 ,
ومن كان بهذه الصفات لابد أنَّ يكون معصوماً مخلصاً كي يكون أهلاً للإقتداء.
ولذا نجد القرطبي يوافق الرازي في دلالة الآية على الهادي للحق فقال: (دلت الآية على أنّ الله عزّ وجلّ لا يخلي الدنيا في وقت من الأوقات من داعٍ يدعو إلى الحق..)([316]).
ونستطيع أنَّ نستنتج من هذا بأنّ هذه الأمة هي آخر الأُمم وأَنّه لابد أنَّ يبقى منها من يقوم بأوامر الله مع قيام الدنيا وأنّه الهادي والداعي إلى الحق.
وقال السيد الطباطبائي رحمه الله: إنّها (تدل على أنّ النوع الإنساني يتضمن طائفة قليلة أو كثيرة مهتدية حقيقية، إذ الكلام في الاهتداء والضلال الحقيقيين المستندين إلى صنع الله ومن يهدي الله فهو المهتدي، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون، والاهتداء الحقيقي لا يكون إلاّ عن هداية حقيقية، وهي التي لله سبحانه)([317]).
ثم يقول: (إنّ الهداية الحقيقية الإلهية لا تختلف عن مقتضاها بوجه وتوجب العصمة من الضلال)([318]).
فالذي يهدي بالحق وبه يعدل لابد أنَّ يكون معصوماً في الأزمنة جميعها ولا يمكن بناءً على هذا أنَّ يظهر المصداق لهذهِ الآية المباركة إلاّ على ما نقول في وجود الأنبياء والأئمة عليهم السلام.
[315]الجامع لأحكام القرآن 4: 255.
[316]الميزان 8: 345.
[317]المصدر نفسه 8: 345.
الآية الثانية
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} (آل عمران / 33).
يستطيع المتتبع لألفاظ الآية المباركة وخصوصاً عند الوقوف على مفردة (اصطفى) أنَّ يستنتج من خلالها عصمة الأنبياء ونفي عنهم كل لون من ألوان العتب واللوم –كما هو واضح عند أغلب مفسري المذاهب الإسلامية بعد الانطلاق من المعنى اللغوي لذلك.
وجاء كل هذا موافقاً لما ذهب إليه الشيخ الطوسيرحمه الله مُحَمَّد بن الحسن (ت460 هـ) من فهم الآية المباركة ودلالتها على الاصطفاء لهم عليهم السلام)([319]).
وهذا ما وجدناه عند الشيخ الطبرسيرحمه الله، إذ قال: (الاصطفاء والاجتباء والاختيار نظائر، وهو افتعال من الصفوة وهذا من أحسن البيان الذي يمثل به المعلوم المرئي، وذلك أنّ الصافي هو النقي من شوائب الأدناس)([320]).
ثم ينتقل إلى تحديد المعنى المراد من الآية انطلاقاً من هذه الدلالة اللغوية فيقول (ويجب أنَّ يكون الذين اصطفاهم الله تعالى مطهرّين معصومين منزهين عن القبائح لأنّه تعالى لا يختار ولا يصطفي إلاّ من كان كذلك ويكون ظاهره مثل باطنه في الطهارة والعصمة فعلى هذا يختص الاصطفاء بمن كان معصوماً من آل إبراهيم وآل عمران سواء كان نبياً أو إماماً)([321]).
[318]ظ: التبيان 2: 441.
[319]مجمع البيان 2: 454.
[320]المصدر نفسه 2: 555.
وما يقارب هذا المعنى من دلالة الآية على العصمة المطلقة لهم عليهم السلام ما ذكره في جوامع الجامع([322]).
ويرى بعد ذلك أنَّ دلالة الآية على الاصطفاء ذات وجهين فيقول: («إحداها» أنَّهُ اصطفاه لنفسه أي جعله خالصاً له يختص به و«الثاني» أنّه اصطفاه على غيره أي اختصّه بالتفضيل على غيره)([323]).
ومن الإمامية من يرى أنّ المائز بين الأنبياء والأئمة عليهم السلام وبين سائر الخلق هي العصمة، فقال: (ومن البداهة بمكان أنّ وجه الاصطفاء، هذا وسببه يكمن في العصمة الذاتية المتواجدة في الأنبياء والأئمة عليهم السلام وبها امتازوا عن الخلق فهم يتمتعون بحصانةٍ تجاه كل أنواع الكفر والشرك والذنوب الكبيرة والصغيرة والخطأ العمدي أو السهوي أو النسيان، لأنّهم يسقطون من مزيّة الاصطفاء الإلهي بمجرّد صدور الذنب عنهم ولأنّ العقل السليم لا يقبل أنَّ يصدق أنّ فرداً يذنب ويعصي الله عزّ وجلّ ويكون مصطفاً ومقرباً إليه)([324]).
وفي كلامه هذا دلالة واضحة على إطلاق العصمة للأنبياء عليهم السلام وتنزيههم عن غيرهم بعدم إمكان صدور مطلق الذنب عنهم عليهم السلام.
وأشار السيد عبد الله شبررحمه الله إلى عصمتهم عليهم السلام من خلال الاصطفاء في الآية المباركة إذ يرى أنّ الله تعالى اصطفاهم (بالنبوة والإمامة والعصمة...)([325]).
[321]ظ: أبو الفضل بن الحسن الطبرسي 1: 169.
[322]مجمع البيان 2: 555.
[323]الاحقاقي ميرزا عبد الرسول الحائري بحث حول الولاية من وحي القرآن 2: 231 تحقيق علي العبسي العاملي، بيروت – لبنان، ط 1، 1413 هـ - 1993 م.
[324]السيد عبد الله شبّر تفسير القرآن الكريم 1: 54.
وهذه واضحة الدلالة على كون المراد في الآية الكريمة هي عصمتهم عليهم السلام إذ كانوا مبرئين من كل عيب ونقص وذنب.
ويرى من هو في إطار البحث الكلامي أنّ معنى الاصطفاء في الآية اختيار وانتخاب للنبوّة والإمامة وما فيها من الخصائص الروحانية والعصمة والكمالات والفضائل، وما يلازمها من الصفات الخيرة الجسمانية والروحية والخلقية ([326]).
ثم يستخلص منها بعد ذلك إيجاب أنَّ يكون الاصطفاء محصوراً بمن كان معصوماً من آل إبراهيم وآل عمران بلا فرق بين كونهم أنبياء أو أئمة.
فمن كانت هذه صفاته كيف يتصوّر أنَّ يكون غافلاً عن ذكر الله مائلاً إلى شهواته أضف إلى ذلك أنّ التسديد الإلهي لأنبيائه ورسله مانعاً باختيار منهم من الاقتراب من كل ذنب وخطيئة مهما كان حجمه ونوعه وهو عين إطلاق العصمة لهم عليهم السلام.
وذهب بعض متكلمي العامة ومفسرّيهم إلى أنّ الآية فيها دلالة على عصمتهم عليهم السلام فمنشأه ذلك الاختيار والاجتباء والاصطفاء لهم، وهذا ما نجده عند الطبري (أبو جعفر مُحَمَّد بن جرير (ت310 هـ)) إذ يروي بسلسلة الإسناد إلى الحسن في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (آل عمران/ 33-34) قال: (فضلهم الله على العالمين بالنبوّة على الناس كلهم كانوا هم الأنبياء الأتقياء المطيعين لربهم)([327]).
[325]ظ: السبزواري الخطيّ (ت 1410 هـ) التفسير الجديد 2: 44–45 دار التعارف للمطبوعات بيروت – لبنان، ط1، ظ: مير سيد علي الحائري مقتنيات الدرر 2: 185، السيد عبد الله شبر، الجوهر الثمين 3: 313.
[326]جامع البيان عن تأويل القرآن 3: 217.