المطلب الأول: الأدلة النقلية على القول بالعصمة المطلقة
أولاً: الأدلة القرآنية
قبل محاولة عرض نماذج من الأدلة القرآنية الدامغة للعصمة المطلقة للأنبياء عليهم السلام لابد من بيان أمر، فقد يدّعى أنّ العصمة والبحث فيها ليست من الأفكار التي عرضها القرآن الكريم، بل هي مسألة ترجع في جذورها إلى الاختلافات التي نشبت بين علماء الكلام في المسائل الاعتقادية، وفي ضوء هذه الدعوة نستطيع أنَّ نقرر أنَّ الأمر ليس كما ذُكر، إذ يكفي في ردها القول إنّ القرآن الكريم قد صرّح بمسألة العصمة ونص عليها في غير مورد، وهنا ما نحن بصدد بيانه بعرض نماذج من الآيات الداعمة لذلك.
الآية الأولى
قال تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} (الأعراف / 181).
الآية المباركة واضحة الدلالة على الملازمة بين الحق وبين الهادي إليه وهي (تدل على أنّه لا يخلو زمان ألبتة عمن يقوم بالحق، ويعمل به ويهدي إليه، وأنّهم لا يجتمعون في شيء من الأزمنة على الباطل...)([315]).
[314]الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، 15: 60 ,
ومن كان بهذه الصفات لابد أنَّ يكون معصوماً مخلصاً كي يكون أهلاً للإقتداء.
ولذا نجد القرطبي يوافق الرازي في دلالة الآية على الهادي للحق فقال: (دلت الآية على أنّ الله عزّ وجلّ لا يخلي الدنيا في وقت من الأوقات من داعٍ يدعو إلى الحق..)([316]).
ونستطيع أنَّ نستنتج من هذا بأنّ هذه الأمة هي آخر الأُمم وأَنّه لابد أنَّ يبقى منها من يقوم بأوامر الله مع قيام الدنيا وأنّه الهادي والداعي إلى الحق.
وقال السيد الطباطبائي رحمه الله: إنّها (تدل على أنّ النوع الإنساني يتضمن طائفة قليلة أو كثيرة مهتدية حقيقية، إذ الكلام في الاهتداء والضلال الحقيقيين المستندين إلى صنع الله ومن يهدي الله فهو المهتدي، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون، والاهتداء الحقيقي لا يكون إلاّ عن هداية حقيقية، وهي التي لله سبحانه)([317]).
ثم يقول: (إنّ الهداية الحقيقية الإلهية لا تختلف عن مقتضاها بوجه وتوجب العصمة من الضلال)([318]).
فالذي يهدي بالحق وبه يعدل لابد أنَّ يكون معصوماً في الأزمنة جميعها ولا يمكن بناءً على هذا أنَّ يظهر المصداق لهذهِ الآية المباركة إلاّ على ما نقول في وجود الأنبياء والأئمة عليهم السلام.
[315]الجامع لأحكام القرآن 4: 255.
[316]الميزان 8: 345.
[317]المصدر نفسه 8: 345.
الآية الثانية
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} (آل عمران / 33).
يستطيع المتتبع لألفاظ الآية المباركة وخصوصاً عند الوقوف على مفردة (اصطفى) أنَّ يستنتج من خلالها عصمة الأنبياء ونفي عنهم كل لون من ألوان العتب واللوم –كما هو واضح عند أغلب مفسري المذاهب الإسلامية بعد الانطلاق من المعنى اللغوي لذلك.
وجاء كل هذا موافقاً لما ذهب إليه الشيخ الطوسيرحمه الله مُحَمَّد بن الحسن (ت460 هـ) من فهم الآية المباركة ودلالتها على الاصطفاء لهم عليهم السلام)([319]).
وهذا ما وجدناه عند الشيخ الطبرسيرحمه الله، إذ قال: (الاصطفاء والاجتباء والاختيار نظائر، وهو افتعال من الصفوة وهذا من أحسن البيان الذي يمثل به المعلوم المرئي، وذلك أنّ الصافي هو النقي من شوائب الأدناس)([320]).
ثم ينتقل إلى تحديد المعنى المراد من الآية انطلاقاً من هذه الدلالة اللغوية فيقول (ويجب أنَّ يكون الذين اصطفاهم الله تعالى مطهرّين معصومين منزهين عن القبائح لأنّه تعالى لا يختار ولا يصطفي إلاّ من كان كذلك ويكون ظاهره مثل باطنه في الطهارة والعصمة فعلى هذا يختص الاصطفاء بمن كان معصوماً من آل إبراهيم وآل عمران سواء كان نبياً أو إماماً)([321]).
[318]ظ: التبيان 2: 441.
[319]مجمع البيان 2: 454.
[320]المصدر نفسه 2: 555.
وما يقارب هذا المعنى من دلالة الآية على العصمة المطلقة لهم عليهم السلام ما ذكره في جوامع الجامع([322]).
ويرى بعد ذلك أنَّ دلالة الآية على الاصطفاء ذات وجهين فيقول: («إحداها» أنَّهُ اصطفاه لنفسه أي جعله خالصاً له يختص به و«الثاني» أنّه اصطفاه على غيره أي اختصّه بالتفضيل على غيره)([323]).
ومن الإمامية من يرى أنّ المائز بين الأنبياء والأئمة عليهم السلام وبين سائر الخلق هي العصمة، فقال: (ومن البداهة بمكان أنّ وجه الاصطفاء، هذا وسببه يكمن في العصمة الذاتية المتواجدة في الأنبياء والأئمة عليهم السلام وبها امتازوا عن الخلق فهم يتمتعون بحصانةٍ تجاه كل أنواع الكفر والشرك والذنوب الكبيرة والصغيرة والخطأ العمدي أو السهوي أو النسيان، لأنّهم يسقطون من مزيّة الاصطفاء الإلهي بمجرّد صدور الذنب عنهم ولأنّ العقل السليم لا يقبل أنَّ يصدق أنّ فرداً يذنب ويعصي الله عزّ وجلّ ويكون مصطفاً ومقرباً إليه)([324]).
وفي كلامه هذا دلالة واضحة على إطلاق العصمة للأنبياء عليهم السلام وتنزيههم عن غيرهم بعدم إمكان صدور مطلق الذنب عنهم عليهم السلام.
وأشار السيد عبد الله شبررحمه الله إلى عصمتهم عليهم السلام من خلال الاصطفاء في الآية المباركة إذ يرى أنّ الله تعالى اصطفاهم (بالنبوة والإمامة والعصمة...)([325]).
[321]ظ: أبو الفضل بن الحسن الطبرسي 1: 169.
[322]مجمع البيان 2: 555.
[323]الاحقاقي ميرزا عبد الرسول الحائري بحث حول الولاية من وحي القرآن 2: 231 تحقيق علي العبسي العاملي، بيروت – لبنان، ط 1، 1413 هـ - 1993 م.
[324]السيد عبد الله شبّر تفسير القرآن الكريم 1: 54.
وهذه واضحة الدلالة على كون المراد في الآية الكريمة هي عصمتهم عليهم السلام إذ كانوا مبرئين من كل عيب ونقص وذنب.
ويرى من هو في إطار البحث الكلامي أنّ معنى الاصطفاء في الآية اختيار وانتخاب للنبوّة والإمامة وما فيها من الخصائص الروحانية والعصمة والكمالات والفضائل، وما يلازمها من الصفات الخيرة الجسمانية والروحية والخلقية ([326]).
ثم يستخلص منها بعد ذلك إيجاب أنَّ يكون الاصطفاء محصوراً بمن كان معصوماً من آل إبراهيم وآل عمران بلا فرق بين كونهم أنبياء أو أئمة.
فمن كانت هذه صفاته كيف يتصوّر أنَّ يكون غافلاً عن ذكر الله مائلاً إلى شهواته أضف إلى ذلك أنّ التسديد الإلهي لأنبيائه ورسله مانعاً باختيار منهم من الاقتراب من كل ذنب وخطيئة مهما كان حجمه ونوعه وهو عين إطلاق العصمة لهم عليهم السلام.
وذهب بعض متكلمي العامة ومفسرّيهم إلى أنّ الآية فيها دلالة على عصمتهم عليهم السلام فمنشأه ذلك الاختيار والاجتباء والاصطفاء لهم، وهذا ما نجده عند الطبري (أبو جعفر مُحَمَّد بن جرير (ت310 هـ)) إذ يروي بسلسلة الإسناد إلى الحسن في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (آل عمران/ 33-34) قال: (فضلهم الله على العالمين بالنبوّة على الناس كلهم كانوا هم الأنبياء الأتقياء المطيعين لربهم)([327]).
[325]ظ: السبزواري الخطيّ (ت 1410 هـ) التفسير الجديد 2: 44–45 دار التعارف للمطبوعات بيروت – لبنان، ط1، ظ: مير سيد علي الحائري مقتنيات الدرر 2: 185، السيد عبد الله شبر، الجوهر الثمين 3: 313.
[326]جامع البيان عن تأويل القرآن 3: 217.
والتفضيل بالنبوة هو من ملازمات العصمة وهذا مما لا خلاف فيه على إطلاقه وإن اختلفوا في تحديد السعة العصمة.
ويستدل الفخر الرازي على عصمتهم بانتفاء صدور الذنب عنهم لدخولهم في صفة (المصطفين) و(الاختيار) المشتملة على جملة الأفعال والتروك)([328]).
ويرى القرطبي أنّ الله اختارهم واشتقهم وجعلهم الصفوة ثم بيّن مراتبهم ذاكراً (فأما مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم فقد جازت مرتبته الاصطفاء لأنّه حبيب ورحمة، قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء/107).
وهذا في غاية المدح والثناء وهو قمة الاصطفاء إذ جعله رحمة لجميع العالمين مع الاستغراق التام لهم فكيف يتصوّر أنَّ يلام أو يُعاتب (صلوات الله عليه)([329]).
وأما البيضاوي (ت791 هـ) فيذهب إلى أنّ منشأ العصمة كذلك في الآية المباركة هو حيازة بعض الخصائص والميزات الداعية الآخر لأتباعهم والإقتداء بهم عليهم السلام فيرى أنّ الله اصطفاهم (بالرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم لما أوجب طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويتبين أنّها الجالبة لمحبّة الله عقب ذلك بيان مناقبهم تحريضاً عليها وبه استدل على فضلهم على الملائكة وآل إبراهيم وآل إسماعيل وإسحاق وأولادهما وقد دخل فيهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وآل عمران...)([330]).
نستفيد من هذا كلّه أنّ الأنبياء عليهم السلام قد اختارهم الله وهذا يعني أنّه تعالى جمعهم لنفسه عن طريق الاصطفاء وما داموا عليهم السلام قد أدرجوا في
[327]عصمة الأنبياء 11.
[328]الجامع لأحكام القرآن 2: 45 – 46.
[329]تفسير البيضاوي 2: 29.
المخلصين والمصطفين فلا سلطان إذن لإبليس عليهم لأنهم أولياء الله وأحباؤه كانوا محفوظين من العوامل جميعها التي تنشأ منها المعصية ويُرتكب بسببها الذنب سواء الخارجية منها أم الداخلية وبذلك تثبت عصمتهم المطلقة لا محالة.
الآية الثالثة
قال تعالى: {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (البقرة / 124).
تدل الآية المباركة على إطلاق العصمة وإن أخذ سياقها القرآني منحى الإمامة باعتبار العهد الذي لا يناله من وسمّ بالظُلمِ، إذ إنّها جاءت بعد مرتبة النبوة المصاحبة للعصمة قطعاً.
وهذا المعنى نجده عند الطبرسيرحمه الله إذ اثبت العصمة لانتفاء توفر أي نوع من أنواع الظلم عند الأنبياء والرسل عليهم السلام، فيرى أنّ سبيل الرشاد وطريق الهداية لابد أنَّ يؤخذ من المعصوم قال: (واستدل أصحابنا بهذه الآية على أنّ الإمام لا يكون إلا معصوماً عن القبائح، لأنّ الله سبحانه نفى أنَّ ينال عهده الذي هو الإمامة ظالم ومن هو ليس بمعصوم)([331]).
ويبدو لنا أنّ مفردة الظالم أو الظالمين تمثل التعدي لحدود الله تعالى سواء كان عن عمد أو سهو وهذا المعنى لا نجده عند المصطفين الأخيار من الأنبياء المرسلين والأئمة عليهم السلام وعليه فلا يمكن أنَّ ينال عهد الله فيجب أنَّ يكون معصوماً.
ولذا يذهب إلى أنّ الخطاب كأنما يقول (أي من كان ظالماً من ذريتك لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة وأن ينال من لا يفعل ظلماً، وهذا يدل على وجوب
[330]مجمع البيان 1: 258.
العصمة للإمام وأنّ مَنْ ليس بمعصوم فقد يكون ظالماً أما لنفسه أو لغيره)([332]).
وذهب السيد هاشم البحرانيرحمه الله إلى دلالة الآية على إثبات العصمة لهم عليهم السلام كما يلاحظ ذلك في طي تفسيره قال: (وقول إبراهيم عليه السلام {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} (إبراهيم/ 40) من حرف تبعيض ليعلم أنّ من الذرّية من يستحق الإمامة ومنهم من لا يستحقها هذا من جملة المسلمين، وذلك يستحيل أنَّ يدعو إبراهيم عليه السلام بالإمامة للكافر أو المسلم الذي ليس بمعصوم، فصح أنّ من باب التبعيض وقع على خواص المؤمنين جملة الخواص الأخص، ثم المعصوم هو الخاص الأخص)([333]).
وإلاّ غير الأنبياء والرسل والأئمة لم يكن هناك من له صفة الخاصية هذه فيكون الإتباع لهم فقط لوجوب عصمتهم.
وبناءً على ضرورة الهداية والإرشاد والقيادة أنَّ تكون بيد المعصوم يرى السيد عبد الله شبر أنّ السفيه لا يكون إمام التقيّ فيستنتج أنّ الآية (دلت على وجوب عصمة النبيّ والإمام لصدق الظالم على العاصي سواء فسر بانتقاص الحق أو وضع الشيء في غير موقعه)([334]).
وعنى السيد الطباطبائيرحمه الله بضرورة أنَّ يكون الهادي للحق معصوماً في نفسه إذ قال: (ثم أنّ هذا المعنى – أعني الإمامة – على شرافته وعظمته لا يقوم الا بمن كان سيد الذات بنفسه إذ الذي ربما يتلبس بالظلم والشقاء، فإنما سعادته
[331]الطبرسي، جوامع الجامع 1: 77.
[332]البرهان في تفسير القرآن 1: 538، ظ: شبر، الجوهر الثمين 1: 142، الشيخ محمد بن محمد رضا الهندي، كنز الدقائق 2: 136، محمد جواد مغنية، الكاشف 1: 196.
[333]تفسير شبر 1: 18.