وهذه واضحة الدلالة على كون المراد في الآية الكريمة هي عصمتهم عليهم السلام إذ كانوا مبرئين من كل عيب ونقص وذنب.
ويرى من هو في إطار البحث الكلامي أنّ معنى الاصطفاء في الآية اختيار وانتخاب للنبوّة والإمامة وما فيها من الخصائص الروحانية والعصمة والكمالات والفضائل، وما يلازمها من الصفات الخيرة الجسمانية والروحية والخلقية ([326]).
ثم يستخلص منها بعد ذلك إيجاب أنَّ يكون الاصطفاء محصوراً بمن كان معصوماً من آل إبراهيم وآل عمران بلا فرق بين كونهم أنبياء أو أئمة.
فمن كانت هذه صفاته كيف يتصوّر أنَّ يكون غافلاً عن ذكر الله مائلاً إلى شهواته أضف إلى ذلك أنّ التسديد الإلهي لأنبيائه ورسله مانعاً باختيار منهم من الاقتراب من كل ذنب وخطيئة مهما كان حجمه ونوعه وهو عين إطلاق العصمة لهم عليهم السلام.
وذهب بعض متكلمي العامة ومفسرّيهم إلى أنّ الآية فيها دلالة على عصمتهم عليهم السلام فمنشأه ذلك الاختيار والاجتباء والاصطفاء لهم، وهذا ما نجده عند الطبري (أبو جعفر مُحَمَّد بن جرير (ت310 هـ)) إذ يروي بسلسلة الإسناد إلى الحسن في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (آل عمران/ 33-34) قال: (فضلهم الله على العالمين بالنبوّة على الناس كلهم كانوا هم الأنبياء الأتقياء المطيعين لربهم)([327]).
[325]ظ: السبزواري الخطيّ (ت 1410 هـ) التفسير الجديد 2: 44–45 دار التعارف للمطبوعات بيروت – لبنان، ط1، ظ: مير سيد علي الحائري مقتنيات الدرر 2: 185، السيد عبد الله شبر، الجوهر الثمين 3: 313.
[326]جامع البيان عن تأويل القرآن 3: 217.
والتفضيل بالنبوة هو من ملازمات العصمة وهذا مما لا خلاف فيه على إطلاقه وإن اختلفوا في تحديد السعة العصمة.
ويستدل الفخر الرازي على عصمتهم بانتفاء صدور الذنب عنهم لدخولهم في صفة (المصطفين) و(الاختيار) المشتملة على جملة الأفعال والتروك)([328]).
ويرى القرطبي أنّ الله اختارهم واشتقهم وجعلهم الصفوة ثم بيّن مراتبهم ذاكراً (فأما مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم فقد جازت مرتبته الاصطفاء لأنّه حبيب ورحمة، قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء/107).
وهذا في غاية المدح والثناء وهو قمة الاصطفاء إذ جعله رحمة لجميع العالمين مع الاستغراق التام لهم فكيف يتصوّر أنَّ يلام أو يُعاتب (صلوات الله عليه)([329]).
وأما البيضاوي (ت791 هـ) فيذهب إلى أنّ منشأ العصمة كذلك في الآية المباركة هو حيازة بعض الخصائص والميزات الداعية الآخر لأتباعهم والإقتداء بهم عليهم السلام فيرى أنّ الله اصطفاهم (بالرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم لما أوجب طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويتبين أنّها الجالبة لمحبّة الله عقب ذلك بيان مناقبهم تحريضاً عليها وبه استدل على فضلهم على الملائكة وآل إبراهيم وآل إسماعيل وإسحاق وأولادهما وقد دخل فيهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وآل عمران...)([330]).
نستفيد من هذا كلّه أنّ الأنبياء عليهم السلام قد اختارهم الله وهذا يعني أنّه تعالى جمعهم لنفسه عن طريق الاصطفاء وما داموا عليهم السلام قد أدرجوا في
[327]عصمة الأنبياء 11.
[328]الجامع لأحكام القرآن 2: 45 – 46.
[329]تفسير البيضاوي 2: 29.
المخلصين والمصطفين فلا سلطان إذن لإبليس عليهم لأنهم أولياء الله وأحباؤه كانوا محفوظين من العوامل جميعها التي تنشأ منها المعصية ويُرتكب بسببها الذنب سواء الخارجية منها أم الداخلية وبذلك تثبت عصمتهم المطلقة لا محالة.
الآية الثالثة
قال تعالى: {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (البقرة / 124).
تدل الآية المباركة على إطلاق العصمة وإن أخذ سياقها القرآني منحى الإمامة باعتبار العهد الذي لا يناله من وسمّ بالظُلمِ، إذ إنّها جاءت بعد مرتبة النبوة المصاحبة للعصمة قطعاً.
وهذا المعنى نجده عند الطبرسيرحمه الله إذ اثبت العصمة لانتفاء توفر أي نوع من أنواع الظلم عند الأنبياء والرسل عليهم السلام، فيرى أنّ سبيل الرشاد وطريق الهداية لابد أنَّ يؤخذ من المعصوم قال: (واستدل أصحابنا بهذه الآية على أنّ الإمام لا يكون إلا معصوماً عن القبائح، لأنّ الله سبحانه نفى أنَّ ينال عهده الذي هو الإمامة ظالم ومن هو ليس بمعصوم)([331]).
ويبدو لنا أنّ مفردة الظالم أو الظالمين تمثل التعدي لحدود الله تعالى سواء كان عن عمد أو سهو وهذا المعنى لا نجده عند المصطفين الأخيار من الأنبياء المرسلين والأئمة عليهم السلام وعليه فلا يمكن أنَّ ينال عهد الله فيجب أنَّ يكون معصوماً.
ولذا يذهب إلى أنّ الخطاب كأنما يقول (أي من كان ظالماً من ذريتك لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة وأن ينال من لا يفعل ظلماً، وهذا يدل على وجوب
[330]مجمع البيان 1: 258.
العصمة للإمام وأنّ مَنْ ليس بمعصوم فقد يكون ظالماً أما لنفسه أو لغيره)([332]).
وذهب السيد هاشم البحرانيرحمه الله إلى دلالة الآية على إثبات العصمة لهم عليهم السلام كما يلاحظ ذلك في طي تفسيره قال: (وقول إبراهيم عليه السلام {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} (إبراهيم/ 40) من حرف تبعيض ليعلم أنّ من الذرّية من يستحق الإمامة ومنهم من لا يستحقها هذا من جملة المسلمين، وذلك يستحيل أنَّ يدعو إبراهيم عليه السلام بالإمامة للكافر أو المسلم الذي ليس بمعصوم، فصح أنّ من باب التبعيض وقع على خواص المؤمنين جملة الخواص الأخص، ثم المعصوم هو الخاص الأخص)([333]).
وإلاّ غير الأنبياء والرسل والأئمة لم يكن هناك من له صفة الخاصية هذه فيكون الإتباع لهم فقط لوجوب عصمتهم.
وبناءً على ضرورة الهداية والإرشاد والقيادة أنَّ تكون بيد المعصوم يرى السيد عبد الله شبر أنّ السفيه لا يكون إمام التقيّ فيستنتج أنّ الآية (دلت على وجوب عصمة النبيّ والإمام لصدق الظالم على العاصي سواء فسر بانتقاص الحق أو وضع الشيء في غير موقعه)([334]).
وعنى السيد الطباطبائيرحمه الله بضرورة أنَّ يكون الهادي للحق معصوماً في نفسه إذ قال: (ثم أنّ هذا المعنى – أعني الإمامة – على شرافته وعظمته لا يقوم الا بمن كان سيد الذات بنفسه إذ الذي ربما يتلبس بالظلم والشقاء، فإنما سعادته
[331]الطبرسي، جوامع الجامع 1: 77.
[332]البرهان في تفسير القرآن 1: 538، ظ: شبر، الجوهر الثمين 1: 142، الشيخ محمد بن محمد رضا الهندي، كنز الدقائق 2: 136، محمد جواد مغنية، الكاشف 1: 196.
[333]تفسير شبر 1: 18.
بداية من غيره وقد قال تعالى: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (يونس / 35).
وقد قوبل في هذه الآية بين الهادي إلى الحق وبين غير المهتدي إلا بغيره أعني المهتدي بغيره وهذه المقابلة تقتضي أنَّ يكون الهادي إلى الحق مهتدياً بنفسه وان المهتدي بغيره لا يكون هادياً إلى الحق([335]).
هذا ما ذهب إليه الإمامية في معالجة هذه الآية المباركة إذ اثبتوا أنّ الإمام (المعصوم) لا يمكن أنَّ يكون مخطئاً أصلاً، وإلاّ لكان ظلماً في ذلك المصداق بالذات، فيشمله أنّه من الظالمين، فلا يمكن أنَّ ينال عهد الله تعالى فيجب أنَّ يكون معصوماً، فإذا كان الإمام كذلك فالنبيّ أو الرسول يكون من باب أولى مصداق لذلك لأنّه حاز ملاكات القيادة والهداية بما حوته النبوة من خصائص أسماها مرتبة هي العصمة التي جاءت متقدمة رتبة وزمناً على الإمامة، فالظالم سيكون في جهة مغايرة لجهة الأنبياء والرسل والأئمة ومعه لا يمكن أنَّ يكونا في مصداق واحد جزماً ومنه نستشف أنّ الأنبياء عليهم السلام معصومون مطهرّون من كل عيب مهما كان حجمه.
وأما مذهب العامة في التعامل مع هذه الآية المباركة في إثبات عصمة الأنبياء عليهم السلام فما يراه الزمخشري (ت538) من أنَّ هذا المنصب مختص بمن خوطب به أي الأصفياء ممن اختارهم لرسالته وهم الأنبياء والرسل عليهم السلام والظالم بعيد عن هذا الاستخلاف قال: (من كان ظالماً من ذريتك لا يناله استخلافي وعهدي له بالإمامة وإنما ننال من كان عادلاً بريئاً من الظلم)([336]).
[334]ظ: الطباطبائي الميزان 1: 273.
[335]الكشاف 1: 211.
ويمكن أنَّ نضيف أنّ الاستخلاف والعهد ملازم للهداية التي هي سنة إلهية أعطيت للأنبياء عليهم السلام لما امتازوا به عن غيرهم، فبالاستخلاف والهداية يكون هناك نوع من الاقتران بين وضيفة النبوة ووظيفة الإمامة وهما داخلان في إطار نظام التكوين الذي سنّهُ الله تعالى لهداية خلقة.
وأول دليل على ذلك ما ذكره الفخر الرازي، إذ قال: (الآية تدل على عصمة الأنبياء عليهم السلام من وجهين: «الأول» أنَّهُ قد ثبت أنَّ المراد من هذا العهد (الإمامة) ولا ريب أنّ كل نبيّ إمام فالإمام هو الذي يؤتم به والنبيّ أولى بالناس، وإذا دلت الآية على أنّ الإمام لا يكون فاسقاً وفاعلاً للذنب والمعصية فالنبي أولى، «الثاني»: ((قال: (({لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (البقرة/124) فهذا العهد إن كان هو النبوة، وجب أنَّ تكون لا ينالها أحد من الظالمين، وأن كان هو الإمامة فكذلك لأنّ كل نبي لابد وأن يكون إماماً يؤتم به، وكل فاسق ظالم لنفسه، توجب أنَّ لا تحصل النبوّة لأحد من الفاسقين))([337]).
واستدل كذلك على عصمة الأنبياء بهذه الآية باعتبار العهد سواء كان عهد النبوة أو الإمامة فهو يراه عهد النبوة أظهر في المقصود من العهد لأنّ عنده عهد الإمامة أقل درجة من عهد النبوّة([338]).
وهذا بخلاف ما تراه الإمامية من أنّ الإمامة امتداد طبيعي للنبوّة ولا يوجد هناك تعارضٌ بينهما من جهة الهداية أو غيرها إلاّ في مسألة الوحي وما يترتب عليه.
ويبدو أنّ قوله ((عهد الإمامة أقل درجة من عهد النبوّة)) فيه نوع تحفّظ وإن كان أصل الاستدلال صحيحاً، بناءً على أنّ المراد بالظالمين ما يشمل الظالم
[336]مفاتيح الغيب 4: 40.
[337]عصمة الأنبياء : 14.
لنفسه، وإلا لما احتاج مرتكب الصغيرة إلى التوبة لتغفر له، ولما تحوّلت إلى كبيرة بعد التوبة عنها والإصرار على العودة إليها، إلاّ أنَّ بعض الروايات فسرّت الظلم هنا بعبادة الأصنام([339]) وربما لا تنافي بين هذا التفسير وعموم اللفظ بناءً على أنّ ذلك التفسير من باب التطبيق لا الحصر.
الآية الرابعة
قال تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء/59).
في الآية المباركة دلالة واضحة على عصمة الأنبياء ونفي إمكان الخطأ الذي يستتبع لوماً وعتاباً في حقهم عليهم السلام – من اشتمالها على مسائل أخرى ضبطها أصحاب التفسير فيما يتعلق بأولي الأمر وسعة شمولها لهم عليهم السلام، والغرض الذي تتوخاه منها هو إثباتها لعصمة الأنبياء عليهم السلام من جهة الإطاعة الواجبة التي قرنها الله سبحانه وتعالى للأنبياء عليهم السلام وأولي الأمر بطاعته جل ذكره لثبوت عصمتهم عليهم السلام.
قال الطوسيرحمه الله: (ولا يجوز أنَّ يوجب الله طاعة أحد مطلقاً إلاّ من كان معصوماً مأموناً من السهو والغلط، وليس ذلك بحاصل في الأمراء ولا في العلماء)([340]).
وما يقارب من هذا اللفظ والمعنى ما نجده عند الطبرسيرحمه الله إذ ذكر: (ولا يجوز أنّ يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلاّ من ثبتت عصمته وعلم أنَّ باطنه لظاهره وأمن منه الغلط والأمر بالقبيح)([341]).
[338]ظ: الكليني: أصول الكافي 1: 175.
[339]التبيان 3: 237.
[340]مجمع البيان 3: 83.
ويستفيد السيد الطباطبائيرحمه الله من إطلاق الآية دليلاً على عصمتهم عليهم السلام، إذ قال: (على أنّ الآية جمع فيها بين الرسول وأُولي الأمر، وذكر لها معاً طاعةً واحدة فقال: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء/59) وما يجوز على الرسول أنَّ يأمر بمعصية أو بغلط في حكم، فلو جاز في شيء من ذلك على أُولي الأمر لم يسع إلاّ أنَّ يذكر القيد الوارد عليهم فلا مناص من أخذ الآية مطلقة من غير تقيد ولازمه اعتبار العصمة في جانب أُولي الأمر كما اعتبر في جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير فرق)([342]).
وعند التدبر بكلمات أعلام التفسير من غير المدرسة الإمامية نجد أنّ العصمة هي السمة الغالبة لمن قرن الله طاعتهم بطاعته ولسان الفخر الرازي في إثبات عصمة الأنبياء عليهم السلام من إذ كونهم في مقدمة أولي الأمر المذكورين في الآية المباركة خير شاهد على ذلك إذ ذكروا الدليل على ذلك أنّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابد أنَّ يكون معصوماً عن الخطأ إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ فهي عنه فهذا يقضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد وأنه محال، فثبت أنَّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أنَّ يكون معصوماً عن الخطأ فثبت قطعاً أنّ ولي الأمر المذكور في الآية لابد وأن يكون معصوماً)([343]).
[341]الميزان 4: 391.
[342]مفاتيح الغيب 10: 116، ظ: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 3: 181 – 182.