ومن يطع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقد أطاع الله تعالى، ثم أنّه من تجب له الطاعة المطلقة يجب أنَّ يكون معصوماً بالعصمة المطلقة ومن ثم فمن غير المعقول أنَّ يكون المراد بأُولي الأمر في الآية الكريمة حكام العدل غير المعصومين، فضلاً عن حكّام الجور والظلم، فإنّ حكام العدل غير المعصومين إنّما تجب طاعتهم في حدود معينّة لا مطلقاً كما هو معلوم، ومن ذلك نستنتج أنّ المراد من أُولي الأمر في الآية المباركة هو خصوص الأئمة المعصومين من أهل البيت عليهم السلام وثبوتها للأنبياء عليهم السلام يكون من باب أولى لأنّهم مصداق حي لهذه الآية المباركة.
الآية الخامسة
قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} (النساء / 113).
هذه الآية الكريمة كذلك تدل على عصمة الأنبياء مع أبعاد ممن يريد أنَّ يلحق الضرر بهم لما زودوا به من الله من امكانات علمية خاصة جعلتهم عليهم السلام في حصانة تامة من الضلال، فضرب لهم النّبي صلى الله عليه وآله وسلم مثلاً.
فالمنشأ الرئيس لعصمتهم عليهم السلام هو العلم الذي زودوا به.
يستفيد الطبرسي من عصمة الأنبياء عليهم السلام في هذه الآية المباركة من جهة رعاية الله للنبي وألطافه به إذ قال: (ثم بين سبحانه لطفه برسوله وفضله عليه إذ صرف كيدهم عنه وعصمه من الميل اليهم)([344]).
[343]مجمع البيان 3: 137.
أما المجلسيرحمه الله فيرى أنّ الفضل هو النبوّة وأنّ الرحمة هي العصمة فقال: (أي لولا أنّ الله خصّك بالفضل وهو النبوّة وبالرحمة وهي العصمة)([345]) ثم أنَّهُ يثبت العصمة من خلال تفسيره لقوله تعالى: {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ} (النساء/113) قال: (فيه وجهان أحدهما ما يضرونك من شيء في المستقبل فوعده الله تعالى في هذه الآية إدامة العصمة لما يريدون من إيقاعه بالباطل)([346]).
ويرى الطباطبائي رحمه الله أنّ (ظاهر الآية الذي تحقق به العصمة نوع من العلم يمتع صاحبه عن التلبس بالمعصية والخطأ)([347])، ثم يقول: إشارة على موهبة العلم الذي عبر عنه بالعصمة (إنّ هذه الموهبة الإلهية التي نسمّيها قوّة العصمة نوع من القوى الشعورية البتّة، بل هي الغالبة القاهرة عليها المستخدمة إياها، ولذلك كانت تصون صاحبها من الضلال والخطيئة مطلقاً)([348]).
وذهب أتباع المدارس الأخرى إلى ما ذهبت إليه الإمامية من إثبات العصمة من خلال دلالة الآية المباركة.
ومنهم من قرأ: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ} (النساء/113) (أي عصمته وألطافه)([349]).
فجعل الفضل الذي مَنَّ الله به على نبيّه هو العصمة، وهكذا الحال عند
[344]بحار الأنوار 17: 39.
[345]المصدر نفسه 17 39.
[346]الميزان 5: 78.
[347]المصدر نفسه 5: 80.
[348]ظ: الكشاف 1: 597، ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 1: 555 البيضاوي، تفسير البيضاوي 2: 254.
القرطبي إذ أفاد الاستدلال على عصمة الأنبياء بعد أنَّ استند في ذلك إلى أحد الأقوال فقال: (والمعنى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} (النساء/113) بأن ينبهّك على الحق وقيل بالنبوّة والعصمة)([350]).
الآية السادسة
قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} (النساء / 64).
هذه من الآيات المباركات التي استدل بها علماء التفسير وعلماء الكلام على عصمة الأنبياء عليهم السلام ونزاهتهم.
قال الطبرسيرحمه الله (ثم لامهم سبحانه على ردّهم أمره وذكر أنّ غرضه من البعثة الطاعة، فقال {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ} (إبراهيم/4) أي لم نرسل رسولاً من رسلنا {إِلاَّ لِيُطَاعَ} (النساء/64) عني به أنّ الغرض من الإرسال أنَّ يطاع الرسول ويتمثّل بما يأمر به ثم أنّه يرى قوله تعالى {بِإِذْنِ اللَّهِ} (النساء/64) أي بأمر الله الذي دل على وجوب طاعتهم([351]).
قال العلامة الطباطبائيرحمه الله: (ومما يدل على عصمتهم عليهم السلام قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} (النساء/ 64) إذ جعل كون الرسول مطاعاً غاية الإرسال، وقصر العناية فيه، وذلك يستدعي بالملازمة البيّنة تعلق إرادته تعالى بكل ما يطاع فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو قوله أو فعله؛ لأنّ كل منهما وسيلة معمولة متداولة في التبليغ، فلو تحقق من الرسول خطأ في فهم الوحي أو في التبليغ كان ذلك إرادة منه تعالى للباطل والله
[349]الجامع لأحكام القرآن 3: 262.
[350]مجمع البيان 3: 87.
سبحانه لا يريد إلا الحق)([352]).
أما الرازي فنجده يؤكد هذا المعنى باستدلال واضح لعصمة الأنبياء عليهم السلام إذ كتب (الآية دالة على أنّ الأنبياء عليهم السلام معصومون عن المعاصي والذنوب لأنّها دلّت على وجوب طاعتهم مطلقاً، فلو أتوا بمعصيةٍ لوجب علينا الاقتداء بهم في تلك المعصية واجبة علينا، وكونها معصية يوجب كونها محرّمة علينا، فيلزم توارد الإيجاب والتحريم على الشيء الواحد وأنه محال)([353]).
الآية السابعة
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة/119).
استدل كل من ابن شهر اشوب رحمه الله (ت853) من علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام والفخر الرازي على عصمة من اتصف بالصدق في الآية.
قال ابن شهر اشوب رحمه الله قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة/119) (فأمرنا سبحانه بالكون مع الصادقين، والأمر بالكون معهم في المكان لا فائدة فيه، فتقتضي الآية وجوب الاقتداء بهم، لأنه أمر مطلق من غير تخصيص، وذلك يقتضي عصمتهم، لقبح الأمر على هذا الوجه بإتباع من لا يؤمن منه القبيح، من إذ يؤدي ذلك إلى الأمر بالقبح وإذا ثبت ذلك في الآية ثبت تخصيصها بالأئمة المعصومين)([354]).
[351]الميزان 2: 137.
[352]مفاتيح الغيب 10: 129.
[353]ظ: القاضي عبد الجبّار: متشابه القرآن 2: 49،تحقيق، عدنان محمّد زرزور، دار التراث، القاهرة.
وهذا الكلام في العصمة يمكن تعديه إلى جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام لكونهم من أجلى مصاديق الصادقين هذا بالإضافة إلى إطلاق الآية الشامل لهم.
وأما الفخر الرزاي فيرى (أمر لهم بالتقوى وهذا الأمر انما يتناول من يصح منه أنَّ لا يكون متقياً، وإنما يكون كذلك لو كان جائز الخطأ، فكانت الآية دالة على أنَّ من كان جائز الخطأ وجب كونه مقتدياً بمن كان واجب العصمة وهم الذي حكم الله بكونهم صادقين)([355]).
وبعد تقصيّ هذه الآيات المباركات الدالة على عصمة الأنبياء عليهم السلام نجد أنَّ دلالاتها تقتضي أنَّ الأنبياء عليهم السلام مصطفون لله، مختارون له تعالى خيرّون ومن الضرورة إن ذلك ينافي صدور العصيان عنهم سهواً مع أنَّ الآيات تصرح بلزوم متابعتهم والاقتداء بهم والاقتباس من أنوارهم ووجوب التأسي بهم كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب/21).
ولو صدرت المعصية عنهم ولو سهواً لما جاز الاقتداء والتأسي بهم، مع أنَّ صدورها عنهم ولو في بعض الأحيان يوجب تنفر الناس منهم فلا يطمأن إلى قولهم وفعلهم وهذا ينافي الغرض الأقصى من بعثتهم.
ثانياً: أدلة العصمة من السنّة المطهرة
وردت في أحاديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام، طائفة كبيرة من النصوص التي تدل دلالة صريحة على عصمة
[354]مفاتيح الغيب 16: 175 – 176.
الأنبياء والأئمة عليهم السلام مع استبعاد أنَّ يصدر أي لون من ألوان اللوم والعتاب بحقهم عليهم السلام اعتمدنا نماذج منها بحسب ما تستوعبه الدراسة.
الدليل الأول
ما رواه سليم بن قيس الهلالي (ت76 هـ) عن الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ حذّر من ثلاثة رجال وأخذ يصفهم إلى أنَّ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ورجل أتاه الله عزّ وجلّ سلطاناً فزعم أنّ طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، وكذب لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لا طاعة لمن عصى، إنّما الطاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر الذين قرنهم الله بنفسه ونبيّه فقال: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء / 59).
لأنّ الله إنّما أمر بطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنّه معصوم مطهرّ لا يأمر بمعصية الله وإنّما أمر بطاعة أولي الأمر لأنّهم معصومون مطهرّون لا يأمرون بمعصية))([356]).
وفي هذا دلالة واضحة على ضرورة كون الرسول أو النَّبي والإمام معصوماً كي تجب طاعته ومتابعته لأنّه الهادي إلى الحق.
الدليل الثاني
في طهارة الأنبياء عليهم السلام وعصمتهم، ما يروى عن أبي ذر الغفاريرحمه الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
[355]ظ: كتاب سليم بن قيس 406، تحقيق محمد باقر الأنصاري، مطبعة نـﮕـارش، ط 2، قم 1424 هـ.
((خلقت أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد، نسبّح الله تعالى عند العرش قبل أنَّ يخلق آدم بألفي عام، فلمّا أنَّ خلق الله آدم عليه السلام جعل ذلك النور في صلبه، فلم يزل ينقلنا الله عزّ وجلّ من أصلاب طاهرة إلى أرحام مطهرة حتى انتهى إلى عبد المطلب فقسمنا نصفين، فجعلني في صلب عبد الله وجعل عليّاً في صلب أبي طالب))([357]).
وهذه الرواية، وإن لم يرد فيها لفظ العصمة صراحة، لكن متنها كافٍ في الدلالة على العصمة للأنبياء والأئمة عليهم السلام وعلى طهارتهم وليس أدل على عصمتهم من أنَّ يطهرّهم الله من كل رجس ويبعد عنهم كل ذنب ومعصية.
الدليل الثالث
وفيه دلالة واضحة على عصمة الأنبياء عليهم السلام مع ما تحويه من ذكر القضايا الواردة في القرآن الكريم التي اعتبرها بعضهم موهمة بصدور القضايا منهم مع جملة الإشكالات والجواب عنها.
أبو الصلت الهروي قال: لمّا جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا عليه السلام أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئيين وسائر أهل المقالات فلم يقم أحد إلاّ وألزمه حجته كأنّه قد ألقم حجراً، فقام إليه علي بن مُحَمَّد بن الجهم، فقال له: يا ابن رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء؟ قال: بلى، قال: فما تعمل في قول الله عزّ وجلّ {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} (طه / 121)، وقوله عزّ وجلّ: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} (الأنبياء / 87)، وقوله في يوسف {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} (يوسف / 24) وقوله
[356]ظ: هاشم البحراني، البرهان في تفسير القرآن 2: 192.
عزّ وجلّ في داود {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} (ص / 24).
وقوله في نبيه مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} (الأحزاب / 37).
فقال مولانا الرضا عليه السلام: ويحك يا عليّ، اتق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ولا تأول كتاب الله برأيك، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} (آل عمران / 7).
وأما قوله عزّ وجلّ في آدم عليه السلام: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} (طه/ 121) فأن الله عزّ وجلّ خلق آدم حجة في أرضه وخليفته في بلاده ولم يخلق للجنّة، وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض لتتم مقادير أمر الله عزّ وجلّ فلما أهبط إلى الأرض وجعل حجته وخليفته عصم بقوله عزّ وجلّ {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} (آل عمران / 33).
وأما قوله عزّ وجلّ: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} (الأنبياء/87) إنما ظنّ أنّ الله عزّ وجلّ لا يضيق عليه رزقه ألا تسمع قول الله عزّ وجلّ {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} (الفجر / 16)، أي ضيق عليه ولو ظنّ أنّ الله لا يقدر عليه لكان قد كفر.
وأما قوله عزّ وجلّ في يوسف {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} (يوسف/24) فإنّها همّت بالمعصية وهم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما داخله، فصرف الله عنه قتلها والفاحشة وهو قوله {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ} (يوسف / 24) يعني القتل {وَالْفَحْشَاءَ} (يوسف/24).
وأما داود فما يقول مَنْ قبلكم فيه؟ فقال علي بن الجهم: يقولون: إنّ داود