وهذا الكلام في العصمة يمكن تعديه إلى جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام لكونهم من أجلى مصاديق الصادقين هذا بالإضافة إلى إطلاق الآية الشامل لهم.
وأما الفخر الرزاي فيرى (أمر لهم بالتقوى وهذا الأمر انما يتناول من يصح منه أنَّ لا يكون متقياً، وإنما يكون كذلك لو كان جائز الخطأ، فكانت الآية دالة على أنَّ من كان جائز الخطأ وجب كونه مقتدياً بمن كان واجب العصمة وهم الذي حكم الله بكونهم صادقين)([355]).
وبعد تقصيّ هذه الآيات المباركات الدالة على عصمة الأنبياء عليهم السلام نجد أنَّ دلالاتها تقتضي أنَّ الأنبياء عليهم السلام مصطفون لله، مختارون له تعالى خيرّون ومن الضرورة إن ذلك ينافي صدور العصيان عنهم سهواً مع أنَّ الآيات تصرح بلزوم متابعتهم والاقتداء بهم والاقتباس من أنوارهم ووجوب التأسي بهم كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب/21).
ولو صدرت المعصية عنهم ولو سهواً لما جاز الاقتداء والتأسي بهم، مع أنَّ صدورها عنهم ولو في بعض الأحيان يوجب تنفر الناس منهم فلا يطمأن إلى قولهم وفعلهم وهذا ينافي الغرض الأقصى من بعثتهم.
ثانياً: أدلة العصمة من السنّة المطهرة
وردت في أحاديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام، طائفة كبيرة من النصوص التي تدل دلالة صريحة على عصمة
[354]مفاتيح الغيب 16: 175 – 176.
الأنبياء والأئمة عليهم السلام مع استبعاد أنَّ يصدر أي لون من ألوان اللوم والعتاب بحقهم عليهم السلام اعتمدنا نماذج منها بحسب ما تستوعبه الدراسة.
الدليل الأول
ما رواه سليم بن قيس الهلالي (ت76 هـ) عن الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ حذّر من ثلاثة رجال وأخذ يصفهم إلى أنَّ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ورجل أتاه الله عزّ وجلّ سلطاناً فزعم أنّ طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، وكذب لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لا طاعة لمن عصى، إنّما الطاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر الذين قرنهم الله بنفسه ونبيّه فقال: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء / 59).
لأنّ الله إنّما أمر بطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنّه معصوم مطهرّ لا يأمر بمعصية الله وإنّما أمر بطاعة أولي الأمر لأنّهم معصومون مطهرّون لا يأمرون بمعصية))([356]).
وفي هذا دلالة واضحة على ضرورة كون الرسول أو النَّبي والإمام معصوماً كي تجب طاعته ومتابعته لأنّه الهادي إلى الحق.
الدليل الثاني
في طهارة الأنبياء عليهم السلام وعصمتهم، ما يروى عن أبي ذر الغفاريرحمه الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
[355]ظ: كتاب سليم بن قيس 406، تحقيق محمد باقر الأنصاري، مطبعة نـﮕـارش، ط 2، قم 1424 هـ.
((خلقت أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد، نسبّح الله تعالى عند العرش قبل أنَّ يخلق آدم بألفي عام، فلمّا أنَّ خلق الله آدم عليه السلام جعل ذلك النور في صلبه، فلم يزل ينقلنا الله عزّ وجلّ من أصلاب طاهرة إلى أرحام مطهرة حتى انتهى إلى عبد المطلب فقسمنا نصفين، فجعلني في صلب عبد الله وجعل عليّاً في صلب أبي طالب))([357]).
وهذه الرواية، وإن لم يرد فيها لفظ العصمة صراحة، لكن متنها كافٍ في الدلالة على العصمة للأنبياء والأئمة عليهم السلام وعلى طهارتهم وليس أدل على عصمتهم من أنَّ يطهرّهم الله من كل رجس ويبعد عنهم كل ذنب ومعصية.
الدليل الثالث
وفيه دلالة واضحة على عصمة الأنبياء عليهم السلام مع ما تحويه من ذكر القضايا الواردة في القرآن الكريم التي اعتبرها بعضهم موهمة بصدور القضايا منهم مع جملة الإشكالات والجواب عنها.
أبو الصلت الهروي قال: لمّا جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا عليه السلام أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئيين وسائر أهل المقالات فلم يقم أحد إلاّ وألزمه حجته كأنّه قد ألقم حجراً، فقام إليه علي بن مُحَمَّد بن الجهم، فقال له: يا ابن رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء؟ قال: بلى، قال: فما تعمل في قول الله عزّ وجلّ {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} (طه / 121)، وقوله عزّ وجلّ: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} (الأنبياء / 87)، وقوله في يوسف {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} (يوسف / 24) وقوله
[356]ظ: هاشم البحراني، البرهان في تفسير القرآن 2: 192.
عزّ وجلّ في داود {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} (ص / 24).
وقوله في نبيه مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} (الأحزاب / 37).
فقال مولانا الرضا عليه السلام: ويحك يا عليّ، اتق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ولا تأول كتاب الله برأيك، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} (آل عمران / 7).
وأما قوله عزّ وجلّ في آدم عليه السلام: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} (طه/ 121) فأن الله عزّ وجلّ خلق آدم حجة في أرضه وخليفته في بلاده ولم يخلق للجنّة، وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض لتتم مقادير أمر الله عزّ وجلّ فلما أهبط إلى الأرض وجعل حجته وخليفته عصم بقوله عزّ وجلّ {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} (آل عمران / 33).
وأما قوله عزّ وجلّ: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} (الأنبياء/87) إنما ظنّ أنّ الله عزّ وجلّ لا يضيق عليه رزقه ألا تسمع قول الله عزّ وجلّ {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} (الفجر / 16)، أي ضيق عليه ولو ظنّ أنّ الله لا يقدر عليه لكان قد كفر.
وأما قوله عزّ وجلّ في يوسف {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} (يوسف/24) فإنّها همّت بالمعصية وهم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما داخله، فصرف الله عنه قتلها والفاحشة وهو قوله {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ} (يوسف / 24) يعني القتل {وَالْفَحْشَاءَ} (يوسف/24).
وأما داود فما يقول مَنْ قبلكم فيه؟ فقال علي بن الجهم: يقولون: إنّ داود
كان في محرابه يصلّي إذ تصوّر له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور، فقطع صلاته وقام ليأخذ الطير، فخرج الطير إلى الدار فخرج في أثره، فطار الطير إلى السطح فصعد في طلبه، فسقط الطير في دار أوريا بن حنان، فاطلّع داود في أثر الطير فإذا بإمرأة اوريا تغتسل، فلّما نظر إليها هويها، وكان قد أخرج أوريا في بعض غزواته فكتب إلى صاحبه أنَّ قدّمه في أمام الحرب، فقدّم فظفر أوريا بالمشركين، فصعب ذلك على داود، فكتب ثانية أنَّ قدّمه أمام الحرب فقدّم فقتل أوريا فتزوّج داود بامرأته.
فضرب الرضا عليه السلام بيده على جبينه وقال: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة/156) لقد نسبتم نبيّاً من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته حتى خرج في أثر الطير ثم بالفاحشة ثم بالقتل، فقال يا ابن رسول الله فما كانت خطيئته؟ فقال عليه السلام: ويحك إنّ داود عليه السلام إنّما ظنّ أنّ ما خلق الله خلقاً هو أعلم منه فبعث الله عزّ وجلّ إليه الملكين فتسورا المحراب فقالا: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} (ص 22-23) فجعل داود عليه السلام على المدعي عليه فقال: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} (ص / 26) فلم يسأل المدعيّ البينة على ذلك، ولم يقبل على المدعي عليه، فيقول: ما تقول؟ فكان هذا خطيئة حكمه، لا ما ذهبتم إليه، إلاّ تسمع قول الله عزّ وجلّ {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (ص / 26).
فقال ابن الجهم: يا ابن رسول الله فما قصته مع أوريا؟ فقال الرضا عليه
السلام أنَّ المرأة في أيام داود عليه السلام كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج أبداً، وأول من أباح الله عزّ وجلّ له أنَّ يتزوج بامرأة قتل بعلها داود عليه السلام فذلك الذي شق على الناس من قبل اوريا.
وأما مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وقول الله عزّ وجلّ له {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} (الأحزاب/37) فإنّ الله عرّف نبيّه أسماء أزواجه في دار الدنيا وأسماء أزواجه في الآخرة وأنّهن أمهات المؤمنين، وكانت إحداهن زينب بنت جحش وهي يومئذٍ تحت زيد بن حارثة فأخفى صلى الله عليه وآله وسلم في نفسه، ولم يبده لكي لا يقول أحد من المنافقين إنّه قال في امرأةٍ في بيت رجل أنها إحدى أزواجه من أمهات المؤمنين، وخشي قول المنافقين، فقال الله عزّ وجلّ {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} (الأحزاب/37) يعني في نفسك وأنّ الله عزّ وجلّ ما تولّى تزويج أحد من خلقه إلاّ تزويج حواء من آدم وزينب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفاطمة من علي عليهم السلام قال: فبكى علي بن الجهم، وقال: يا ابن رسول الله: أنا تائب إلى الله عزّ وجلّ أنَّ أنطق أنبياء الله عزّ وجلّ يومي هذا إلا بما ذكرته([358]).
الدليل الرابع
وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام ما يثبت عصمة الأنبياء صراحة من خلال جواب الإمام عليه السلام حينما سأله المأمون العباسي قائلاً: لله درّك يا أبا الحسن فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى
[357]ظ: أبو جعفر محمد بن الحسن بن بابويه القمي الصدوق (ت 381 هـ)، الأمالي: 182 - 184 نشر مؤسسة الأعلمي، بيروت – لبنان، ط5، 1400 هـ.
بُرْهَانَ رَبِّهِ} (يوسف/24).
قال الرضا عليه السلام: (لقد همت به ولولا أنَّ رأى برهان ربه، لهم بها كما همت به، لكنّه كان معصوماً، والمعصوم لا يهم بذنب ولا يأتيه، ولقد حدّثني أبي عن أبيه الصادق عليهما السلام أنَّهُ قال: همت بأن تفعل،وهم بأن لا يفعل)([359]).
والرواية هذه لا تحتاج إلى أدنى تأمل في توجيه العصمة فيها وإنما هي واضحة الدلالة والهدف.
الدليل الخامس
ويطالعنا الصافي (المولى محسن الكاشاني) (ت1091 هـ) في تفسيره على عصمة الأنبياء عليهم السلام بما ذكره (أن أيوب ابتلي بغير ذنب سبع سنين، وأن الأنبياء معصومون لا يذنبون ولا يزيغون، ولا يرتكبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً)([360]).
الدليل السادس
عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: (أنّ بعض قريش قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بأي شيء سبقت الأنبياء عليهم السلام وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم، فقال:
((إنّي كنت أول من آمن بربي، وأول من أجاب إذ أخذ الله ميثاق النبيّين وأشهدهم على أنفسهم (الستُ ربكم) فكنت أنا أول نبيّ قال (بلى) فسبقتهم بالإقرار بالله عزّ وجلّ([361]).
[358]ظ: عيون أخبار الرضاعليه السلام 1: 170 – 173.
[359]تفسير الصافي 450.
[360]الكليني، الاصول من الكافي 2: 10.
الدليل السابع
حديث عبد الله بن طلحة، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام:
أخبرني يا ابن رسول الله عن العلم الذي تحدّثونا به، أمن صحف عندكم؟ أم من رواية يرد بها بعضكم عن بعض؟ أو كيف حال العلم عندكم.
قال: ((يا عبد الله الأمر أعظم من ذلك وأجل، أما تقرأ كتاب الله؟!)).
قلت: بلى.
قال: (أما تقرأ): {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ} (الشورى/ 52) أفاترون أنّه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان؟)).
قال: هكذا نقرأ.
قال: (نعم قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، حتى بعث الله تلك الروح فعلمه بها العلم والفهم، كذلك تجري تلك الروح إذ بعثها الله على عبدٍ علمه بها العلم والفهم([362]).
قال العلامة المجلسيرحمه الله تعليقاً على قوله عليه السلام: (الأمر أعظم من ذلك وأوجب).
(قيل أنما كان الأمر أوجب من ذلك لأن الأمرين المذكورين مما يشترك فيه سائر الناس، فلابد في الحجّة من أمر يمتاز به عن سائر الناس لا يحتمل الخطأ والشك)([363]).
[361]أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروّخ الصفّار (2902 هـ)، 458، تعليق ميرزا محسن التبريزي، منشورات مكتبة المرعشي النجفي قم – إيران، ط 1، 1404 هـ.
[362]محمد باقر المجلسي، مرآة العقول 3: 173، دار الكتب الإسلامية، إيران ط 2، 1404 هـ.