المبحث الأول: العتاب ومرادفاته في لغة العرب
أولاً: العتاب والتأصيل اللغوي
يرجع العتاب في أصله اللغوي إلى الجذر الثلاثي (ع، ت، ب)([1]). ولما كان الجذر اللغوي وهو الأحرف الأساس التي تتكون منها مجموعة الألفاظ يشترك في أسس دلالية واحدة، لأنه حال الكلمة قبل التركيب فلابّد أنَّ نتابع هذا الجذر اللغوي للوقوف على التأصيل اللغوي لهذه المفردة.
و«عَتَبَ» الفحلُ يعتبُ عتباً وعتاباً وتعتاباً: خَلع أو عُقلِ أو عُقر فمشى على ثلاث قوائم كأنه يقفز قفزاً([2])، وعتب العُوْدُ ما عليه أطراف الأوتار من مقدّمه([3])، وعتب البرق عتاباً: بَرَقَ برْقاً ولاءً([4]) والعتبُ يشير إلى ما دخل في الأمر
[1]ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم الافريقي المصري (ت711 هـ) لسان العرب، مادة (عتب) 1: دار صادر بيروت 1986، ظ: الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، مادة (عتب) 597، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
[2]المصدر نفسه: مادة (عتب) ظ: العين: مادة (عتب).
[3]المصدر نفسه: مادة (عتب).
[4]المصدر نفسه: مادة (عتب).
من فساد([5])، وقال الشاعر([6]):
أعددت للأمر صارماً ذكَرَا
مُجرب الوقع غير ذي عَتَب
ويأتي العتبُ بمعنى (الالتواء) و(النَبوْةَ) و(العيب)([7]) ومن معانيه اللغوية (التجّني)، فالعتب هو (التجنيّ) تعتّب عليه وتجني عليه بمعنى واحد، وتعتب عليه أي وجد عليه([8]) وهو بمعنى (الموجدة).
عتب عليه يعتب ويعتب وعتاباً ومعتبة ومعتباً أي وجد عليه، ويستشهد ابن منظور على هذا المعنى بقول الغطمش الضّبي([9]).
أقول وقد فاضتْ بعيني عبرةٌ
أرى الدهر يَبقى والأخلاءُ تذهبُ
أخلاي لو غير الحمامُ أصابكم
عتبتُ ولكن ليس للدهر مَعَتبُ
أي لو أجستم في الحرب لأدركنا ثأركم وانتصرنا لكم، ولكن الدهر لا يُنتصر منه ومن معانيه المعنوية (اللوم) عاتبهُ مُعاتبةً وعِتاباً، كل ذلك لامهُ([10]).
ومنه قول الشاعر:
أعاتبُ ذا المودة من صديقٍ
إذا ما رابني منه اجتيابُ
إذا ذهب العتاب فليس ودٌ
ويبقى الودّ ما بقي العتابُ
فواضح أنَّ السياق هو الذي هيّأ لهذه المفردة المعنى الجديد بدلالة قول
[5]المصدر نفسه: مادة (عتب).
[6]المصدر نفسه ج1 ص576.
[7]المصدر السابق: مادة (عتب).
[8]المصدر نفسه: مادة (عتب).
[9]المصدر نفسه: مادة (عتب).
[10]المصدر نفسه: مادة (عتب).
الشاعر (ويبقى الود).
ومن اشتقاقات هذه المفردة «الاعتاب والعتبى» وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يُرضي العاتب([11])، والاستعتاب، طلبك إلى المسيء الرجوع عن إساءته ومنه (العتب والتعاتب، والمعاتبة) وهي تواصف الموجدة([12]).
ومن الصفات المشتقة منه (العِتْب) وهو الرجل الذي يعاتب صاحبه، أو صديقه في كل شيء إشفاقاً عليه ونصيحةً لهُ([13])، و(العَتوب) الذي لا يعمل فيه العتاب([14]) و(الأعتوبةُ) ما تعُتِبَ به([15]).
والعُتبى (الرضا)([16]) ومنه أعتبهُ، أعطاه العُتبى ورجع إلى مَسَرّتهِ. كقول الشاعر:
إذا ذهب العتاب فليس ودٌّ
ويبقى الود ما بقي العتابُ([17])
وقد أتضح هذا المعنى من خلال السياق الحاضن للمفردة.
ويقال استعتب فلان إذا طلب أنَّ يُعتبَ أي يرضى والمعتْبُ المرضى([18])
[11]المصدر نفسه: مادة (عتب)، ظ:العين: مادة (عتب).
[12]المصدر نفسه: مادة (عتب) ظ: الإمام محيي الدين ابن فيض السيد محمد مرتضى: تاج العروس، مادة (عتب) 2: 200 – 201 تحقيق علي شيري، دار الفكر بيروت، 1994 م – 1414 هـ.
[13]المصدر نفسه: مادة (عتب) ظ: العين مادة (عتب)
[14]المصدر نفسه: (مادة عتب).
[15]المصدر نفسه: (مادة عتب).
[16]المصدر نفسه: (مادة عتب).
[17]ظ: شهاب الدين أحمد المعروف بابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، 4: 65 دار ومكتبة الهلال بيروت ط1، 1986م.
[18]لسان العرب، مادة (عتب).
والاعتتاب الانصراف عن الشيء كقول الكميت([19]).
فاعتب الشوق من فؤادي والـ
شعرُ إلى مَنْ إليه مُعَتَبُ
وفي صحاح الجوهري، واعتبتُ الطريق إذا تركتُ سهله وأخذت في وعره، واعتتبْ أي أقصد قال الحطيئة:
إذا مخارمُ أحناءٍ عرضن له
لم ينبُ عنها وخاف الجورَ فاعتتبا
معناه اعتتب من الجبل أي ولم ينبُ عنه قال الفرّاء، اعتتبَ فلان إذا رجع عن أمرٍ كان فيه إلى غيره([20]).
ويصاغ منه (عتّابٌ وعتابٌ ومُعتَّب وعتبةٌ وعُتيببة) كلّها([21]) أسماء ومنها أيضاً (عتيبة وعتّابة) وهي من أسماء النساء([22]).
مما تقدم اتضح أنَّ لكل لفظةٍ معنيين: أولهما المادي، وثانيهما (المعنوي)، والمادي هو أسبق في الظهور من المعنى (المعنوي) وعلى سبيل المثال، فالمعنى المادي الذي أشرنا إليه في الفقرة الأولى (المشي على ثلاث قوائم، وهذا المعنى يرشح لأن يكون هو المعنى الأولي وهو أصل الاستعمال، وأما ما ورد من معانٍ أُخَر كـ(دخول الفساد في الأمر) فهو معنى معنوي تطور عن المعنى الأولي، وذلك لأن المشي على ثلاث خلاف الأصل في مشية البعير أو الفحل فهو فساد في مشيته، وهذا المعنى تطور إلى أنَّ أصبح الفساد في الأمر (عتباً) وحاصل ما قدّمناه في هذا
[19]هاشميات الكميت: تحقيق داود سلوم.
[20]إسماعيل بن حماد الجوهري، (ت 398 هـ) الصحاح – تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار مادة: (عتب).
[21]لسان العرب: مادة (عتب)، ظ: العين: مادة (عتب).
[22]المصدر السابق: مادة (عتب) ظ: العين: مادة (عتب).
الموجز أنَّ (العتاب) يشير إلى أمرٍ فيه صعوبةٌ من كلامٍ أو غيره([23])، ويعبّر العرب بوساطة العتب، عن الوقوع في مشقة وتكرّر أو صار فيه عيب وغلظ([24]).
والعتوب هي الأرض الغليظة، وفي رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي يُطلق على تابع امرئ القيس (الجنيّ) اسم: عتيبة بن نوفل أخذاً من معنى (العتوب) وهو الصعوبة في شق طريق الشعر إذْ إنّه أول من بكى واستبكى ووقف على الديار([25]).
ونلحظ أنَّ مفردة العتاب ومشتقاتها وردت بكثرة بالصيغ المسبوقة بالأداة (لا) أو (ما) مما يدل على أنَّ العتاب فيه نوع من التلطف والامتنان في أحيان كثيرة.
ثانياًَ: المفردات اللغوية لـ(العتاب)
للمفردة العربية مرادفاتها التي ذكرها علماء اللغة في مصنفاتهم سواءً أكانت المفردة قرآنية([26]) أم مفردة من العربية لم ترد في السياق القرآني([27]) فقد كان جميُعها
[23]ظ: أبو الحسن أحمد بن فارس زكريا (ت395 هـ) مقاييس اللغة 2: مادة (عتب) تحقيق عبد السلام هارون، مكتب الإعلام الإسلامي، ط 1404 هـ.
[24]ابن القطاع: (ت515 هـ)، الأفعال: مادة (عتب) دار الكتب العلمية بيروت 1424 هـ.
[25]بطرس البستاني، رسالة التوابع والزوابع بيروت 1960.
[26]ظ: الفراء (ت204 هـ) معاني القرآن، تحقيق أحمد يوسف بخاتي، دار الكتب القاهرة 1995، إسماعيل بن أحمد النيسابوري (ت421 هـ) وجوه القرآن تحقيق د. نجف عوش، مطبعة الاستانة الرضوية، مشهد – 1422هـ، الراغب الأصفهاني (ت425 هـ)، مفردات ألفاظ القرآن تحقيق صفوان داودي، دار القلم، دمشق (د.ت).
[27]ظ: أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت 370 هـ)، تهذيب اللغة، تحقيق، عبد السلام هارون (د.ت).
محل عنايتهم واستقصائهم لدلالاتها الثابتة والمتحركة، وقد خصصوا لهذا البحث كتباً، وعقدوا له فصولاً طوالاً.
ومفردة العتاب واحدة من تلك المفردات التي نالت عناية الباحثين القُدماء وحظيت باهتمامهم الملحوظ. وكشف صاحب كتاب (الألفاظ الكتابية) مرادفات هذه اللفظة في مقدمة مفرداته في باب (اللوم) إذ قال([28]): (يقال لُمتُ الرّجُلَ لَوْماً وعذلته عذلاً، وأنبتهُ تأنيباً، وقرّعتُهُ تقريعاً، وفندتُهُ تفنيداً، ووبختُهُ توبيخاً، وبكيتهُ تبكيتاً، ولحيتُهُ لحياً وعنفتُهُ تعنيفاً، فهي المعاتبة ثم اللوم ثم التقريع ثم التوبيخ ثم التأنيب).
بيد أنَّ هذه المفردات، وان كانت تنتمي إلى فعل دلالي واحد هو (اللوم)، لكن كل مرادف له معنىً دقيق يوميء إلى دلالة تبتعد قليلاً أو كثيراً عن مركز الدلالة (اللوم) فاللوم غير العذل، وكلاهما غير التأنيب، وهذه تختلف في دلالتها عن مدلول لفظة (التقريع)، و(التفنيد)، و(التوبيخ)، و(التبكيت)، و(اللّحو) واعلاها كلها (التعنيف).
نستطيع أنَّ نرصد (التصاعدية في المعاني – إن جاز التعبير – لأن ثمّة فوارق دلاليةً لابد من تحريها واعتمارها أساساً في تحليل النصوص ودراستها والحكم عليها ورصد ارتباطها بمفردة (اللوم).
ومِنْ ثَمَّ (العتاب) موضوع البحث. ولا تعدم الدراسة أنَّ تجد في لغة العرب مفردات تنتمي إلى الحقل الدلالي نفسه (اللوم) وتوميء إلى معانيه التصاعدية على سبيل المثال كمفردة (الذمو) وهو اللوم والحض معاً، والذم وهو اللوم في الإساءة.
[28]عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني، الألفاظ الكتابية ص 7 – 8، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان 1400 هـ - 1890 م.
ونلحظ فرقاً في دلالات الألفاظ المنتمية إلى حقل (العتاب) فالتثريب شبيه بالتقريع والتوبيخ ولا يكون إلاّ على فعل قبيح ومعناه الأصلي الأخذ على الذنب.
أما اللوم فيكون على الفعل الحسن([29])، والعتاب غلظة يجدها الإنسان في نفسه على غيره كما قال الراغب الأصفهاني (ت502 هـ)([30]).
ومن الجدير بالذكر أنَّ لكل دلالة من تلك المفردات المرادفة للفظة (اللوم) معنىً دقيقاً تنفرد به في المعجمات العربية أو في سياق الكلام النثري أو الشعري كما يجب الانتباه إلى أنّ هذه الكلمات كلّها لا تعبّر بدقة عن معنى (العتاب) فالعتاب نوع من أنواع اللوم.
ويبقى للتأويل دوره الرئيس في إدارة هذا المعنى أو سواه من معاني ألفاظ المفردات اللغوية في كثير من الأحيان، مثلما يأخذ السياق دورهُ في التنوع الدلالي لكن التأويل في – حد نفسه – تابع من السياق والسياق هو الذي يوجه المعنى ويدفع به إلى جهات معينة يكشف عنها المؤول في إطار قدراته الخاصة ومؤهلاته.
ولذا يورد عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني هذه المفردات في تدرج تصاعدي يبدأ باللوم وينتهي بالتأنيب فيقول:
(قرضتهُ بعض القرض، وعذمته بعض العذم واستبطأته، ويقال استذم الرجل واستلام والأم إذا فعل فعلاً يلام عليه فهو، مليم، ولا زلت أتجرع فيك الملائم والملاوم واللوائم أيضاً.
[29]ظ: مقاييس اللغة، ابن فارس، مادة (ألام).
[30]ظ: مفردات الراغب مادة (عتب).
ويقال: لام فلان غير مليم، وذم غير ذميم، وأنحى فلان على فلان باللائمة وأحال عليه بالتعنيف، وتقول لمتُه وقبحّت فعله وقبلت رأيه، وذممتُ إليه رأيه وفي الأمثال (ربّ لائم مليم ورب ملوم لا ذنب له)([31]).
ثالثاً: الصيغ المجازية للعتاب
المجاز في العربية – وفي غيرها – باب وسيع في التعبير عمّا يحتاج إليه الإنسان في إغراضه المختلفة إذ تقصر اللغة بألفاظها المعجمية ومفرداتها المعياريّة عن بلوغ المراد، فتتفتح الألفاظ والتعابير المجازية عن معانٍ لا حصر لها، لتتكامل دائرة التعبير المفضّل، وليس أدل على ذلك من اعتماد المجاز أسلوباً للتعبير في كتاب الله العزيز، فالمجاز – فضلاً عن كونه يُثري المعنى ويعمقه ويحيط بالمعاني المتشعبة التي لا تؤديها ألفاظ القاموس – أبلغ من الحقيقة، وأقدر على التأثير في المتلقي وتأسيساً على هذا يدخل المجاز ساحة التعبير عن العتاب ومضامينه في أنَّ أساليب خبريّة أو إنشائية أو بهما معاً حين يخرج الخبر إلى أغراض إنشائية تعطي الدلالات الواضحة على هذا المعنى، وقد تحدث علماء البلاغة واللغويون عن المجاز وعقدوا له فصولاً في مؤلفاتهم عن فاعلية المجاز سواء في القرآن الكريم أو في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو في كلام الفصحاء، وليس بنا حاجة هنا إلى التفصيل في أمر مفروغ منه ولا بأس أنَّ نذكر ما هو وطيد الصلة بهذا الأمر من مؤلفات القدماء، وفي طليعة هذه المؤلفات يقف (مجاز القرآن) لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت209هـ)، وفي مجال الحديث الشريف نجد (المجازات النبوية) للشريف الرضي الموسويرحمه الله (ت406 هـ) واحداً من المصادر التي عالجت هذا الأمر.
[31]الألفاظ الكتابية، مصدر سابق ص 8 وما بعدها.