عزّ وجلّ في داود {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} (ص / 24).
وقوله في نبيه مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} (الأحزاب / 37).
فقال مولانا الرضا عليه السلام: ويحك يا عليّ، اتق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ولا تأول كتاب الله برأيك، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} (آل عمران / 7).
وأما قوله عزّ وجلّ في آدم عليه السلام: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} (طه/ 121) فأن الله عزّ وجلّ خلق آدم حجة في أرضه وخليفته في بلاده ولم يخلق للجنّة، وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض لتتم مقادير أمر الله عزّ وجلّ فلما أهبط إلى الأرض وجعل حجته وخليفته عصم بقوله عزّ وجلّ {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} (آل عمران / 33).
وأما قوله عزّ وجلّ: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} (الأنبياء/87) إنما ظنّ أنّ الله عزّ وجلّ لا يضيق عليه رزقه ألا تسمع قول الله عزّ وجلّ {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} (الفجر / 16)، أي ضيق عليه ولو ظنّ أنّ الله لا يقدر عليه لكان قد كفر.
وأما قوله عزّ وجلّ في يوسف {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} (يوسف/24) فإنّها همّت بالمعصية وهم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما داخله، فصرف الله عنه قتلها والفاحشة وهو قوله {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ} (يوسف / 24) يعني القتل {وَالْفَحْشَاءَ} (يوسف/24).
وأما داود فما يقول مَنْ قبلكم فيه؟ فقال علي بن الجهم: يقولون: إنّ داود
كان في محرابه يصلّي إذ تصوّر له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور، فقطع صلاته وقام ليأخذ الطير، فخرج الطير إلى الدار فخرج في أثره، فطار الطير إلى السطح فصعد في طلبه، فسقط الطير في دار أوريا بن حنان، فاطلّع داود في أثر الطير فإذا بإمرأة اوريا تغتسل، فلّما نظر إليها هويها، وكان قد أخرج أوريا في بعض غزواته فكتب إلى صاحبه أنَّ قدّمه في أمام الحرب، فقدّم فظفر أوريا بالمشركين، فصعب ذلك على داود، فكتب ثانية أنَّ قدّمه أمام الحرب فقدّم فقتل أوريا فتزوّج داود بامرأته.
فضرب الرضا عليه السلام بيده على جبينه وقال: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة/156) لقد نسبتم نبيّاً من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته حتى خرج في أثر الطير ثم بالفاحشة ثم بالقتل، فقال يا ابن رسول الله فما كانت خطيئته؟ فقال عليه السلام: ويحك إنّ داود عليه السلام إنّما ظنّ أنّ ما خلق الله خلقاً هو أعلم منه فبعث الله عزّ وجلّ إليه الملكين فتسورا المحراب فقالا: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} (ص 22-23) فجعل داود عليه السلام على المدعي عليه فقال: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} (ص / 26) فلم يسأل المدعيّ البينة على ذلك، ولم يقبل على المدعي عليه، فيقول: ما تقول؟ فكان هذا خطيئة حكمه، لا ما ذهبتم إليه، إلاّ تسمع قول الله عزّ وجلّ {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (ص / 26).
فقال ابن الجهم: يا ابن رسول الله فما قصته مع أوريا؟ فقال الرضا عليه
السلام أنَّ المرأة في أيام داود عليه السلام كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج أبداً، وأول من أباح الله عزّ وجلّ له أنَّ يتزوج بامرأة قتل بعلها داود عليه السلام فذلك الذي شق على الناس من قبل اوريا.
وأما مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وقول الله عزّ وجلّ له {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} (الأحزاب/37) فإنّ الله عرّف نبيّه أسماء أزواجه في دار الدنيا وأسماء أزواجه في الآخرة وأنّهن أمهات المؤمنين، وكانت إحداهن زينب بنت جحش وهي يومئذٍ تحت زيد بن حارثة فأخفى صلى الله عليه وآله وسلم في نفسه، ولم يبده لكي لا يقول أحد من المنافقين إنّه قال في امرأةٍ في بيت رجل أنها إحدى أزواجه من أمهات المؤمنين، وخشي قول المنافقين، فقال الله عزّ وجلّ {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} (الأحزاب/37) يعني في نفسك وأنّ الله عزّ وجلّ ما تولّى تزويج أحد من خلقه إلاّ تزويج حواء من آدم وزينب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفاطمة من علي عليهم السلام قال: فبكى علي بن الجهم، وقال: يا ابن رسول الله: أنا تائب إلى الله عزّ وجلّ أنَّ أنطق أنبياء الله عزّ وجلّ يومي هذا إلا بما ذكرته([358]).
الدليل الرابع
وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام ما يثبت عصمة الأنبياء صراحة من خلال جواب الإمام عليه السلام حينما سأله المأمون العباسي قائلاً: لله درّك يا أبا الحسن فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى
[357]ظ: أبو جعفر محمد بن الحسن بن بابويه القمي الصدوق (ت 381 هـ)، الأمالي: 182 - 184 نشر مؤسسة الأعلمي، بيروت – لبنان، ط5، 1400 هـ.
بُرْهَانَ رَبِّهِ} (يوسف/24).
قال الرضا عليه السلام: (لقد همت به ولولا أنَّ رأى برهان ربه، لهم بها كما همت به، لكنّه كان معصوماً، والمعصوم لا يهم بذنب ولا يأتيه، ولقد حدّثني أبي عن أبيه الصادق عليهما السلام أنَّهُ قال: همت بأن تفعل،وهم بأن لا يفعل)([359]).
والرواية هذه لا تحتاج إلى أدنى تأمل في توجيه العصمة فيها وإنما هي واضحة الدلالة والهدف.
الدليل الخامس
ويطالعنا الصافي (المولى محسن الكاشاني) (ت1091 هـ) في تفسيره على عصمة الأنبياء عليهم السلام بما ذكره (أن أيوب ابتلي بغير ذنب سبع سنين، وأن الأنبياء معصومون لا يذنبون ولا يزيغون، ولا يرتكبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً)([360]).
الدليل السادس
عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: (أنّ بعض قريش قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بأي شيء سبقت الأنبياء عليهم السلام وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم، فقال:
((إنّي كنت أول من آمن بربي، وأول من أجاب إذ أخذ الله ميثاق النبيّين وأشهدهم على أنفسهم (الستُ ربكم) فكنت أنا أول نبيّ قال (بلى) فسبقتهم بالإقرار بالله عزّ وجلّ([361]).
[358]ظ: عيون أخبار الرضاعليه السلام 1: 170 – 173.
[359]تفسير الصافي 450.
[360]الكليني، الاصول من الكافي 2: 10.
الدليل السابع
حديث عبد الله بن طلحة، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام:
أخبرني يا ابن رسول الله عن العلم الذي تحدّثونا به، أمن صحف عندكم؟ أم من رواية يرد بها بعضكم عن بعض؟ أو كيف حال العلم عندكم.
قال: ((يا عبد الله الأمر أعظم من ذلك وأجل، أما تقرأ كتاب الله؟!)).
قلت: بلى.
قال: (أما تقرأ): {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ} (الشورى/ 52) أفاترون أنّه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان؟)).
قال: هكذا نقرأ.
قال: (نعم قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، حتى بعث الله تلك الروح فعلمه بها العلم والفهم، كذلك تجري تلك الروح إذ بعثها الله على عبدٍ علمه بها العلم والفهم([362]).
قال العلامة المجلسيرحمه الله تعليقاً على قوله عليه السلام: (الأمر أعظم من ذلك وأوجب).
(قيل أنما كان الأمر أوجب من ذلك لأن الأمرين المذكورين مما يشترك فيه سائر الناس، فلابد في الحجّة من أمر يمتاز به عن سائر الناس لا يحتمل الخطأ والشك)([363]).
[361]أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروّخ الصفّار (2902 هـ)، 458، تعليق ميرزا محسن التبريزي، منشورات مكتبة المرعشي النجفي قم – إيران، ط 1، 1404 هـ.
[362]محمد باقر المجلسي، مرآة العقول 3: 173، دار الكتب الإسلامية، إيران ط 2، 1404 هـ.
وقال المازندراني (الميرزا مُحَمَّد صالح) (ت1086).
((أي: أمر علمنا أعظم وأوجب)) يعني: ألزم وأتم، وأحق أنَّ يكون مأخوذاً من أفواه الرجال، أو مخرجاً من الكتاب، بل هو من الروح الذي معنا([364]).
وهذا دليل على أنّ المعصوم مسدد ومؤيد عن ارتكاب مطلق الخطأ.
الدليل الثامن
عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: (والله ما ترك أرضاً منذ قبض آدم عليه السلام إلاّ وفيها إمام يهتدى به إلى الله، وهو محجّة على عباده ولا تبقى الأرض بغير إمام حجّة لله على عباده)([365]).
والرواية صريحة جداً إذ إن القضيّة ليست قيادة سياسية وإدارة حكم بل هي مرتبطة بنظام التكوين ووضيعة الإمام هنا إيصال الناس إلى محل الهداية وطريق الصواب ولو لم يكن معصوماً لما كان أهلاً لهذا المنصب الإلهي.
[363]شرح أصول الكافي والروضة 6: 68 تعليق علي أكبر الغفاري، منشورات المكتبة الإسلامية، طهران – إيران 1384 هـ.
[364]ظ: الكليني، أصول الكافي 1: 179 ج 8 كتاب الحجة.
المطلب الثاني: الأدلة العقلية للقول بالعصمةِ المطلقة
انفرد الإمامية من دون غيرهم من المذاهب الإسلامية الأُخَر بالقول بالعصمة المطلقة للأنبياء عليهم السلام واستدلوا، على ذلك بجملة من الأدلة العقلية تتوقف الدراسة عندها.
الدليل الأول: دلالة المعجز
فإنّ من الأدلة العقلية ومن الضرورات الشرعية أنَّ يكون النبيّ معصوماً لأنّه لو لم يكن كذلك لم يحصل لنا الوثوق بقوله، إذ جاز أنَّ يصدر منه الكذب عمداً أو نسياناً، ولا يجوز على الله أنَّ يرسل إلى خلقه أنبياء كاذبين، لأنّه قبيح ويستحيل على الله تعالى فعل ذلك، فوجب أنَّ يكون النَّبي معصوماً، ذكره المحقق نصير الدين الطوسي رحمه الله في شرح التجريد للعلامة الحليّرحمه الله فقال: وبيان ذلك أنّ المبعوث إليهم لو جوّزوا الكذب على الأنبياء والمعصية جوزوا في أمرهم ونهيهم وأفعالهم التي أمروهم بإتباعهم فيها ذلك وحينئذٍ لا ينقادون إلى إفشال أوامرهم وذلك نقض للغرض من البعثة([366]).
[365]ظ: العلامة جمال الدين الحسن بن يوسف ابن المطهر الحلي (ت 672 هـ)، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد 376 مؤسسة الأعلمي بيروت – لبنان ط 1، 1399 هـ - 1979 م.
وذكر الفاضل المقداد في شرح الباب الحادي عشر مثل هذا الوجه في الاستدلال على وجوب العصمة من أنّه: لو لم يكن الأنبياء معصومين لانتفت فائدة البعثة واللازم باطل فالملزوم مثله، بيان الملازمة: أنّه إذا جازت المعصية عليهم لم يحصل الوثوق بصحة قولهم بجواز الكذب حينئذٍ عليهم وإذا لم يحصل الوثوق لم يحصل الانقياد لأمرهم ونهيهم فينتفي فائدة بعثهم وهو محال([367]).
وإلى هذا الوجه يرجع من استدل على العصمة من الذنوب إلى أنّه ينافي دلالة المعجز القاطعة، فإن المراد من الإعجاز القرآني إثبات استناد القرآن الكريم إلى الله سبحانه وأنه ليس من صنع البشر، فلو كان النَّبي فمن يمكن أنَّ يتبع هواه ويرتكب المعاصي لم يؤمن منه أنَّ يبلغ كل ما جاء به القرآن أو لا ينقص منه.
وإلى هذا المعنى يشير السيد المرتضىرحمه الله في بعض كتبه إذ قال مستدلاً على عصمة النَّبي عن الكبائر والصغائر، بأنّ العلم المعجز إذا كان واقعاً موقع التصديق لمدعي النبوّة والرسالة، وجارياً مجرى قوله تعالى: صدقت في أنّ رسولي ومؤدي عني، فلابد أنَّ يكون هذا المعجز مانعاً من كذبه عن الله فيما يؤديه عنه، لأنّه تعالى لا يجوز أنَّ يصدق الكذاب، لأنّ تصديق الكذاب قبيح([368]).
ومن هنا استدل قطب الدين النيسابوري على العصمة عقلاً فقال: (والذي يدل على عصمة الرسل أنَّ العلم المعجز يؤمننا عن وقوع الكذب منه فيما يؤدي عن الله تعالى إلينا وهذا لا خلاف فيه بين الأمة لأن تجويز الكذب يرفع الثقة ويعدم الأمان)([369]).
[366]النافع في شرح الباب الحادي عشر: 63، مطبعة سلمان الفارسي، ط 1، 1412 هـ.
[367]تنزيه الأنبياء: 17.
[368]التعليق في علم الكلام 172 تحقيق د. محمود يزدي مطلق،قسم الدراسات الفلسفية والكلامية للجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية،إيران – مشهد، ط 1، 1427 ق – 13850 ش.