الدليل السابع
حديث عبد الله بن طلحة، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام:
أخبرني يا ابن رسول الله عن العلم الذي تحدّثونا به، أمن صحف عندكم؟ أم من رواية يرد بها بعضكم عن بعض؟ أو كيف حال العلم عندكم.
قال: ((يا عبد الله الأمر أعظم من ذلك وأجل، أما تقرأ كتاب الله؟!)).
قلت: بلى.
قال: (أما تقرأ): {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ} (الشورى/ 52) أفاترون أنّه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان؟)).
قال: هكذا نقرأ.
قال: (نعم قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، حتى بعث الله تلك الروح فعلمه بها العلم والفهم، كذلك تجري تلك الروح إذ بعثها الله على عبدٍ علمه بها العلم والفهم([362]).
قال العلامة المجلسيرحمه الله تعليقاً على قوله عليه السلام: (الأمر أعظم من ذلك وأوجب).
(قيل أنما كان الأمر أوجب من ذلك لأن الأمرين المذكورين مما يشترك فيه سائر الناس، فلابد في الحجّة من أمر يمتاز به عن سائر الناس لا يحتمل الخطأ والشك)([363]).
[361]أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروّخ الصفّار (2902 هـ)، 458، تعليق ميرزا محسن التبريزي، منشورات مكتبة المرعشي النجفي قم – إيران، ط 1، 1404 هـ.
[362]محمد باقر المجلسي، مرآة العقول 3: 173، دار الكتب الإسلامية، إيران ط 2، 1404 هـ.
وقال المازندراني (الميرزا مُحَمَّد صالح) (ت1086).
((أي: أمر علمنا أعظم وأوجب)) يعني: ألزم وأتم، وأحق أنَّ يكون مأخوذاً من أفواه الرجال، أو مخرجاً من الكتاب، بل هو من الروح الذي معنا([364]).
وهذا دليل على أنّ المعصوم مسدد ومؤيد عن ارتكاب مطلق الخطأ.
الدليل الثامن
عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: (والله ما ترك أرضاً منذ قبض آدم عليه السلام إلاّ وفيها إمام يهتدى به إلى الله، وهو محجّة على عباده ولا تبقى الأرض بغير إمام حجّة لله على عباده)([365]).
والرواية صريحة جداً إذ إن القضيّة ليست قيادة سياسية وإدارة حكم بل هي مرتبطة بنظام التكوين ووضيعة الإمام هنا إيصال الناس إلى محل الهداية وطريق الصواب ولو لم يكن معصوماً لما كان أهلاً لهذا المنصب الإلهي.
[363]شرح أصول الكافي والروضة 6: 68 تعليق علي أكبر الغفاري، منشورات المكتبة الإسلامية، طهران – إيران 1384 هـ.
[364]ظ: الكليني، أصول الكافي 1: 179 ج 8 كتاب الحجة.
المطلب الثاني: الأدلة العقلية للقول بالعصمةِ المطلقة
انفرد الإمامية من دون غيرهم من المذاهب الإسلامية الأُخَر بالقول بالعصمة المطلقة للأنبياء عليهم السلام واستدلوا، على ذلك بجملة من الأدلة العقلية تتوقف الدراسة عندها.
الدليل الأول: دلالة المعجز
فإنّ من الأدلة العقلية ومن الضرورات الشرعية أنَّ يكون النبيّ معصوماً لأنّه لو لم يكن كذلك لم يحصل لنا الوثوق بقوله، إذ جاز أنَّ يصدر منه الكذب عمداً أو نسياناً، ولا يجوز على الله أنَّ يرسل إلى خلقه أنبياء كاذبين، لأنّه قبيح ويستحيل على الله تعالى فعل ذلك، فوجب أنَّ يكون النَّبي معصوماً، ذكره المحقق نصير الدين الطوسي رحمه الله في شرح التجريد للعلامة الحليّرحمه الله فقال: وبيان ذلك أنّ المبعوث إليهم لو جوّزوا الكذب على الأنبياء والمعصية جوزوا في أمرهم ونهيهم وأفعالهم التي أمروهم بإتباعهم فيها ذلك وحينئذٍ لا ينقادون إلى إفشال أوامرهم وذلك نقض للغرض من البعثة([366]).
[365]ظ: العلامة جمال الدين الحسن بن يوسف ابن المطهر الحلي (ت 672 هـ)، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد 376 مؤسسة الأعلمي بيروت – لبنان ط 1، 1399 هـ - 1979 م.
وذكر الفاضل المقداد في شرح الباب الحادي عشر مثل هذا الوجه في الاستدلال على وجوب العصمة من أنّه: لو لم يكن الأنبياء معصومين لانتفت فائدة البعثة واللازم باطل فالملزوم مثله، بيان الملازمة: أنّه إذا جازت المعصية عليهم لم يحصل الوثوق بصحة قولهم بجواز الكذب حينئذٍ عليهم وإذا لم يحصل الوثوق لم يحصل الانقياد لأمرهم ونهيهم فينتفي فائدة بعثهم وهو محال([367]).
وإلى هذا الوجه يرجع من استدل على العصمة من الذنوب إلى أنّه ينافي دلالة المعجز القاطعة، فإن المراد من الإعجاز القرآني إثبات استناد القرآن الكريم إلى الله سبحانه وأنه ليس من صنع البشر، فلو كان النَّبي فمن يمكن أنَّ يتبع هواه ويرتكب المعاصي لم يؤمن منه أنَّ يبلغ كل ما جاء به القرآن أو لا ينقص منه.
وإلى هذا المعنى يشير السيد المرتضىرحمه الله في بعض كتبه إذ قال مستدلاً على عصمة النَّبي عن الكبائر والصغائر، بأنّ العلم المعجز إذا كان واقعاً موقع التصديق لمدعي النبوّة والرسالة، وجارياً مجرى قوله تعالى: صدقت في أنّ رسولي ومؤدي عني، فلابد أنَّ يكون هذا المعجز مانعاً من كذبه عن الله فيما يؤديه عنه، لأنّه تعالى لا يجوز أنَّ يصدق الكذاب، لأنّ تصديق الكذاب قبيح([368]).
ومن هنا استدل قطب الدين النيسابوري على العصمة عقلاً فقال: (والذي يدل على عصمة الرسل أنَّ العلم المعجز يؤمننا عن وقوع الكذب منه فيما يؤدي عن الله تعالى إلينا وهذا لا خلاف فيه بين الأمة لأن تجويز الكذب يرفع الثقة ويعدم الأمان)([369]).
[366]النافع في شرح الباب الحادي عشر: 63، مطبعة سلمان الفارسي، ط 1، 1412 هـ.
[367]تنزيه الأنبياء: 17.
[368]التعليق في علم الكلام 172 تحقيق د. محمود يزدي مطلق،قسم الدراسات الفلسفية والكلامية للجامعة الرضوية للعلوم الإسلامية،إيران – مشهد، ط 1، 1427 ق – 13850 ش.
لأن ترك ذلك يُعُّد قدحاً في الرسالة وطعناً في النبوّة هذا فيما يتعلّق بالكذب، أما في ما يتعلق بسائر القبائحَ ولو كانت صغيرة فإنّها توجب النفرة منهم وانتفاء تلقي أقوالهم وقبولها، (ولا يجوز أنَّ يبعث الله تعالى من يوجب علينا اتباعه وتصديقه وهو على صفة تنفر عنه، فقد جنب الله الفظاظة والغلظة والخلق المشينة وكثيراً من العلل القبيحة لأجل التنفير فأولى أنَّ يجنب القبائح كذلك)([370]).
ومما يعاضد هذا القول، هو: (وأما القبائح الأخرى فإنّ دليل التنفير يؤمن عن جميعها، لأنّ من يجوز وقوع القبائح منه، فلا يرغب في القبول عنه ولا تميل نفوسنا إلى الإقتداء به ولما كان الغرض في إرسال الرسل والاقتداء بهم والقبول عنهم والتأسي بفعلهم وقولهم وجب أنَّ يكون الرسول منزهاً عن كل ما ينفر عنه ويتعذّر منه)([371]).
وعليه فكان المعجز قد وقع وأيد مدعي النبوّة والرسالة على أتم وجه وأكمل صورة، إذ يقبح عقلاً أنَّ يبعث الله تعالى أو يوسط بنيه وبين خلقه من هو كاذب غير أمين.
ومما اتفق عليه المفيد والطوسي والمرتضىرحمهم الله في وجوب عصمة الأنبياء عليهم السلام من القبائح جميعها صغيرها وكبيرها قبل النبوة وبعدها عملاً وسهواً([372])، إذ إنّه استدل بجمالية العقل وكماله في أنَّ القبيح إذا كان كذباً فإنّه
[369]ظ: الحلّي: كشف المراد 375، المجلسي بحار الأنوار 17: 109.
[370]قطب الدين النيشابوري، التعليق في علم الكلام 172.
[371]ظ: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد 260، دار الأضواء، بيروت – لبنان، ط 2، 1409 هـ - 1986 م.
سيؤدي إلى أنّ الله تعالى سيصدق الكذابين، وتصديق الكذابين قبيح ولا يجوز على الله تعالى وأما جميع القبائح الأخرى غير الكذب، فإنّنا لو جوّزناها عليهم فهذا يعني جواز أنَّ يبعث الله نبياً يأمرنا باتباعه، في حين هو على صفة تنفر الناس عنه ثم أنّه استعار عبارات المرتضى رحمه الله نفسها التي قال فيها: ولهذا جنب الله تعالى الأنبياء عليهم السلام الفظاظة والخلق المشينة والأمراض المنفرة لما كانت هذه الأشياء منفرة بالعادة([373]).
من هنا نكشف أنّ كل ما يقدح في صاحب هذا المقام، يقدح في الامتثال ويزحزحه، فلابد أنَّ يكون المعصوم مؤيداً بالبعد عن جميع ما يكون منفراً عنه مبعداً، ولعلّ هذا أقرب للوقوع من إظهار المعجز.
الدليل الثاني: امتناع إيذاء المعصوم عليه السلام
إنّه لو جاز للمعصوم أنَّ يعصي لوجب إيذاؤه والتبرؤ منه، لأنّه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن الله تعالى نص على تحريم إيذاء المعصوم عليه السلام فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً} (الأحزاب / 57).
وفي ذلك يقول العلامة الحليرحمه الله (إنّه إذا فعل معصية وجب الإنكار عليه لعموم وجوب النهي عن المنكر وذلك يستلزم إيذاءه وهو منهي عنه وكل ذلك محال)([374]).
[372]المصدر نفسه 260 – 261 ظ: ظ: العلاّمة الحلّي أبو منصور الحسن بن يوسف المطهرّ (ت 726 هـ)، مناهج اليقين 447، تحقيق يوسف الجعفري، انتشارات دار الأسوة ط1، 1415 هـ.
[373]كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد 376، ظ: العلامة الحلي، مناهج اليقين 426.
وما نلاحظهُ كذلك عند نور الله التستري (ت 1019 هـ) من ردّه على أدلة منكري عصمة الأنبياء عليهم السلام دليل على عصمتهم عليهم السلام من خلال انتفاء صدور الذنب عنهم فهو يرى (إن صدر عنهم ذنب وجب زجرهم وتعنيفهم لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإيذائهم حرام إجماعاً ولو أذنبوا لدخلوا أيضاً تحت قوله تعالى:
{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} (الجن / 23).
وتحت قوله تعالى: {أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} (هود / 18).
وتحت قوله تعالى لوماً وذمةً {لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} (الصف / 2).
وقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} (البقرة / 44).
فيلزم كونهم موعودين بعذاب جهنم وملومين ومذمومين، وكل ذلك باطل إجماعاً وهذا الدليل يدل على عصمتهم من كل الذنوب وغيرها أيضاً)([375]).
وينطلق الفخر الرازي في إثبات العصمة لهم عليهم السلام من مبدأ انتفاء جواز زجر الأنبياء عليهم السلام إذ قال: (لو صدر الذنب عنهم لوجب زجرهم، لأنّ الدلائل دالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن زجر الأنبياء عليهم السلام غير جائز لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً} (الأحزاب/57) فكان صدور الذنب عنهم ممتنعاً)([376]).
[374]ظ: نور الله الحسيني المرعشي التُستري (ت 1019 هـ) تحقيق شهاب الدين النجفي المرعشي 2: 202 منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، إيران – قم (ب ت ط).
[375]عصمة الأنبياء 10.
ولا يبتعد السيد عبد الله شبررحمه الله عمن سبقه في امتناع إيذاء النَّبي لانتفاء جواز ذلك فانطلق بهذا لإثبات العصمة لهم عليهم السلام قال: (إنّه لو جاز أنَّ يعصي لوجب إيذاؤه والتبرؤ منه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن الله تعالى نص على تحريم إيذاء النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً}([377]) (الأحزاب/57).
الدليل الثالث: الاحتياج للمعصوم
من الأدلة العقلية التي تثبت بحق عصمة الأنبياء عليهم السلام هو احتياج الأمة ووجود المعصوم فالعلة التي أحوجنا إلى وجود النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأرض هي نفي عصمة الخلق لأنّهم لو كانوا معصومين لم يحتاجوا إلى الأنبياء عليهم السلام فلو كان الأنبياء عليهم السلام غير معصومين لكانوا محتاجين إلى غيرهم لوجود علة الحاجة فيهم، فيكون الكلام في غيرهم كالكلام فيهم فيؤدي إلى وجود أنبياء لا نهاية لهم فيبطل، فثبت وجوب عصمتهم، وهذا المعنى ما يفهم من خلال التدبرّ في شرح العلاّمة الحلي لكلام الطوسيرحمهما الله المستدل على وجوب العصمة بامتناع التسلسل([378]).
وإن كان كلامه في الإمام إلاّ أنّ هذا يمكن تسريه إلى الأنبياء عليهم السلام لاشتراكهم في صفة (العصمة) وللوقوف على شرح ذلك ما نجده عند العلامة
[376]حق اليقين ض1: 91.
[377]ظ: كشف المراد 390، ظ: العلامة الحلي رحمه الله مناهج اليقين 426.