بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 167

منه عصياناً أو خطأ أو لا يجب، فإن وجب اتباعه فقد جوزنا فعل المعاصي برخصةٍ من الله تعالى، بل أوجبنا ذلك وهذا باطل بضرورة الدين والعقل، وإن لم يجب اتباعه فذلك ينافي النبوّة التي لابد أنَّ تقترن بوجوب الطاعة أبداً)([387]).

ومن هذا يظهر أنّ النّبي لا تنفك عنه العصمة لضرورة الاتباع والإقتداء به لأنّه الهادي للحق ولأنّ غايته الرسالة والغرض منها هو حفظ الأمة وصونها من الإنحراف وهذا لا يكون إلاّ بكون حامل الرسالة منزهاً عن كل ما يورث الريب والشك في صدقه والابتعاد عن دعواه، فلم يبق إلاّ أنَّ يكون معصوماً من دون غيره الذي هو محط لحدوث المنكرات صغيرها وكبيرها.

الدليل الخامس

ما ذُكر من أنّ الأنبياء لو أذنبوا لردت شهادتهم إذ لا شهادة للفاسق بالإجماع واللازم باطل بالإجماع، لأنّ ما لا تقبل شهادته في القليل الزائد من متاع الدنيا كيف تسمع شهادته في الدين القيّم إلى يوم القيامة([388]).

[386]ظ: الشيخ محمد رضا المظفر، عقائد الإمامية: 54، مؤسسة أنصاريان، ط 6، إيران – قم 1424 هـ - 2003 م.

[387]ظ: إحقاق الحق 2: 200، ظ: الفخر الرازي، عصمة الأنبياء 9، عبد الله شبر،حق اليقين 1: 92.


صفحه 168

المبحث الثاني: القول بالعصمة الجزئية للأنبياء عليهم السلام وأدلتهم

المطلب الأول: الأدلة النقلية

أولاً: الأدلة القرآنية

هناك طوائف من الآيات المباركات تمسك بها عدد من المخطئة لعصمة الأنبياء عليهم السلام بما يوهم بادئ النظر أنّها تخالف آيات العصمة تذرّعت بها بعض الفرق الإسلامية التي جوّزت المعصية على الأنبياء بصورها المختلفة، وهي على طوائف عدّة، نكتفي بإيراد نماذج من هذه الآيات الكريمات.

الأولى:ما يمس ظاهرها عصمة جميع الأنبياء عليهم السلام.

الثانية:ما يمس عصمة عدد منهم عليهم السلام.

الثالثة:ما يمس ظاهرها عصمة نبيّنا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

الطائفة الأولى: ما يمس ظاهرها عصمة الأنبياء جميعهم عليهم السلام

منها: قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (يوسف / 110).


صفحه 169

استدل القائل بنفي وجود العصمة في الأنبياء عليهم السلام بظاهر الآية بأنّ الضمائر الثلاثة في قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} (يوسف/110) ترجع إلى الرسل ومفاد الآية أنّ رسل الله سبحانه وتعالى وأنبياءه عليهم السلام كانوا ينذرون قومهم، وكان القوم يخالفونهم أشد المخالفة، وكان الرسل يعدون المؤمنين بالنصر عن الله والغلبة ويوعدون الكفّار بالهلاك والإبادة لكن لما تأخر النصر الموعود وعقاب الكافرين {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} (يوسف/110) فيما وعدوا به من جانب الله من نصر المؤمنين وإهلاك الكافرين، ومن المعلوم أنّ هذا الظن سواء أكان بصورة الإذعان واليقين أم بصورة الزعم والميل إلى ذلك الجانب، اعتقاد باطل لا يجتمع مع العصمة، التي هي خلاف الظن وفوق كل شبهة.

درس الزمخشري هذه الآية المباركة بعرض رواية عن ابن عباسرحمه الله إذ روي عنه من أنّ الرسل لما ضعفوا وغلبوا ظنّوا أنّهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر، وقال كانوا بشراً، وتلا قوله: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} (البقرة / 214).

فيرى الزمخشري أنّ صح هذا القول عن ابن عباس، فقد أراد بالظن ما يخطر بالخلد ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية وأما الظن الذي هو ترجيح أحد الجائزين على الآخر، فغير جائز على رجل من المسلمين، فما بال رسل الله الذين هم أعرف الناس بربهم، وأنّه متعال عن خلف الميعاد منزه عن كل قبيح([389]).

ورؤية الزمخشري هذه مجانبة للحقيقة بعض الشيء، لأنّ في كلامه هذا ما لا

[388]ظ: الكشاف 2: 480.


صفحه 170

يناسب مقام الأنبياء عليهم السلام إذ فسرّ الظن بما خطر في الذهن من تلك الحاجة وحديث النفس الذي يعرض لكل بشر.

وأما الفخر الرازي فقد قرأ في الآية بوجهين، تارة بتخفيف (كذبوا) وأخرى بتشديدها.

أما الأول:أنّ الظن واقع بالقوم، أي حتى إذا استيأس الرسل من إيمان القوم فظن القوم أنَّ الرسل كذبوا فيما وعدوا من النصر والظفر.

أما الثاني:أنَّ يكون المعنى أنّ الرسل ظنوا أنّهم قد كذبوا فيما وعدوا وأما القراءة بالتشديد فكذلك تحمل وجهين:

(1) أنّ الظن بمعنى اليقين، أي وأيقنوا أنّ الأمم كذبوهم تكذيباً لا يصدر منهم الإيمان بعد ذلك فحينئذٍ دعوا عليهم.

(2) أنَّ يكون الظن بمعنى الحسبان والتقدير حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم فظن الرسل أنّ الذين آمنوا بهم كذبوهم، وهذا التأويل منقول عن عائشة وهو من أحسن الوجوه المذكورين في الآية ([390]).

ومنها: قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَان ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (الحج / 52).

تمسك القائلون بنفي العصمة المطلقة للأنبياء عليهم السلام بدلالة هذه الآية على إلقاء الشيطان في أُمنية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو النبيّ بالتدخل في الوحي النازل عليه فيغيره إلى غير ما نزل به، مستندين في ذلك إلى رواية واهية

[389]ظ: مفاتيح الغيب 8: 226، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 5: 186 ,


صفحه 171

في سبب نزولها أظلت كثيراً من المفسرين. فالأمنية في القرآن قد تأتي ويراد منها التلاوة والقراءة، على ما أشار إليه الراغب الأصفهاني في قوله: {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} (الحج/ 52) أي: في تلاوته([391]).

ومن مدخل الأمنية هذا يلج بعض المفسرين ليطعن في خلاله بعصمة الأنبياء عليهم السلام وقالوا إن المراد من الآية هو أنّ ما من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنى وتلا الآيات النازلة عليه، تدخل الشيطان في قراءته فأدخل فيها ما ليس منها، واستشهدوا لذلك بما رواه الطبري عن مُحَمَّد بن كعب القرضي، ومُحَمَّد بن قيس قالا: جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في نادٍ من أندية قريش كثير أهله فتمنى يومئذ أنَّ لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه، فأنزل الله عليه: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (النجم / 1-2).

فقرأها صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا بلغ {أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} (النجم 19-20).

ألقى عليه الشيطان كلمتين: ((تلك الغرانقة العلى، وأن شفاعتهن لترتجى)) فتكلم بها ثم مضى فقرأ السورة كلها فسجد في آخر السورة وسجد القوم جميعاً معه، ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود فرضوا بما تكلم به وقالوا قد عرفنا: أنّ الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويزرق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده إذا جعلت لها نصيباً فنحن معك، قالا: فلما أمسى أتاه جبرائيل عليه السلام فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين، فقال رسول الله صلى

[390]ظ: المفردات في غريب القرآن، مادة (منى) 870.


صفحه 172

الله عليه وآله وسلم افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل فأوحى الله عليه {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} (الإسراء/ 73-75)، فما زال مغموماً مهموماً حتى نزلت عليه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَان ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (الحج / 52)، قال فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة أنّ أهل مكة قد أسلموا كلهم فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا: هم أحب إلينا فوجدوا قد ارتكوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان([392]).

ومع وهن الرواية وانتفاء لياقتها بنبي الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وضعفها إلاّ أنّ الزمخشري أخذ بها مع علمه بمنافاتها لصريح القرآن الكريم وهو ينصّ {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم 3-4) يرى أنّ الشيطان وسوس إليه بما يشيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط إلى أنَّ قال (تلك الغرانيق العلى، وأن شفاعتهن لترتجى)([393]).

ثم أنّه بعد ذلك يرى أنّ كل هذا كان تمكين الشيطان من ذلك محنة وابتلاء من الله له، لأنّ الرسل والأنبياء من قبله كانوا كذلك إذا تمنوا مثل ما تمنى، مكن الله الشيطان ليلقي في أمانيهم مثل ما ألقى في أمنيته([394]).

ولكن الفخر الرازي يرى أنّ الرواية عند أهل التحقيق باطلة وموضوعة

[391]ظ: تفسير الطبري 17: 131، مختصر تفسير ابن كثير 2: 562.

[392]الكشاف 3: 167.

[393]المصدر نفسه 3: 167.


صفحه 173

بحيث احتجوا عليها بالقرآن والسنّة المعقول([395]).

ولكنه يقول بعد ذلك (لا يبعد أنّه إذا قوى التمنيّ اشتغل الخاطر به فيحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسببه فيصير ذلك فتنة للكفار([396]).

وبعد أنَّ ينقل القرطبي التجاذبات عن الحديث بين مؤيد ورافض له يستحسن ما أوردهُ القاضي عياضّ في شفائه بعد أنَّ ذكر الدليل على صدق النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وإجماع الأمة على عصمته في التبليغ،حيث إنّه يشكل على الحديث بمأخذين: أحدهما في توهين أصل الحديث، والثاني: على فرض صحته فيرى في الجانب الأول أنّ الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا روي بسند صحيح سليم متصل وإنّما أولع به المولع بكل غريب من المفسرين.

وأما المأخذ الثاني المبني على تسليم الحديث لو صح أجاب عنه أئمة المسلمين بجوابات أرجحها أنّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أمره ربه بترتيل القرآن ترتيلاً وتفصيل الآي تفصيلاً في قراءته، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكنات ودسّه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات محاكياً نغمة النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم بحيث يسمعه من دنى إليه من الكفار، فظنوها من قول النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وأشاعوها([397]).

وهذا في الواقع ضرب من الخيال أنَّ يأتي الشيطان ويتحدث ويسمعه الناس فيمتزج صوته مع صوت النَّبي حتى يظنون أنّ القائل هو النَّبي صلى الله

[394]التفسير الكبير 23: 44.

[395]المصدر نفسه 23: 48.

[396]ظ: الجامع لأحكام القرآن 6: 58.


صفحه 174

عليه وآله وسلم.

الطائفة الثانية: ما يمس ظاهرها عصمة بعض الأنبياء عليهم السلام

نحاول هنا أنَّ ندرس نماذج من الآيات التي استدل بها المخطئة لعصمة الأنبياء عليهم السلام وإلاّ فالآيات كثيرة ونحن في غنى عن ذكرها للاختصار.

الأول: ما يتعلق بنبي الله آدمعليه السلام

(1) قوله تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} (طه / 121).

قالوا هذا تصريح بوقوع المعصية المستتبعة للعتاب واللوم، والتي لا تكون إلاّ قبيحة، وأكده تعالى بقوله {فَغَوَى} والغيّ ضد الرشد، واستدلوا بها على أنّ آدم عليه السلام قد عصى ربّه وأطاع إبليس، وهذا خطأ منه كان سبباً في إخراجه من الجنة، وأنّ الله قد تعهد تخطئة آدم لحكمة من أجل إخراجه من الجنة حتى يعمر الأرض لأنّ الله قد خلقه لذلك.

ينقل الزمخشري في تفسيره رواية عن ابن عباس جاء فيها أنّ آدم لم يتمثّل ما رسم الله له، وتخطى في ساحة الطاعة، وذلك هو العصيان وبعصيانه هذا خرج عن حد الرشد إلى مستوى الغي لا محالة لأنّه خلاف الرشد، ثم يسترسل الزمخشري في بيان العصيان إذ إنّه تعالى لم يقل أنَّ أدم عليه السلام أنزل أو أخطأ وإنما قال بصريح العبارة أنَّهُ {عصى} فيرى في هذا اللطف بالمكلفين ومزجرة بليغة وموعظة كافة وكأنّه قيل لهم انظروا واعتبروا كيف نعيت على النَّبي المعصوم حبيب الله الذي لا يجوز عليه اقتراف إلاّ الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلطة([398]).

والفخر الرازي يرى في العصيان إقترافاً كبيراً استوجب معها آدم عليه

[397]الكشاف 3: 94.