بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 181

الثالث: الآيات التي تتعلّق بنبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام

إنّ المتتبع لآيات الذكر الحكيم يرى أنَّ الله سبحانه وتعالى قد أثنى على نبيّه إبراهيم الخليل عليه السلام في كثير من الآيات التي ورد فيها ذكره ومع هذا الثناء نجد أنَّ بعض المخطئة للأنبياء عليهم السلام يريد أنَّ ينسب إليه ما لا يليق بشأنه مستدلاً بآيات توهم بأنّها في مورد العتاب واللوم له عليه السلام نورد هنا أُنموذجاً فيها:

منها: قوله تعالى {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} (الأنعام / 75-76).

قال الرازي: تمسكوا بالآية من وجوه نورد هنا الوجه الأول منها اختصاراً على موضع الحاجة:

الشبهة الأولى: قوله تعالى حاكياً عن إبراهيم عليه السلام {قَالَ هَذَا رَبِّي} (الأنعام/76)، فلا يخلوا إما أنَّ يقال: إنّه قال هذا الكلام في النظر والاستدلال، أو بعده، فإن كان الأول كان قطعه بذلك مع تجويزه أنَّ يكون الأمر بخلافه إخباراً عما يجوز المخبر كونه كاذباً فيه، وذلك غير جائز وإن كان الثاني كان ذلك كذباً قطعاً، بل كفر قطعاً، ثم يجيب عليه بعد ذلك قيل إنّه من كلام إبراهيم قبل البلوغ، فإنّه لما خطر بباله، قبل بلوغه حد التكليف، إثبات الصانع فتفكر فرأى النجوم، فقال: {هَذَا رَبِّي} فلما شاهد حركتها قال: لابد أنَّ تكون ربّاً، وكذا الشمس والقمر فبلغه الله تعالى في ذلك حد التكليف، فقال: {إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} (الأنعام/78) وإنما بلغ ذلك في النجوم والشمس والقمر لما


صفحه 182

فيه من العلوم والنور([410]).

ثم إنّ الرازي يرجح أنَّ يكون قول إبراهيم عليه السلام هذا كان على وجه الاعتبار والاستدلال لا على وجه الإخبار ولذلك فإنّ الله تعالى لم يذم إبراهيم عليه السلام ([411]).

ويرى البيضاوي أنَّ قوله هذا كان باعث الاستدلال على قومه لإرشادهم للحق وإبعادهم عن الظلام لأنّ البيضاوي يرى أنّ أباه وقومه كانوا يعبدون الأصنام والكواكب فأراد أنَّ ينبههم عن ضلالتهم ثم أنّه يرى أنَّ ما وقع من إبراهيم عليه السلام كان زمان المراهقة أو أبان البلوغ([412]).

ويبدو أنَّ هذا وإن كان فيه نوع تنزيه للنّبي عليه السلام إلاّ أنّه من جانب آخر يطعن في عصمته من جهة كفر أبيه أنَّ ثبت أنّه أبوه وفي جانب آخر يكيل الطعن من أنَّ النّبي زمن المراهقة ليس له سيطرة على فكره وعقيدته وهذا باطل لأنّ إبراهيم عليه السلام من المصطفين الأخيار والمجتبين الأبرار المصونين قبل النبوة وخلالها.

وفي التسهيل يرى أحد الوجهين أمّا أنَّ يكون ما صدر منه قبل التكليف أو بعده والثاني يكون معه قوله على سبيل الرد عليهم والتوبيخ لهم([413]).

وكلا الوجهين قد لا يصح لأنّه لا فرق في كونه مسدداً بالوحي سواء قبل البلوغ أو بعده فهو لا ينطق عن هوى.

[409]ظ: عصمة الأنبياء 28 – 29.

[410]المصدر نفسه 29.

[411]ظ: تفسير البيضاوي 7: 29.

[412]ظ: محمد بن أحمد جزي الغرناطي (ت741 هـ) 1: 266.


صفحه 183

ومثله ما يحكيه في الجواهر الحسان عن ابن عباس إذ يرى أنَّ هذا واقع حال صباه وقيل بلوغه سنّ التكليف ويحتمل كذلك أنّها وقعت بعد بلوغه وكونه مكلفاً([414]).

في حين يرى صاحب مراح لبيد أنَّ هذا منه كان على وجه المجاراة مع قومه لأنّهم كانوا يعبدون الأصنام والكواكب([415]).

وهذا غير لائق بساحته عليه السلام لأنّه لا يجاري أحد على حساب الهدى فالأنبياء مسلكهم واضح وطريقهم قويم لا اعوجاج فيه ولا مهادنه لأنّهم يمثلون الصراط القويم والموقف الحق.

الرابع: الآيات التي تتعلّق بنبي الله موسى عليه السلام

قال تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ* قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ} (القصص / 15-17).

استدل المخطئون لعصمة الأنبياء بهذه الآية المباركة فذهبوا بها مذاهب شتى قاصدين من وراء ذلك إظهار النقص للأنبياء عليهم السلام وإنّه ليس من المستبعد أنَّ يظهر منهم جرائم وآثام تصل إلى مستوى القتل بحيث يجرّ ذلك لهم اللوم والعتاب من الله تعالى.

[413]ظ: عبد الرحمن الثعالبي 1: 494.

[414]ظ: محمد بن عمر الجاوي، مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد 1: 328.


صفحه 184

وهذا المعنى نقرأه عند الزمخشري إذ ذهب إلى أنَّ موسى عليه السلام عندما نسب قتل الكافر إلى عمل الشيطان وسماه ظلماً لنفسه واستغفر منه؟ لأنّه قتل قبل أنَّ يؤذن له في القتل فكان ذنباً يستغفر منه، ثم أنّه يؤيد ما ذهب إليه بقول ابن جريح من أنّه ليس لنبي أنَّ يقتل ما لم يُؤمر([416]).

وأما الفخر الرازي فنقل أنَّهُ قد احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء عليهم السلام من وجوه([417]):

(أحدها):إنّ ذلك القبطي أمّا أنَّ يقال إنّه كان مستحق القتل أو لم يكن كذلك، فإن كان الأول فلم قال {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} (القصص/15) ولم قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ} (القصص/16) ولِمَ قال في سورة أخرى {فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ} (الشعراء / 20)، وإن كان الثانيَ وهو أنَّ ذلك القبطي لم يستحق القتلِ كان قتله معصية وذنباً.

(ثانيها):إنَّ قوله: {وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} (القصص/15) يدل على أنّه كان كافراً حربياً فكان دمه مباحاً فلِمَ استغفر عنه، والاستغفار عن الفعل المباح غير جائز لأنّه يوهم في المباح كونه حراماً.

(ثالثها):إنّ الوكز لا يقصد به القتل ظاهراً فكان ذلك القتل قتل خطأ، فلِمَ استغفر منه.

وأجاب الرازي عن ذلك:

أمّا الأول: فلا يجوز أنَّ يقال إنّه كان لكفره مباح الدم، أما قوله: {هَذَا

[415]الكشاف 3: 402، ظ: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 7: 170.

[416]عصمة الأنبياء ص 89.


صفحه 185

مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} (القصص/15) ففيه وجوه: أحدها: لعلّ الله تعالى وأن أباح قتل الكافر إلاّ أنّه قال الأولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر، فلمّا ترك المندوب من عمل الشيطان([418]).

وهذا الوجه ضعيف سواء بصيغة الرازي أم ما نقل عن ابن جريج، لأنّه مبني على كون القتل عمداً وهو لم يثبت وعلى فرض العمد فالعدو كان مستحقاً للقتل وليس في الآيات أيُّ إشارة إلى أنّه عليه السلام قد عمل في ذلك ليكون الاستعمال من عمل الشيطان كما أنّه على فرض استحقاق القتل فهذا يعني أنَّ الأمر موجود فكيف ذهبوا إلى أنّه لم يؤمر بذلك.

الخامس: النَّبي الأكرم مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم

وكما هي الحال مع باقي الأنبياء عليهم السلام نجد هؤلاء المفسرين يستندون إلى كثير من الآيات القرآنية يستدلون بها على أنَّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جاز عليه الخطأ والسهو والنسيان والذنب الصغير، ومن تلك الآيات:

(الآية الأولى) قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (الأنفال / 67-68).

قالوا: إنّ الآية تدل على عتاب الله لنبيه مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وتكون على استبقاء الأسرى وأخذ الفداء بدلاً عن قتلهم، واعتبروا ذلك من أخطائه صلى الله عليه وآله وسلم الذي يرونه إخلالاً في العصمة المطلقة له.

[417]مفاتيح الغيب 24: 200 – 201، ظ: الفخر الرازي عصمة الأنبياء 89، عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الايجي (ت 656 هـ) المواقف: 8: 297، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان.


صفحه 186

ذكر البغوي في تفسيره حديثاً عن عمر بن ميمون قوله: اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يؤمر بهما: إذْنُه للمنافقين، وأخذه الفدية من أسارى بدر؛ فعاتبه الله([419]).

ويبدو أنَّ هذا مخالفاً لقوله تعالى في حق نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى} (النجم/3) أما الزمخشري فيرى أنَّ ذلك خطأً في الاجتهاد؛ لأنهم نظروا في أنَّ استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم وتوبتهم، وأن فداءهم يتقوّى به على الجهاد في سبيل الله وخفي عليهم أنَّ قتلهم أعز للإسلام واهيب لمن وراءهم وأقل لشوكتهم([420]).

وهنا الزمخشري لم ينزّه في هذه القضية غير أبي بكر وسعد بن معاذ كما هو في تفسيره الكشّاف، فخطّئ النَّبي كأحد الصحابة ثم أنّه أبلغ في تخطئة النّبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (فخفي عليهم) وهل يخفى على رسول الله خافية وهو مسدد بروح القدس في كل آن.

ويرى الفخر الرازي أنّهم تمسكوا بالاستدلال على خطأ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم من ثلاث أوجه:

(الأول) قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} (الأنفال/67) وذلك يقتضي استبقاء الأسرى محرماً.

(الثاني) قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} (الأنفال/67) وذلك مذكور

[418]ظ: أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي (ت514 هـ) تفسير البغوي أو معالم التنزيل 2: 251، ظ: أبو بكر جابر الجزائري أيسر التفاسير 4: 329، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط 1، 1416هـ - 1995م، ظ: الصابوني صفوة التفاسير 1: 477.

[419]ظ: الكشاف 2: 225.


صفحه 187

في معرض الذم.

(الثالث) قوله تعالى: {لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (الأنفال/68).

وفي معرض الرد يرى الرازي أنَّ العتاب كما يأتي على ترك الواجب فقد يأتي على ترك الأولى أيضاً والأولى في ذلك الوقت الاثخان وترك الفداء قطعاً للاطماع وحسماً للنزاع ولولا أنَّ ذلك من باب الأولى لما فوض النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك على الأصحاب، وهذا هو العذر عن قوله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى}(الأنفال/67).

فأما قوله: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} (الأنفال/67) فهو خطاب جمع فيصرف ذلك إلى القوم الذين رغبوا في المال، وأما قوله: {لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ} (الأنفال/68) فمعناه لولا ما سبق من تحليل الغنائم لعذّبكم بسبب أخذكم هذا الفداء([421]).

وبعد أنَّ يرى القرطبي أنَّ الآية نزلت عتاباً وتوبيخاً لأصحابه صلى الله عليه وآله وسلم ويرى أنَّ ذكر النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها جاء نتيجة ترك تنبيهه عن ذلك في حين كره ذلك سعد بن معاذ وعمر بن الخطاب وعبد الله بن رواحه، ولكنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم شغله بغت الأمر ونزول النصر فترك النهي عن الاستبقاء([422]).

ويبدو لنا أنَّ هذا تجنياً سافراً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ

[420]ظ: عصمة الأنبياء 105 – 106.

[421]ظ: الجامع لأحكام القرآن 4: 62.


صفحه 188

إنَّ الصحابة ترى الصواب في الأمر ولا يراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنّه شغله النصر وزهوه من دونهم سفدفعه زهو الدنيا أنَّ ينسى ما به حياة أمته وبقاؤها.

(الآية الثانية) قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43).

استدلوا بهذه الآية المباركة على أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم لو لم يصدر منه الذنب لما كان هناك نوع من العفو الذي أشار إليه قوله تعالى:{لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43) فهو ظاهر في العتاب([423]).

ونقل الطوسيرحمه الله عن أبي علي الجبائي قوله: (إنّ في الآية دلالة على أنَّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم كان وقع منه ذنب في هذا الإذن..)([424]).

ويرى البيضاوي أنَّ العفو في الآية المباركة كناية عن خطائه صلى الله عليه وآله وسلم في الإذن، فإنّ العفو من روادفه ثم أنَّهُ يرى أنَّ الله سبحانه وتعالى عاتب نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم صراحة في قوله {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43) بيان لما كنى عنه بالعفو ومعاتبته عليه([425]).

ويرى الرازي أنَّ هذا تلطفاً في المخاطبة بعد أنَّ يَعْرض استدلال المخطئون للأنبياء عليهم السلام بأنّ العفو في {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} (التوبة/43) لا يكون

[422]ظ: تفسير البغوي 2: 251.

[423]ظ: التبيان 2: 226 - 227.

[424]تفسير البيضاوي 3: 148.