في معرض الذم.
(الثالث) قوله تعالى: {لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (الأنفال/68).
وفي معرض الرد يرى الرازي أنَّ العتاب كما يأتي على ترك الواجب فقد يأتي على ترك الأولى أيضاً والأولى في ذلك الوقت الاثخان وترك الفداء قطعاً للاطماع وحسماً للنزاع ولولا أنَّ ذلك من باب الأولى لما فوض النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك على الأصحاب، وهذا هو العذر عن قوله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى}(الأنفال/67).
فأما قوله: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} (الأنفال/67) فهو خطاب جمع فيصرف ذلك إلى القوم الذين رغبوا في المال، وأما قوله: {لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ} (الأنفال/68) فمعناه لولا ما سبق من تحليل الغنائم لعذّبكم بسبب أخذكم هذا الفداء([421]).
وبعد أنَّ يرى القرطبي أنَّ الآية نزلت عتاباً وتوبيخاً لأصحابه صلى الله عليه وآله وسلم ويرى أنَّ ذكر النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها جاء نتيجة ترك تنبيهه عن ذلك في حين كره ذلك سعد بن معاذ وعمر بن الخطاب وعبد الله بن رواحه، ولكنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم شغله بغت الأمر ونزول النصر فترك النهي عن الاستبقاء([422]).
ويبدو لنا أنَّ هذا تجنياً سافراً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ
[420]ظ: عصمة الأنبياء 105 – 106.
[421]ظ: الجامع لأحكام القرآن 4: 62.
إنَّ الصحابة ترى الصواب في الأمر ولا يراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنّه شغله النصر وزهوه من دونهم سفدفعه زهو الدنيا أنَّ ينسى ما به حياة أمته وبقاؤها.
(الآية الثانية) قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43).
استدلوا بهذه الآية المباركة على أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم لو لم يصدر منه الذنب لما كان هناك نوع من العفو الذي أشار إليه قوله تعالى:{لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43) فهو ظاهر في العتاب([423]).
ونقل الطوسيرحمه الله عن أبي علي الجبائي قوله: (إنّ في الآية دلالة على أنَّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم كان وقع منه ذنب في هذا الإذن..)([424]).
ويرى البيضاوي أنَّ العفو في الآية المباركة كناية عن خطائه صلى الله عليه وآله وسلم في الإذن، فإنّ العفو من روادفه ثم أنَّهُ يرى أنَّ الله سبحانه وتعالى عاتب نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم صراحة في قوله {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43) بيان لما كنى عنه بالعفو ومعاتبته عليه([425]).
ويرى الرازي أنَّ هذا تلطفاً في المخاطبة بعد أنَّ يَعْرض استدلال المخطئون للأنبياء عليهم السلام بأنّ العفو في {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} (التوبة/43) لا يكون
[422]ظ: تفسير البغوي 2: 251.
[423]ظ: التبيان 2: 226 - 227.
[424]تفسير البيضاوي 3: 148.
إلاّ بعد الذنب([426]).
ثانياً: الأدلة النقلية من السنة للقول بالعصمة الجزئية
يختلف أصحاب المذاهب الأُخَر عن الشيعة الأمامية في عصمة الأنبياء فترى أنَّ الشيعة قاطبة تذهب إلى عصمتهم عليهم السلام وأنّهم منزهون عن الصغائر والكبائر منذ الصغر وهذا ما أثبتوه في كتبهم المعتبرة نقلاً وعقلاً([427])، في حين نرى أتباع المذاهب والفرق الأخرى اتجهوا اتجاهاً معاكساً لمذهب أهل البيت عليهم السلام بالقول بنفي عصمة الأنبياء عندهم وتجويز الخطأ والسهو والنسيان وغيرها من صغائر الذنوب مما جاء في صحاحهم وكتبهم المعتبرة من روايات عدة نشير هنا إلى بعض منها تماشياً مع استيعاب الدراسة لذلك.
الأول: تكذيب الأنبياء عليهم السلام
إنّ ما أخرجته الصحاح من أنَّ الأنبياء عليهم السلام يكذبون فهو ثابت عندهم، فهذا شيخ الحديث البخاري، وإمام الحديث مسلم في كتابيهما وهما أصحّ الكتب بعد القرآن عندهم، واللفظ للبخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات اثنتين منها في ذات الله عزّ وجلّ قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} (الصافات/89) وقوله: ((بل فعله كبيرهم هذا وأن هذا سألني فأخبرته بأنّك أختي فلا تكذبيني))([428]) ومما يروى من أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: في صفة الخلق يوم القيامة: وإنهم يأتون آدم عليه السلام يسألونه الشفاعة فيعتذر إليهم، فيأتون نوحاً عليه السلام
[425]عصمة الأنبياء 106 – 107.
[426]ظ: الصدوق محمد بن علي بن بابويه (ت 381 هـ) الإعتقادات في دين الإمامية 2: 96 تحقيق، عصام محمد حسين، دار المفيد للطباعة والنشر، بيروت – لبنان، ط2، 1414 هـ - 1993 م.
[427]ظ: البخاري 597، صحيح مسلم شرح النووي 8: 104.
فيعتذر إليهم، فيأتون إبراهيم عليه السلام، فيقولون: يا إبراهيم أنت نبيّ الله وخليله اشفع لنا إلى ربّك، أما ترى ما نحن فيه؟ فيقول لهم إنَّ ربي قد غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولم يغضب بعده مثله وإنّي قد كذبت ثلاث كذبات، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري)([429]).
وهذا دليل على أنَّ الأنبياء عليهم السلام في معتقدهم يكذبون والذي يصدر منه الكذب لا يكون معصوماً، فكيف يجوز على الله تعالى أنَّ يرسل رسلاً كذابين، وروى الفخر الرازي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، قوله: إنّي سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله لساره: إنّكِ أختي وهو كذب))([430]).
ولهذا ورد في الجامع الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لم يكذب إبراهيم عليه السلام في شيء قط إلا ثلاث: قوله: (إني سقيم) ولم يكن سقيماً، وقوله لساره (أختي) وقوله: (بل فعله كبيرهم هذا)([431]).
ومما يدل على كذب الأنبياء عليهم السلام عندهم أيضاً ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: (((مررت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوم على رؤوس النخل فقال: ما يصنع هؤلاء، فقالوا يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح فقال رسول الله صلى الله عليه
[428]نهج الحق وكشف الصدق 152 – 153.
[429]ظ: عصمة الأنبياء 71.
[430]ظ: الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى بن سور (ت 279 هـ)، الجامع الصحيح 5: 301 نشر دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، 1408 هـ - 1979م.
وآله وسلم: ما أظن يغني ذلك شيئاً، قال: فأخبروا بذلك فتركوه فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني الا ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لن أكذب على الله عزّ وجلّ([432]).
والذي يبدو في ذلك أنَّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم عندهم جائز أنَّ يكذب على غير الله عزّ وجلّ.
ولهذا أخذ منها القصاصون فانتشر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([433]).
الثاني: نسيان النَّبي للصلاة وصدور السب والشتم منه صلى الله عليه وآله وسلم
منها: روى المخطئون لعصمة الأنبياء عليهم السلام أنَّ النّبي ينسى ويسهو في صلاته، قال أبو هريرة؛ صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحدى صلاتي العشيّ، قال فصلىّ بنا ركعتين ثم خرج سرعان الناس، وهم يقولون قصرت الصلاة وفي الناس أبو بكر وعمر فهابا أنَّ يكلمّاه، فقال رجل، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسميه ذو اليدين، فقال يا رسول الله: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنسَ ولم تقصر الصلاة، قال: بل نسيت يا رسول الله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على القوم فقال: أصدق ذو اليدين؟ فأومأوا أي نعم... فرجع إلى مقامه فصلّى الركعتين الباقيتين ثم
[431]ظ: مسلم 8: 98.
[432]ظ: سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت1294) ينابيع المودة 1: 17، انتشارات الشريف الرضي قم، مكي بن برهان الدين الحلبي الشافعي (ت1044 هـ) السيرة الحلبية 3: 11.
سلّم))([434]).
ومنها: ما تشير إلى أعراضه صلى الله عليه وآله وسلم عن عبادة رَبِّه وإهمالها والاشتغال عنها بغيرها من أمور الدنيا.
روى في الصحيحين أنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالناس صلاة ركعتين ودخل حجرته ثم خرج لبعض حوائجه، فذكرّه بعض فأتمها([435]).
وذهبوا إلى أبعد من ذلك حين جوّزوا صدور السب والشتم منه صلى الله عليه وآله وسلم إلى بعض أصحابه، أخرج السيوطي في حديث صحيح قوله صلى الله عليه وآله وسلم:
((إنّما أَنَا بشر، وأني اشترطت على رَبِّي عَزّ وجلّ: أي عبد من المسلمين شتمته أو سببته أنَّ يكون ذلك له زكاة وأجراً))([436]) فكيف يجوز على الله أنَّ يرسل للناس أنبياء لا يتورعون عن السب والكذب.
الثالث: النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ومزامير الشيّطان
روى النافون لعصمة الأنبياء عليهم السلام المطلقة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم يتلذذ بسماع ما مصدره الحرام ويتهاون معه ويغضّ الطرف عنه ولم يردعه.
وما يروى عن عائشة أنها قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وآله
[433]ظ: النسائي 212، صحيح مسلم بشرح النووي 3: 56.
[434]ظ: صحيح مسلم 1: 216 باب السهو في الصلاة والسجود له.
[435]جلال الدين بن عبد الرحمن السيوطي (ت911 هـ) الجامع الصغير 1: 393، دار الفكر بيروت – ط 1، 1981م.
وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: دعها، فلما غفل، غمزتهما فخرجتا([437]).
وكذا ما يروى عنها قالت – أي عائشة – وكان يوم عيد إلى قوله... تشتهين تنظرين، فقالت: نعم، فأقامني وراءه خدي على خده)([438]).
هذا ما يروى في أصح الكتب عند أهل السنة من أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم يتلذذ بسماع مزامير الشيطان حتى أنَّهُ يضع خدّه على خد عائشة وأنّ أبا بكر ينكر ذلك عليهم أليست هذه المزامير من عمل الشيطان؟ وإن كانت كذلك فكيف يرضى النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم بعمل الشيطان، وفي هذا دلالة واضحة على انتقاصهم للأنبياء عليهم السلام ونفي تماميّة عصمتهم.
ومنها: ما روي عن بريد قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني نذرت إن ردّك الله سالماً، أنَّ أضرب بين يديك بالدف وأتغنّى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن كنت نذرت فاضربي وإلاّ فلا، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب ثم دخل عمر، فألقت الدف تحت إستها ثم قعدت عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الشيطان ليخاف منك يا عمر إنّي
[436]ظ: صحيح البخاري 179 كتاب العيدين ح 949، صحيح مسلم: 3: 154.
[437]ظ: المصدر نفسه 179، صحيح مسلم 3: 155.
كنت جالساً وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل عليٌّ وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخلت أنت يا عمر فألقت الدف([439]).
ويبدو لنا أنَّ الرواية لا تحتاج إلى عناية في كشف زيفها وفضح أمرها إذ ليس من المعقول أنَّ يكون صاحب الشريعة والمأمور على حفظها أنَّ يخالف ما أمر به أو يناقض نفسه إذ إنّهُ صلى الله عليه وآله وسلم بيّن حرمة النذر الحرام وأنه غير معتقد هذا من جهة ومن جهة أخرى أيعقل أنَّ يخشى الشيطان صحابياً مجرداً ويهرب منه ولا يخشى النَّبي الأعظم ويتجنبه بل كيف يعقل أنَّ يرضى النَّبي بالاستماع إلى المحرم الذي نهى عنه – أي الغناء – فلا يبقى إلاّ أنَّ هذه الرواية من الموضوعات للإخلال بعصمة الأنبياء عليهم السلام.
الرابع: النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وصلاة الصبح
ومما نسبه المخالفون إلى العصمة المطلقة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم قد فاتته صلاة الصبح فلم يستيقظ لها وزيادة على ذلك أنَّهُ صلى بلا وضوء، وهذا ينافي خلق القرآن وأحكامه، وهذه مثلبة عظيمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن عمران بن الحصين قال: كنت مع نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسير له فأدلجنا ليلتنا حتى إذا كان وجه الصبح عرّسنا فغلبتنا أعيننا حتى بزغت الشمس، قال: فكان أول من استيقظ منا أبو بكر، وكنا لا نوقظ نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم من منامه إذا نام حتى
[438]ظ: الترمذي في الجامع 5: 384، ظ: الإمام أحمد بن حنبل (ت 341 هـ) مسند أحمد 5: 353، دار صادر، بيروت – لبنان، العلامة عز الدين أبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير (ت 630 هـ)، أسد الغابة في معرفة الصحابة 4: 64 دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان.