السادس: الأنبياء عليهم السلام وحُبُّ النساء
ومما ينسب إلى أنبياء الله سبحانه في معتقد النافين للعصمة المطلقة لهم عليهم السلام ما لا يدركه العقل، فقد جاء في صحيح البخاري عن انس بن مالك قال: كان النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذٍ تسع نسوةٍ([445]).
وأما ما جاء عن نبيّ الله سليمان عليه السلام فأعظم من ذلك، روى البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال سليمان بن داود عليه السلام لأطوفن الليلة بمئة إمرأةٍ، تلدُ كلُّ إمرأةٍ غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك قل: إن شاء الله، فلم يقل ونسي، فأطاف بهن، ولم تلد منهم إلا امرأةً نصف إنسان قال النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته))([446]).
هذا ما نسبه المخالفون لعصمة الأنبياء إلى أنَّهم – الأنبياء عليهم السلام – كانوا حديث القوم وكانوا يخبرونهم بأخص ما يفعلونه مع نسائهم وهو من شؤون حياتهم التي أمرنا الله بالتستر فيها فأي عاقل يستسيغ لنفسه أنَّ ينسب إلى أنبياء الله هذه الأفعال التي تحط من مكانتهم (صلوات الله عليهم).
السابع: موسى عليه السلام وملك الموت
وممّا استدل به المخطئة لعصمة الأنبياء عليهم السلام على ما نسبوه إلى نبي
[444]ظ: صحيح البخاري 959 كتاب النكاح، ح 6215، صحيح مسلم بشرح النووي، 6: 100 باختلاف يسير.
[445]المصدر نفسه: 963، ظ: سنن النسائي: 656 كتاب الإيمان والنذور.
الله موسى عليه السلام من أنَّهُ لطم ملك الموت لما جاء لقبض روحه عليه السلام ففقأ عينه، فكيف يجوز أنَّ ينسب هذا إلى موسى عليه السلام مع علو مكانته وشرافته ثم أنَّهُ كيف لنبيّ الله أنَّ يوقع الأذى بملك الموت وهو مأمور من الله سبحانه بقبض روحه.
عن أبي هريرة أنَّهُ قال: (أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فلما جاءه صكّه، فرجع إلى ربّه، فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: أَرْجِع إليه، فقل له يضع يده على متن ثور، فله بما غطت يدهُ بكل شعرة سنة، قال: أي رَبّ، ثم ماذا؟ قال ثم الموت، قال: فالآن، قال: فاسأل الله أنَّ يُدنيهُ من الأرض المقدسة، رمية بحجر).
قال أبو هريرة: ((قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو كنت ثمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر))([447]).
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة... قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال له أجب ربّك. قال: فلطم موسى عليه السلام عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، وقد فقأ عيني، قال: فرّد الله إليه عينه([448]).
وكيف يجوز ذلك على موسى عليه السلام وقد اختاره الله لرسالته؟ وائتمنه على وحيه؟ وأثره بمناجاته؟ وجعله سادة رسله؟ وكيف يكره الموت
[446]ظ: صحيح البخاري 609 كتاب أحاديث الأنبياء ح 3407.
[447]ظ: صحيح مسلم بشرح النووي 8: 108.
هذا مع شرف مقامه ورغبته في القرب من الله تعالى والفوز بلقائه وما ذنب ملك الموت عليه السلام؟ وإنما هو رسول الله إليه... ([449]).
الثامن: موسى عليه السلام يغتسل عرياناً
استدلوا كذلك لتخطئة النَّبي موسى عليه السلام على أَنَّهُ اغتسل عرياناً ليرى بنو إسرائيل عورته، مع ما فيه من انتقاص لأنبياء الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} (النور/30).
روى البخاري في صحيحه في باب (من اغتسل عرياناً) عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
((كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أنَّ يغتسل معنا إلاّ أنَّهُ أدر، فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففّر الحجر بثوبه فخرج موسى في أثره يقول ثوبي يا حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا والله ما بموسى من بأس وأخذ ثوبه فطقق بالحجر ضرباً)([450]).
يقول السيد عبد الحسين شرف الدين معلقاً: (وأنت ترى ما في هذا الحديث من المحال الممتنع عقلاً فإنّهُ لا يجوز تشهير كليم الله بإبداء سوأته على رؤوس الأشهاد من قومه لأن ذلك ينقصه ويسقط من مقامه، ولاسيما إذا رأوه عارياً ينادي الحجر وهو لا يسمع ولا يبصر – ثوبي حجر، ثوبي حجر)([451]).
[448]ظ: عبد الحسين شرف الدين الموسوي، أجوبة مسائل جار الله ص 14، منشورات دار النعمان ط 3، النجف الأشرف.
[449]ظ: صحيح البخاري 37 كتاب الغسل ح 278، صحيح مسلم بشرح النووي 8: 106 – 107.
[450]أجوبة مسائل جار الله / 42.
التاسع: يوسف عليه السلام والمراودة
ومما ذهب إليه المخطئون لعصمة الأنبياء هو النيل من نبي الله يوسف الصديق عليه السلام الذي اصطفاه الله واختاره وزاده بسطة في الجمال والعلم والشرف والعفة وضربه مثالاً للخلق القويم أبعد كل هذا يأتي هؤلاء ليرموا تراث النَّبي العفيف بوابل من تشويهاتهم ومنها محاولة مراودة امرأة العزيز حسب زعمهم.
قال الزمخشري: (وقد فسّرَ هَمُّ يوسف عليه السلام بأنَّهُ حل الهميان وجلس منها مجلس المجامع، وبأنّه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مُستلقية على قفاها، ثم بعد ذلك يذكر تفسير البرهان ويقول بان يوسف سمع صوتاً إياك وإياها فلم يكترث له،فسمعه ثانياً فلم يعمل به، فسمع ثالثاً أعرض عنها فلم ينجح فيه، حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته، ثم يقول: وقيل ضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله([452]).
والذي يتدبرّ في هذه الخرافة تنجلي له صورة الزيف والكذب الموسومة بالنبي الأكرم على الله، إذ إنّه نبي العفاف ومثال الشرف فكيف يعقل أنَّ يصدر منه كل هذا وهو الذي يحارب الزنا وكل عمل باطل.
المطلب الثاني: الأدلة العقلية للقائلين بالعصمة الجزئية للأنبياء عليهم السلام
يختلف القائلون بالعصمة الجزئية للأنبياء عليهم السلام عمن قال بالعصمة المطلقة لهم عليهم السلام، فهناك اتجاهان متعاكسان كل له دليله العقلي في ذلك يشتركان في أنَّ الأنبياء عليهم السلام لا يمتازون بالعصمة
[451]ظ: الكشاف 2: 430 – 431، ظ: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 5: 114.
المطلقة وإنما يرد عليهم ما يرد على غيرهم من بني البشر على الرغم من كونهم أنبياءً أو رسلاً عليهم السلام.
وقد نقل ابن حزم اختلافهم في ذلك فقال: (اختلف الناس هل تعصي الأنبياء أم لا؟ فذهبت طائفة إلى أنّ رسل الله عليهم السلام يعصون الله تعالى في جميع الكبائر والصغائر عمداً حاشا الكذب في التبليغ فقط، وهذا قول الكرامية من المرجئة، ويقول ابن الطيّب والباقلاني من الاشعرية ومن اتبعه وهو قول ذهبت إليه اليهود والنصارى من قبل، وسمعت من يحيى عن بعض الكرامية أنَّهم يجيزون على الرسل عليهم السلام الكذب في التبليغ أيضاً، وأما هذا الباقلاني فإنّا رأينا في كتاب صاحبه أبي جعفر السماني قاضي الموصل أنَّهُ كان يقول: إن كل ذنب دق أو جل فإنّه جائز على الرسل حاشا الكذب في التبليغ فقط، فقال: وجائز عليهم أنَّ يكفروا..)([453]).
ويبدو أنَّ هذا هو منطق كل من ذهب إلى إمكان صدور الذنب من المعصومين عليهم السلام وهو الذي دعى الغزالي، إلى تبنيّ هذه الفكرة إذ إنّه يورد اختلاف الفقهاء في المسألة فيقول: أما جوازه - أي صدور الذنب - فقد أطبقت المعتزلة على وجوب عصمة النَّبي عليه السلام عقلاً عن الكبائر تعويلاً على أنَّهُ يورث التنفير وهو مناقض لغرض النبوّة ثم بعد ذلك أنَّهُ يختار ما يتبناه فيقول:
(والمختار ما ذكره القاضي وهو أنَّهُ لا يجب عقلاً عصمتهم إذ لا يستبان استحالة وقوعه بضرورة العقل ولا ينظر العقل وليس هو مناقضاً لمدلول المعجزة، فإنّه مدلول صدق اللهّجة فيما يخبر عن الله تعالى فلا جرم ولا يجوز وقوع الكذب
[452]ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل 4: 2، دار المعرفة، بيروت – لبنان، ط2، 1395 هـ، 1975 م.
فيما يخبر به عن الرّب تعالى)([454]).
وهذا ما ينكره على الشيعة، إذ إنهم اجمعوا على أنَّ الأنبياء لا يخطئون ولا يعتريهم السهو والنسيان وهم مجمعون على أنهم معصومون في أمور الدين والدنيا([455]).
ومنهم من يقول بوجوب أنَّ يكون النَّبي معصوماً من القبائح صغيرها وكبيرها قبل النبوة وبعدها على طريق العمد والنسيان وعلى كل حال([456]).
ومن الأدلة على ذلك:
(1) ما يستدل القاضي عبد الجبار حينما ينسب المعصية للأنبياء عليهم السلام من جهة ارتكابهم الصغائر، لأنّه يعلل ذلك بأنّ الصغائر ليس لها حظ إلاّ في تقليل الثواب من دون التنفير، لانّ قلة الثواب ممّا لا يقدح في صدق الرسل ولا في القبول منهم([457]).
وهذا ما فيه من فداحة القول تجاه العصمة التي امتاز بها أنبياء الله ورسله عليهم السلام إذ أنَّ صدور الذنب ولو صغيراً منهم يوجب زوال الثقة بصدق أقوالهم.
[453]ظ: أبو حامد بن محمد الغزالي (ت 505 هـ)، المنخول في علم الاصول، تحقيق محمد حسين هيتو، دار الفكر المعاصر، بيروت – لبنان، ط 3، 1419 هـ 1998 م.
[454]ظ: العلامة جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي (ت672 هـ).
[455]ظ: الشريف المرتضى علم الهدى (ت436 هـ)، الذخيرة في علم الكلام ص 338 مؤسسة النشر الإسلامية 1411 هـ - 1991 م، محمد بن الحسن الطوسي (ت460 هـ) الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد ص 60.
[456]ظ: عبد الجبار بن أحمد الهمذاني شرح الأحوال الخمسة 575.
(2) وفي المواقف يرى أنَّهُ قد أجمع أهل الملل والشرائع على عصمتهم عن تعمد الكذب فيما دلت المعجزة على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله تعالى وفي جواز صدورهم عنهم على سبيل السهو والنسيان خلاف فمنعه الأستاذ وكثير من الأئمة لدلالة المعجزة على صدقهم وجوّزه القاضي أبو بكر الباقلاني([458]).
(3) وممّا استدّل به أيضاً على نفي عصمتهم عليهم السلام عقلاً ما ذكره الإحسائي إذ نسب القول على بعض الناس فقال: (ومن الناس من لم يجوّز الكفر على الأنبياء لكنّهم جوّزوا إظهار الكفر تقية بل أوجبوه، لأنّ إظهار الإسلام إذا كان مفضياً إلى القتل كان إلقاءً للنفس إلى التهلكة وإلقاء النفس إلى التهلكة حرام لقوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة/ 195) وإذا كان إظهار الإسلام حراماً كان إظهار الكفر واجباً)([459]).
ويبدو أنَّ المستدل قد غفل عن قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ} (المائدة/67) إذ إنّ التسديد الإلهي مع الأنبياء عليهم السلام وهو الحافظ لهم وأنّه تعالى مصدر قوتهم وعزتهم ومواقف الأنبياء عليهم السلام مع سائر الظلمة يثبت ذلك هذا من جهة ومن جهة أخرى إذا أظهر النَّبي الكفر فيدل ذلك على أنَّ المجتمع المتأثر به سيصبح كافراً وهذا لا يتحمله العقل.
(4) ما ينقله الإحسائي عن الفضل بن روزبهان من (أن الإنسان لما خلق من الأرض ونشأ منها فلا يخلو عن الكدورات الترابية التي تقتضي الذنب والغفلة فكان بعض الذنوب تصدر بحسب مقتضى الطبع ولما لم يكن خلاف ملكه العصمة
[457]عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي المواقف، 263.
[458]الشيخ أحمد بن زين الدين الاحسائي، العصمة 31.
فلا مؤاخذة به)([460]).
ويبدو في عبارته نوع من التضاد والتسامح في فهم العصمة من قوله (ولما لم يكن...) لأنه كيف نتصور العصمة مع إمكان صدور الذنب منه أو الغفلة، فالعبارة فيها تأمل..
(5) واستدل كذلك في حقائق المعرفة على نفي عصمتهم عليهم السلام مطلقاً بل أنهم ينالون جزء العصمة إذ يقول فأما في سائر أفعالهم في غير بتبليغ الرسالة فإنّه يجوز عليهم النسيان والغفلة والخطأ في التأويل والعجلة وقد ذكر الله عنهم ذلك وذكر توبتهم منه وندمهم وإقلاعهم واستغفارهم ثم يقول: لا يقال أنَّ النَّبي معصوم عن المذمومات والمعاصي جميعها لأنَّهُ لو كان كذلك لم يكن له ثواب في لزمه لنفسه عن المحرّمات ولما كان محموداً في ترك إتباع الشهوات، ولما كان يوسف عليه السلام في لزمِهِ لنفسهِ عن إمرأة العزيز محموداً، وقد قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} (يوسف/24)، فصح أنَّهُ لزم نفسه عنها، لا عن عصمةٍ، ولا تقل إن الله عصمه منها.
بل نقول: إن الأنبياء مخيرّون متمكنون كغيرهم من الآدميين بل إنهم أقوى على نفوسهم وعلى لزمها من المحرمات لما شاهدوا من الدلائل والمعجزات([461]).
(6) وأما الاشاعرة فإنهم يرون أنَّ الأنبياء عليهم السلام مكلفون بترك الذنوب مثابون به ولو كان الذنب ممتنعاً عنهم لما كان كذلك، إذ لا تكليف بترك الممتنع ولا ثواب عليه، وكذلك قوله {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ}
[459]الشيخ أحمد بن زين الدين الاحسائي، العصمة 29.
[460]أحمد بن سليمان بن محمد المطهر بن علي بن الإمام الناصر، حقائق المعرفة في علم الكلام 430 – 433 مؤسسة الإمام زيد بن علي ط1، 1424 هـ - 2003 م، صنعاء - اليمن.