هذا مع شرف مقامه ورغبته في القرب من الله تعالى والفوز بلقائه وما ذنب ملك الموت عليه السلام؟ وإنما هو رسول الله إليه... ([449]).
الثامن: موسى عليه السلام يغتسل عرياناً
استدلوا كذلك لتخطئة النَّبي موسى عليه السلام على أَنَّهُ اغتسل عرياناً ليرى بنو إسرائيل عورته، مع ما فيه من انتقاص لأنبياء الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} (النور/30).
روى البخاري في صحيحه في باب (من اغتسل عرياناً) عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
((كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أنَّ يغتسل معنا إلاّ أنَّهُ أدر، فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففّر الحجر بثوبه فخرج موسى في أثره يقول ثوبي يا حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا والله ما بموسى من بأس وأخذ ثوبه فطقق بالحجر ضرباً)([450]).
يقول السيد عبد الحسين شرف الدين معلقاً: (وأنت ترى ما في هذا الحديث من المحال الممتنع عقلاً فإنّهُ لا يجوز تشهير كليم الله بإبداء سوأته على رؤوس الأشهاد من قومه لأن ذلك ينقصه ويسقط من مقامه، ولاسيما إذا رأوه عارياً ينادي الحجر وهو لا يسمع ولا يبصر – ثوبي حجر، ثوبي حجر)([451]).
[448]ظ: عبد الحسين شرف الدين الموسوي، أجوبة مسائل جار الله ص 14، منشورات دار النعمان ط 3، النجف الأشرف.
[449]ظ: صحيح البخاري 37 كتاب الغسل ح 278، صحيح مسلم بشرح النووي 8: 106 – 107.
[450]أجوبة مسائل جار الله / 42.
التاسع: يوسف عليه السلام والمراودة
ومما ذهب إليه المخطئون لعصمة الأنبياء هو النيل من نبي الله يوسف الصديق عليه السلام الذي اصطفاه الله واختاره وزاده بسطة في الجمال والعلم والشرف والعفة وضربه مثالاً للخلق القويم أبعد كل هذا يأتي هؤلاء ليرموا تراث النَّبي العفيف بوابل من تشويهاتهم ومنها محاولة مراودة امرأة العزيز حسب زعمهم.
قال الزمخشري: (وقد فسّرَ هَمُّ يوسف عليه السلام بأنَّهُ حل الهميان وجلس منها مجلس المجامع، وبأنّه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مُستلقية على قفاها، ثم بعد ذلك يذكر تفسير البرهان ويقول بان يوسف سمع صوتاً إياك وإياها فلم يكترث له،فسمعه ثانياً فلم يعمل به، فسمع ثالثاً أعرض عنها فلم ينجح فيه، حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته، ثم يقول: وقيل ضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله([452]).
والذي يتدبرّ في هذه الخرافة تنجلي له صورة الزيف والكذب الموسومة بالنبي الأكرم على الله، إذ إنّه نبي العفاف ومثال الشرف فكيف يعقل أنَّ يصدر منه كل هذا وهو الذي يحارب الزنا وكل عمل باطل.
المطلب الثاني: الأدلة العقلية للقائلين بالعصمة الجزئية للأنبياء عليهم السلام
يختلف القائلون بالعصمة الجزئية للأنبياء عليهم السلام عمن قال بالعصمة المطلقة لهم عليهم السلام، فهناك اتجاهان متعاكسان كل له دليله العقلي في ذلك يشتركان في أنَّ الأنبياء عليهم السلام لا يمتازون بالعصمة
[451]ظ: الكشاف 2: 430 – 431، ظ: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 5: 114.
المطلقة وإنما يرد عليهم ما يرد على غيرهم من بني البشر على الرغم من كونهم أنبياءً أو رسلاً عليهم السلام.
وقد نقل ابن حزم اختلافهم في ذلك فقال: (اختلف الناس هل تعصي الأنبياء أم لا؟ فذهبت طائفة إلى أنّ رسل الله عليهم السلام يعصون الله تعالى في جميع الكبائر والصغائر عمداً حاشا الكذب في التبليغ فقط، وهذا قول الكرامية من المرجئة، ويقول ابن الطيّب والباقلاني من الاشعرية ومن اتبعه وهو قول ذهبت إليه اليهود والنصارى من قبل، وسمعت من يحيى عن بعض الكرامية أنَّهم يجيزون على الرسل عليهم السلام الكذب في التبليغ أيضاً، وأما هذا الباقلاني فإنّا رأينا في كتاب صاحبه أبي جعفر السماني قاضي الموصل أنَّهُ كان يقول: إن كل ذنب دق أو جل فإنّه جائز على الرسل حاشا الكذب في التبليغ فقط، فقال: وجائز عليهم أنَّ يكفروا..)([453]).
ويبدو أنَّ هذا هو منطق كل من ذهب إلى إمكان صدور الذنب من المعصومين عليهم السلام وهو الذي دعى الغزالي، إلى تبنيّ هذه الفكرة إذ إنّه يورد اختلاف الفقهاء في المسألة فيقول: أما جوازه - أي صدور الذنب - فقد أطبقت المعتزلة على وجوب عصمة النَّبي عليه السلام عقلاً عن الكبائر تعويلاً على أنَّهُ يورث التنفير وهو مناقض لغرض النبوّة ثم بعد ذلك أنَّهُ يختار ما يتبناه فيقول:
(والمختار ما ذكره القاضي وهو أنَّهُ لا يجب عقلاً عصمتهم إذ لا يستبان استحالة وقوعه بضرورة العقل ولا ينظر العقل وليس هو مناقضاً لمدلول المعجزة، فإنّه مدلول صدق اللهّجة فيما يخبر عن الله تعالى فلا جرم ولا يجوز وقوع الكذب
[452]ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل 4: 2، دار المعرفة، بيروت – لبنان، ط2، 1395 هـ، 1975 م.
فيما يخبر به عن الرّب تعالى)([454]).
وهذا ما ينكره على الشيعة، إذ إنهم اجمعوا على أنَّ الأنبياء لا يخطئون ولا يعتريهم السهو والنسيان وهم مجمعون على أنهم معصومون في أمور الدين والدنيا([455]).
ومنهم من يقول بوجوب أنَّ يكون النَّبي معصوماً من القبائح صغيرها وكبيرها قبل النبوة وبعدها على طريق العمد والنسيان وعلى كل حال([456]).
ومن الأدلة على ذلك:
(1) ما يستدل القاضي عبد الجبار حينما ينسب المعصية للأنبياء عليهم السلام من جهة ارتكابهم الصغائر، لأنّه يعلل ذلك بأنّ الصغائر ليس لها حظ إلاّ في تقليل الثواب من دون التنفير، لانّ قلة الثواب ممّا لا يقدح في صدق الرسل ولا في القبول منهم([457]).
وهذا ما فيه من فداحة القول تجاه العصمة التي امتاز بها أنبياء الله ورسله عليهم السلام إذ أنَّ صدور الذنب ولو صغيراً منهم يوجب زوال الثقة بصدق أقوالهم.
[453]ظ: أبو حامد بن محمد الغزالي (ت 505 هـ)، المنخول في علم الاصول، تحقيق محمد حسين هيتو، دار الفكر المعاصر، بيروت – لبنان، ط 3، 1419 هـ 1998 م.
[454]ظ: العلامة جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي (ت672 هـ).
[455]ظ: الشريف المرتضى علم الهدى (ت436 هـ)، الذخيرة في علم الكلام ص 338 مؤسسة النشر الإسلامية 1411 هـ - 1991 م، محمد بن الحسن الطوسي (ت460 هـ) الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد ص 60.
[456]ظ: عبد الجبار بن أحمد الهمذاني شرح الأحوال الخمسة 575.
(2) وفي المواقف يرى أنَّهُ قد أجمع أهل الملل والشرائع على عصمتهم عن تعمد الكذب فيما دلت المعجزة على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله تعالى وفي جواز صدورهم عنهم على سبيل السهو والنسيان خلاف فمنعه الأستاذ وكثير من الأئمة لدلالة المعجزة على صدقهم وجوّزه القاضي أبو بكر الباقلاني([458]).
(3) وممّا استدّل به أيضاً على نفي عصمتهم عليهم السلام عقلاً ما ذكره الإحسائي إذ نسب القول على بعض الناس فقال: (ومن الناس من لم يجوّز الكفر على الأنبياء لكنّهم جوّزوا إظهار الكفر تقية بل أوجبوه، لأنّ إظهار الإسلام إذا كان مفضياً إلى القتل كان إلقاءً للنفس إلى التهلكة وإلقاء النفس إلى التهلكة حرام لقوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة/ 195) وإذا كان إظهار الإسلام حراماً كان إظهار الكفر واجباً)([459]).
ويبدو أنَّ المستدل قد غفل عن قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ} (المائدة/67) إذ إنّ التسديد الإلهي مع الأنبياء عليهم السلام وهو الحافظ لهم وأنّه تعالى مصدر قوتهم وعزتهم ومواقف الأنبياء عليهم السلام مع سائر الظلمة يثبت ذلك هذا من جهة ومن جهة أخرى إذا أظهر النَّبي الكفر فيدل ذلك على أنَّ المجتمع المتأثر به سيصبح كافراً وهذا لا يتحمله العقل.
(4) ما ينقله الإحسائي عن الفضل بن روزبهان من (أن الإنسان لما خلق من الأرض ونشأ منها فلا يخلو عن الكدورات الترابية التي تقتضي الذنب والغفلة فكان بعض الذنوب تصدر بحسب مقتضى الطبع ولما لم يكن خلاف ملكه العصمة
[457]عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي المواقف، 263.
[458]الشيخ أحمد بن زين الدين الاحسائي، العصمة 31.
فلا مؤاخذة به)([460]).
ويبدو في عبارته نوع من التضاد والتسامح في فهم العصمة من قوله (ولما لم يكن...) لأنه كيف نتصور العصمة مع إمكان صدور الذنب منه أو الغفلة، فالعبارة فيها تأمل..
(5) واستدل كذلك في حقائق المعرفة على نفي عصمتهم عليهم السلام مطلقاً بل أنهم ينالون جزء العصمة إذ يقول فأما في سائر أفعالهم في غير بتبليغ الرسالة فإنّه يجوز عليهم النسيان والغفلة والخطأ في التأويل والعجلة وقد ذكر الله عنهم ذلك وذكر توبتهم منه وندمهم وإقلاعهم واستغفارهم ثم يقول: لا يقال أنَّ النَّبي معصوم عن المذمومات والمعاصي جميعها لأنَّهُ لو كان كذلك لم يكن له ثواب في لزمه لنفسه عن المحرّمات ولما كان محموداً في ترك إتباع الشهوات، ولما كان يوسف عليه السلام في لزمِهِ لنفسهِ عن إمرأة العزيز محموداً، وقد قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} (يوسف/24)، فصح أنَّهُ لزم نفسه عنها، لا عن عصمةٍ، ولا تقل إن الله عصمه منها.
بل نقول: إن الأنبياء مخيرّون متمكنون كغيرهم من الآدميين بل إنهم أقوى على نفوسهم وعلى لزمها من المحرمات لما شاهدوا من الدلائل والمعجزات([461]).
(6) وأما الاشاعرة فإنهم يرون أنَّ الأنبياء عليهم السلام مكلفون بترك الذنوب مثابون به ولو كان الذنب ممتنعاً عنهم لما كان كذلك، إذ لا تكليف بترك الممتنع ولا ثواب عليه، وكذلك قوله {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ}
[459]الشيخ أحمد بن زين الدين الاحسائي، العصمة 29.
[460]أحمد بن سليمان بن محمد المطهر بن علي بن الإمام الناصر، حقائق المعرفة في علم الكلام 430 – 433 مؤسسة الإمام زيد بن علي ط1، 1424 هـ - 2003 م، صنعاء - اليمن.
(الكهف/110) يدل على مماثلتهم لسائر الناس فيما يرجع إلى البشرية والامتياز بالوحي لا غير فلا يمتنع صدور الذنب عنهم كما في سائر البشر، هذا مذهب الأشاعرة ومن تأمّل فيه علم أنَّهُ الحق الصريح المطابق للعقل والنقل([462]).
(7) اختار الغزالي مذهب القاضي عبد الجبار في نفي عصمتهم عقلاً ودليله على ذلك أنَّهُ (لا يستبان استحالة وقوعه بضرورة العقل ولا ينظره، وليس هو مناقضاً لمدلول المعجزة فإن مدلوله صدق اللهجة فيما يخبر عن الله تعالى لا عمداً ولا سهواً ومعنى التنفير باطل فإنّه يجوز أنَّ ينبيء الله تعالى كافراً يؤيده بالمعجزة)([463]).
[461]ظ: الإحسائي 39 مصدر سابق.
[462]المصدر نفسه 34.
المبحث الثالث: توجيه آيات العتاب على القول بالعصمة
لقد فصَّل كثير من مفسرّي المذاهب الإسلامية ومتكلميها بعض الآيات التي لازمت حياة الأنبياء عليهم السلام وكثر حولها الجدل لأن بعضاً من هذه الآيات المباركات أثيرت حولها كثير من الشبهات التي لها اتصال مباشرة بعصمة الأنبياء إذ قالوا: إنّ من هذه الآيات ما جاءت مورد عتاب ولوم وتقريع لبعض الأنبياء فكثر الجدل بين نافٍ هذه التوجهات والشبهات الواقعة في غير محلها وبين مثبت لها ومن ثم مانعته بانتفاء ثبوت العصمة المطلقة للأنبياء عليهم السلام فأصبح هناك فريق قائل بالعصمة المطلقة وهو ما تبناه مذهب أهل البيت عليهم السلام وفريق آخر يذهب إلى أنَّ العصمة جزئية للأنبياء وهذا الجزء كذلك اختلفوا فيه.
ومن هنا نتوقّف عند نماذج من الآيات المباركات لنماذج من الأنبياء عليهم السلام التي وقعت محل الجدل بين العلماء.