بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 202

فيما يخبر به عن الرّب تعالى)([454]).

وهذا ما ينكره على الشيعة، إذ إنهم اجمعوا على أنَّ الأنبياء لا يخطئون ولا يعتريهم السهو والنسيان وهم مجمعون على أنهم معصومون في أمور الدين والدنيا([455]).

ومنهم من يقول بوجوب أنَّ يكون النَّبي معصوماً من القبائح صغيرها وكبيرها قبل النبوة وبعدها على طريق العمد والنسيان وعلى كل حال([456]).

ومن الأدلة على ذلك:

(1) ما يستدل القاضي عبد الجبار حينما ينسب المعصية للأنبياء عليهم السلام من جهة ارتكابهم الصغائر، لأنّه يعلل ذلك بأنّ الصغائر ليس لها حظ إلاّ في تقليل الثواب من دون التنفير، لانّ قلة الثواب ممّا لا يقدح في صدق الرسل ولا في القبول منهم([457]).

وهذا ما فيه من فداحة القول تجاه العصمة التي امتاز بها أنبياء الله ورسله عليهم السلام إذ أنَّ صدور الذنب ولو صغيراً منهم يوجب زوال الثقة بصدق أقوالهم.

[453]ظ: أبو حامد بن محمد الغزالي (ت 505 هـ)، المنخول في علم الاصول، تحقيق محمد حسين هيتو، دار الفكر المعاصر، بيروت – لبنان، ط 3، 1419 هـ 1998 م.

[454]ظ: العلامة جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي (ت672 هـ).

[455]ظ: الشريف المرتضى علم الهدى (ت436 هـ)، الذخيرة في علم الكلام ص 338 مؤسسة النشر الإسلامية 1411 هـ - 1991 م، محمد بن الحسن الطوسي (ت460 هـ) الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد ص 60.

[456]ظ: عبد الجبار بن أحمد الهمذاني شرح الأحوال الخمسة 575.


صفحه 203

(2) وفي المواقف يرى أنَّهُ قد أجمع أهل الملل والشرائع على عصمتهم عن تعمد الكذب فيما دلت المعجزة على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله تعالى وفي جواز صدورهم عنهم على سبيل السهو والنسيان خلاف فمنعه الأستاذ وكثير من الأئمة لدلالة المعجزة على صدقهم وجوّزه القاضي أبو بكر الباقلاني([458]).

(3) وممّا استدّل به أيضاً على نفي عصمتهم عليهم السلام عقلاً ما ذكره الإحسائي إذ نسب القول على بعض الناس فقال: (ومن الناس من لم يجوّز الكفر على الأنبياء لكنّهم جوّزوا إظهار الكفر تقية بل أوجبوه، لأنّ إظهار الإسلام إذا كان مفضياً إلى القتل كان إلقاءً للنفس إلى التهلكة وإلقاء النفس إلى التهلكة حرام لقوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة/ 195) وإذا كان إظهار الإسلام حراماً كان إظهار الكفر واجباً)([459]).

ويبدو أنَّ المستدل قد غفل عن قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ} (المائدة/67) إذ إنّ التسديد الإلهي مع الأنبياء عليهم السلام وهو الحافظ لهم وأنّه تعالى مصدر قوتهم وعزتهم ومواقف الأنبياء عليهم السلام مع سائر الظلمة يثبت ذلك هذا من جهة ومن جهة أخرى إذا أظهر النَّبي الكفر فيدل ذلك على أنَّ المجتمع المتأثر به سيصبح كافراً وهذا لا يتحمله العقل.

(4) ما ينقله الإحسائي عن الفضل بن روزبهان من (أن الإنسان لما خلق من الأرض ونشأ منها فلا يخلو عن الكدورات الترابية التي تقتضي الذنب والغفلة فكان بعض الذنوب تصدر بحسب مقتضى الطبع ولما لم يكن خلاف ملكه العصمة

[457]عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي المواقف، 263.

[458]الشيخ أحمد بن زين الدين الاحسائي، العصمة 31.


صفحه 204

فلا مؤاخذة به)([460]).

ويبدو في عبارته نوع من التضاد والتسامح في فهم العصمة من قوله (ولما لم يكن...) لأنه كيف نتصور العصمة مع إمكان صدور الذنب منه أو الغفلة، فالعبارة فيها تأمل..

(5) واستدل كذلك في حقائق المعرفة على نفي عصمتهم عليهم السلام مطلقاً بل أنهم ينالون جزء العصمة إذ يقول فأما في سائر أفعالهم في غير بتبليغ الرسالة فإنّه يجوز عليهم النسيان والغفلة والخطأ في التأويل والعجلة وقد ذكر الله عنهم ذلك وذكر توبتهم منه وندمهم وإقلاعهم واستغفارهم ثم يقول: لا يقال أنَّ النَّبي معصوم عن المذمومات والمعاصي جميعها لأنَّهُ لو كان كذلك لم يكن له ثواب في لزمه لنفسه عن المحرّمات ولما كان محموداً في ترك إتباع الشهوات، ولما كان يوسف عليه السلام في لزمِهِ لنفسهِ عن إمرأة العزيز محموداً، وقد قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} (يوسف/24)، فصح أنَّهُ لزم نفسه عنها، لا عن عصمةٍ، ولا تقل إن الله عصمه منها.

بل نقول: إن الأنبياء مخيرّون متمكنون كغيرهم من الآدميين بل إنهم أقوى على نفوسهم وعلى لزمها من المحرمات لما شاهدوا من الدلائل والمعجزات([461]).

(6) وأما الاشاعرة فإنهم يرون أنَّ الأنبياء عليهم السلام مكلفون بترك الذنوب مثابون به ولو كان الذنب ممتنعاً عنهم لما كان كذلك، إذ لا تكليف بترك الممتنع ولا ثواب عليه، وكذلك قوله {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ}

[459]الشيخ أحمد بن زين الدين الاحسائي، العصمة 29.

[460]أحمد بن سليمان بن محمد المطهر بن علي بن الإمام الناصر، حقائق المعرفة في علم الكلام 430 – 433 مؤسسة الإمام زيد بن علي ط1، 1424 هـ - 2003 م، صنعاء - اليمن.


صفحه 205

(الكهف/110) يدل على مماثلتهم لسائر الناس فيما يرجع إلى البشرية والامتياز بالوحي لا غير فلا يمتنع صدور الذنب عنهم كما في سائر البشر، هذا مذهب الأشاعرة ومن تأمّل فيه علم أنَّهُ الحق الصريح المطابق للعقل والنقل([462]).

(7) اختار الغزالي مذهب القاضي عبد الجبار في نفي عصمتهم عقلاً ودليله على ذلك أنَّهُ (لا يستبان استحالة وقوعه بضرورة العقل ولا ينظره، وليس هو مناقضاً لمدلول المعجزة فإن مدلوله صدق اللهجة فيما يخبر عن الله تعالى لا عمداً ولا سهواً ومعنى التنفير باطل فإنّه يجوز أنَّ ينبيء الله تعالى كافراً يؤيده بالمعجزة)([463]).

[461]ظ: الإحسائي 39 مصدر سابق.

[462]المصدر نفسه 34.


صفحه 206

المبحث الثالث: توجيه آيات العتاب على القول بالعصمة

لقد فصَّل كثير من مفسرّي المذاهب الإسلامية ومتكلميها بعض الآيات التي لازمت حياة الأنبياء عليهم السلام وكثر حولها الجدل لأن بعضاً من هذه الآيات المباركات أثيرت حولها كثير من الشبهات التي لها اتصال مباشرة بعصمة الأنبياء إذ قالوا: إنّ من هذه الآيات ما جاءت مورد عتاب ولوم وتقريع لبعض الأنبياء فكثر الجدل بين نافٍ هذه التوجهات والشبهات الواقعة في غير محلها وبين مثبت لها ومن ثم مانعته بانتفاء ثبوت العصمة المطلقة للأنبياء عليهم السلام فأصبح هناك فريق قائل بالعصمة المطلقة وهو ما تبناه مذهب أهل البيت عليهم السلام وفريق آخر يذهب إلى أنَّ العصمة جزئية للأنبياء وهذا الجزء كذلك اختلفوا فيه.

ومن هنا نتوقّف عند نماذج من الآيات المباركات لنماذج من الأنبياء عليهم السلام التي وقعت محل الجدل بين العلماء.


صفحه 207

مدخل

يرتكز مذهب القائلين بالعصمة المطلقة للأنبياء عليه السلام على أدلة يستندون إليها في دعم ما يذهبون إليه من ان الأنبياء عليهم السلام معصومون مطهرّون لا يأتيهم العيب والنقص، ولذا ذهب أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام إلى إنتفاء عروض أي شيء من المعاصي والذنوب كبيرة كانت أم صغيرة قبل النبوّة أم بعدها([464]).

وهذا التنزيه من الأصول الثابتة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ولذا لا يقبل ما يخالفه من نصوص، وانطلاقاً من ذلك فهم يؤولون الآيات التي يشعر ظاهرها بأنّها خلاف الأصل([465]).

الأمر الذي دعا الشيخ المفيدرحمه الله إلى أنَّ يردّ على من يخالفه في قوله بالعصمة المطلقة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويرى وقوع الصغائر منه صلى الله عليه وآله وسلم استدلالاً بما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (الفتح/2)، وآيات أخرى بأنّ ما يتعلّق به هؤلاء لا دليل عليه (فإنّه تأويل بضد ما توّهموه، والبرهان يعضده على البيان، وقد نطق بما وصفناه فقال جل اسمه {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (النجم / 1-2). فنفى عنه بذلك كل معصية ونسيان([466]).

[463]ظ: الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي الاعتقادات في دين الإمامية 2: 96.

[464]ظ: د. ستار جبر الأعرجي، منهج المتكلمين في فهم النص القرآني: 213 رسالة دكتوراه، جامعة الكوفة 2000م.

[465]الشيخ المفيد أوائل المقالات 68.


صفحه 208

المطلب الأول: توجيه آيات العتاب على القول بالعصمة المطلقة

نورد هنا نماذج من آيات عتاب الأنبياء عليهم السلام مع بيان محاولة توجيهها على ضوء القول بالعصمة المطلقة

الأول: ما يتعلق بنبي الله آدم عليه السلام

ذهب أغلب مفسري العامة إلى أنّ النَّبي آدم عليه السلام قد اقترف نوعاً من العصيان بنص ظاهر القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} (طه / 121).

فقالوا هذا تصريح بوقوع المعصية التي لا تكون إلاّ قبيحة([467]) إذ كانت مصاحبة لإطاعة إبليس وهذا خطأ منه كان سبباً في إخراجه من الجنة. فكان ذلك سبب عتابه من قبل البارئ جل علاه لتركه العمل بما أمره الله به من ترك الاقتراب من الشجرة {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} (الأعراف / 22).

ومن هنا ربط بعض بين النهي عن الأكل من الشجرة وببين المعصية على أنّها أخلال في العصمة الأمر الذي جلب اللوم والعتاب لآدم عليه السلام.

فلابد من معرفة أنَّ كلمة (عصى) تعني خلاف الطاعة وأن كلمة (لا تقربا) تعني النهي، والنهي الشرعي نوعان: مولوي يجب طاعته فيما يأمر به، ويترتب عليه الثواب على الطاعة، والعقاب على المخالفة وهذا شأن أكثر الأوامر والنواهي الواردة في الكتاب والسنّة.

[466]ظ: الشريف المرتضى، تنزيه الأنبياء ص 24.


صفحه 209

أو إرشادي وهو أنَّ ينطلق المولى فيه بتوجيه النصح والإرشاد والعظة والهداية فيترك اختيار أحد الجانبين من الفعل والترك للمخاطب([468]).

والآيات الواردة في سورة (طه) تكشف النقاب عن نوعية هذا النهي، وتصرّح بأن النهي كان إرشادياً لصيانة آدم عما يترتب عليه من الآثار المكروهة والعواقب غير المحمودة، ومن أجل تنزيه مقام النَّبي آدم عليه السلام ذهب علماء الإمامية ومتكلموه القائلون بالعصمة المطلقة إلى توجيه هذه الآيات المنسوبة إلى آدم عليه السلام بما يناسب مقام آدم عليه السلام شرافته وعصمته كما جاء ذلك على لسان الشريف المرتضى رحمه الله وغيره من علمائهم، إذ أنَّهُ – أي المرتضى – لا يرى أنَّ آدم عليه السلام قد خالف الأمر الإلهي المتوجه إليه وإنّما هو كان تاركاً لنفل ومعه لا يكون عاصياً أو فعل قبيحاً.

إذ قال: (أما المعصية فهي مخالفة الأمر والأمر من الحكيم تعالى قد يكون بالواجب والمندوب معاً، فلا يمتنع على هذا أنَّ يكون آدم عليه السلام مندوباً إلى ترك التناول من الشجرة، ويكون بمواقعتها تاركاً نفلاً وفضلاً وغير فاعل قبيحاً، وليس يمتنع أنَّ يسمى تارك النفل عاصياً كما يسمى بذلك تارك الواجب)([469]).

وبعد هذا البيان لا يمكن القبول بالقول أنَّ آدم قد أخطأ أو أنَّ الله تعالى قد تعمّد تخطئته لحكمة منه، فإذا كان الله عزّ وجلّ هو الذي خطأ آدم، فما ذنبه حتى يعاقبه ويجعله من أهل الغواية.

ولو عدنا إلى الآية التي قالوا إنها جاءت في مورد عتاب له عليه السلام

[467]ظ: خليل قدسي مهر، الفروق المهمة في الأصول الفقهية ص 53، نشر دار التفسير، إيران – قم ط 2، 1419 هـ. ق – 1377 ش.

[468]الشريف المرتضى، تنزيه الأنبياء ص 24.