فلا مؤاخذة به)([460]).
ويبدو في عبارته نوع من التضاد والتسامح في فهم العصمة من قوله (ولما لم يكن...) لأنه كيف نتصور العصمة مع إمكان صدور الذنب منه أو الغفلة، فالعبارة فيها تأمل..
(5) واستدل كذلك في حقائق المعرفة على نفي عصمتهم عليهم السلام مطلقاً بل أنهم ينالون جزء العصمة إذ يقول فأما في سائر أفعالهم في غير بتبليغ الرسالة فإنّه يجوز عليهم النسيان والغفلة والخطأ في التأويل والعجلة وقد ذكر الله عنهم ذلك وذكر توبتهم منه وندمهم وإقلاعهم واستغفارهم ثم يقول: لا يقال أنَّ النَّبي معصوم عن المذمومات والمعاصي جميعها لأنَّهُ لو كان كذلك لم يكن له ثواب في لزمه لنفسه عن المحرّمات ولما كان محموداً في ترك إتباع الشهوات، ولما كان يوسف عليه السلام في لزمِهِ لنفسهِ عن إمرأة العزيز محموداً، وقد قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} (يوسف/24)، فصح أنَّهُ لزم نفسه عنها، لا عن عصمةٍ، ولا تقل إن الله عصمه منها.
بل نقول: إن الأنبياء مخيرّون متمكنون كغيرهم من الآدميين بل إنهم أقوى على نفوسهم وعلى لزمها من المحرمات لما شاهدوا من الدلائل والمعجزات([461]).
(6) وأما الاشاعرة فإنهم يرون أنَّ الأنبياء عليهم السلام مكلفون بترك الذنوب مثابون به ولو كان الذنب ممتنعاً عنهم لما كان كذلك، إذ لا تكليف بترك الممتنع ولا ثواب عليه، وكذلك قوله {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ}
[459]الشيخ أحمد بن زين الدين الاحسائي، العصمة 29.
[460]أحمد بن سليمان بن محمد المطهر بن علي بن الإمام الناصر، حقائق المعرفة في علم الكلام 430 – 433 مؤسسة الإمام زيد بن علي ط1، 1424 هـ - 2003 م، صنعاء - اليمن.
(الكهف/110) يدل على مماثلتهم لسائر الناس فيما يرجع إلى البشرية والامتياز بالوحي لا غير فلا يمتنع صدور الذنب عنهم كما في سائر البشر، هذا مذهب الأشاعرة ومن تأمّل فيه علم أنَّهُ الحق الصريح المطابق للعقل والنقل([462]).
(7) اختار الغزالي مذهب القاضي عبد الجبار في نفي عصمتهم عقلاً ودليله على ذلك أنَّهُ (لا يستبان استحالة وقوعه بضرورة العقل ولا ينظره، وليس هو مناقضاً لمدلول المعجزة فإن مدلوله صدق اللهجة فيما يخبر عن الله تعالى لا عمداً ولا سهواً ومعنى التنفير باطل فإنّه يجوز أنَّ ينبيء الله تعالى كافراً يؤيده بالمعجزة)([463]).
[461]ظ: الإحسائي 39 مصدر سابق.
[462]المصدر نفسه 34.
المبحث الثالث: توجيه آيات العتاب على القول بالعصمة
لقد فصَّل كثير من مفسرّي المذاهب الإسلامية ومتكلميها بعض الآيات التي لازمت حياة الأنبياء عليهم السلام وكثر حولها الجدل لأن بعضاً من هذه الآيات المباركات أثيرت حولها كثير من الشبهات التي لها اتصال مباشرة بعصمة الأنبياء إذ قالوا: إنّ من هذه الآيات ما جاءت مورد عتاب ولوم وتقريع لبعض الأنبياء فكثر الجدل بين نافٍ هذه التوجهات والشبهات الواقعة في غير محلها وبين مثبت لها ومن ثم مانعته بانتفاء ثبوت العصمة المطلقة للأنبياء عليهم السلام فأصبح هناك فريق قائل بالعصمة المطلقة وهو ما تبناه مذهب أهل البيت عليهم السلام وفريق آخر يذهب إلى أنَّ العصمة جزئية للأنبياء وهذا الجزء كذلك اختلفوا فيه.
ومن هنا نتوقّف عند نماذج من الآيات المباركات لنماذج من الأنبياء عليهم السلام التي وقعت محل الجدل بين العلماء.
مدخل
يرتكز مذهب القائلين بالعصمة المطلقة للأنبياء عليه السلام على أدلة يستندون إليها في دعم ما يذهبون إليه من ان الأنبياء عليهم السلام معصومون مطهرّون لا يأتيهم العيب والنقص، ولذا ذهب أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام إلى إنتفاء عروض أي شيء من المعاصي والذنوب كبيرة كانت أم صغيرة قبل النبوّة أم بعدها([464]).
وهذا التنزيه من الأصول الثابتة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ولذا لا يقبل ما يخالفه من نصوص، وانطلاقاً من ذلك فهم يؤولون الآيات التي يشعر ظاهرها بأنّها خلاف الأصل([465]).
الأمر الذي دعا الشيخ المفيدرحمه الله إلى أنَّ يردّ على من يخالفه في قوله بالعصمة المطلقة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويرى وقوع الصغائر منه صلى الله عليه وآله وسلم استدلالاً بما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (الفتح/2)، وآيات أخرى بأنّ ما يتعلّق به هؤلاء لا دليل عليه (فإنّه تأويل بضد ما توّهموه، والبرهان يعضده على البيان، وقد نطق بما وصفناه فقال جل اسمه {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (النجم / 1-2). فنفى عنه بذلك كل معصية ونسيان([466]).
[463]ظ: الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي الاعتقادات في دين الإمامية 2: 96.
[464]ظ: د. ستار جبر الأعرجي، منهج المتكلمين في فهم النص القرآني: 213 رسالة دكتوراه، جامعة الكوفة 2000م.
[465]الشيخ المفيد أوائل المقالات 68.
المطلب الأول: توجيه آيات العتاب على القول بالعصمة المطلقة
نورد هنا نماذج من آيات عتاب الأنبياء عليهم السلام مع بيان محاولة توجيهها على ضوء القول بالعصمة المطلقة
الأول: ما يتعلق بنبي الله آدم عليه السلام
ذهب أغلب مفسري العامة إلى أنّ النَّبي آدم عليه السلام قد اقترف نوعاً من العصيان بنص ظاهر القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} (طه / 121).
فقالوا هذا تصريح بوقوع المعصية التي لا تكون إلاّ قبيحة([467]) إذ كانت مصاحبة لإطاعة إبليس وهذا خطأ منه كان سبباً في إخراجه من الجنة. فكان ذلك سبب عتابه من قبل البارئ جل علاه لتركه العمل بما أمره الله به من ترك الاقتراب من الشجرة {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} (الأعراف / 22).
ومن هنا ربط بعض بين النهي عن الأكل من الشجرة وببين المعصية على أنّها أخلال في العصمة الأمر الذي جلب اللوم والعتاب لآدم عليه السلام.
فلابد من معرفة أنَّ كلمة (عصى) تعني خلاف الطاعة وأن كلمة (لا تقربا) تعني النهي، والنهي الشرعي نوعان: مولوي يجب طاعته فيما يأمر به، ويترتب عليه الثواب على الطاعة، والعقاب على المخالفة وهذا شأن أكثر الأوامر والنواهي الواردة في الكتاب والسنّة.
[466]ظ: الشريف المرتضى، تنزيه الأنبياء ص 24.
أو إرشادي وهو أنَّ ينطلق المولى فيه بتوجيه النصح والإرشاد والعظة والهداية فيترك اختيار أحد الجانبين من الفعل والترك للمخاطب([468]).
والآيات الواردة في سورة (طه) تكشف النقاب عن نوعية هذا النهي، وتصرّح بأن النهي كان إرشادياً لصيانة آدم عما يترتب عليه من الآثار المكروهة والعواقب غير المحمودة، ومن أجل تنزيه مقام النَّبي آدم عليه السلام ذهب علماء الإمامية ومتكلموه القائلون بالعصمة المطلقة إلى توجيه هذه الآيات المنسوبة إلى آدم عليه السلام بما يناسب مقام آدم عليه السلام شرافته وعصمته كما جاء ذلك على لسان الشريف المرتضى رحمه الله وغيره من علمائهم، إذ أنَّهُ – أي المرتضى – لا يرى أنَّ آدم عليه السلام قد خالف الأمر الإلهي المتوجه إليه وإنّما هو كان تاركاً لنفل ومعه لا يكون عاصياً أو فعل قبيحاً.
إذ قال: (أما المعصية فهي مخالفة الأمر والأمر من الحكيم تعالى قد يكون بالواجب والمندوب معاً، فلا يمتنع على هذا أنَّ يكون آدم عليه السلام مندوباً إلى ترك التناول من الشجرة، ويكون بمواقعتها تاركاً نفلاً وفضلاً وغير فاعل قبيحاً، وليس يمتنع أنَّ يسمى تارك النفل عاصياً كما يسمى بذلك تارك الواجب)([469]).
وبعد هذا البيان لا يمكن القبول بالقول أنَّ آدم قد أخطأ أو أنَّ الله تعالى قد تعمّد تخطئته لحكمة منه، فإذا كان الله عزّ وجلّ هو الذي خطأ آدم، فما ذنبه حتى يعاقبه ويجعله من أهل الغواية.
ولو عدنا إلى الآية التي قالوا إنها جاءت في مورد عتاب له عليه السلام
[467]ظ: خليل قدسي مهر، الفروق المهمة في الأصول الفقهية ص 53، نشر دار التفسير، إيران – قم ط 2، 1419 هـ. ق – 1377 ش.
[468]الشريف المرتضى، تنزيه الأنبياء ص 24.
وهي قوله تعالى: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ} (الأعراف/22) نجد الشريف المرتضىرحمه الله يوجهها انطلاقاً من الخصائص البلاغية المتفردة للأسلوب القرآني بقوله (أمّا النهي والأمر فليس يختصان عندنا بصيغة ليس فيها احتمال ولا اشتراك وقد يؤمر عندنا بلفظ النهي وينهى بلفظ الأمر فإنّما يكون النهي نهياً بكراهة المنهي عنه فإذا قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} (الأعراف/19) ولم يكره قربها، لم يكن في الحقيقة ناهياً كما أنَّهُ تعالى لما قال: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} (فصلت/ 40) {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} (المائدة/2) ولم يرد ذلك، لم يكن أمراً فإذا كان قد صحّ قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} (الأعراف/19) أراد ترك التناول، فيجب أنَّ يكون هذا القول أمراً، إن سمّاه منهي عنه، ويسمّى أمره له بأنَّهُ نهي من إذ كان فيه معنى النهي، لأن النهي ترغيبٌ في الامتناع عن الفعل وتزهيداً في الفعل نفسه، ولما كان الأمر ترغيباً في الفعل وتزهيداً في تركه، جاز أنَّ يُسميه نهياً)([470]).
وينحى الشيخ الطوسي رحمه الله نفس المنحى بتوجيه الآية بما يثبت العصمة المطلقة بأن آدم عليه السلام لم يرتكب قبيحاً لقيام الدلالة عنده على عصمة من سائر القبائح صغيرها وكبيرها.
فيقول: (إنّ آدم عليه السلام لم يرتكب قبيحاً وأتى ما توجه إليه بصورة النهي، كان المراد به ضرباً من الكراهة من دون الحظر، وإنما قلنا ذلك لقيام الدلالة على عصمتهما من سائر القبائح صغائرها وكبائرها فعلى هذا لا يحتاج إلى أنَّ نقول أنهما تأولا فأخطأ)([471]).
[469]الشريف المرتضى، تنزيه الأنبياء ص 26.
[470]التبيان 4: 373.
أما الطبرسي رحمه الله فينحى منحى آخر في توجيه الآية المباركة إذ يرى أنَّ هناك نوعاً من العتاب والتوبيخ لآدم وحواء إثر ارتكاب المنهي عنه إذ قالا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} (الأعراف/23) ومعناه بخسناها الثواب بترك المندوب، فبعد أنَّ يعتبر الظلم الذي تسبباه لأنفسهما (نقصاً) يرى أنهما لم يستحقا العقاب وإنما قالا ذلك لأنّ من جلَّ في الدين قدمه كثر على يسير الزلل ندمه([472]).
ويرى بعض المحدثين من علماء الإمامية في توجيه هذه الآيات (أنّها تكشف النقاب عن نوعية هذا النهي وتصرّح بأنّ النّهي كان إرشادياً لصيانة آدم عمّا يترتب عليه من الآثار المكروهة والعواقب غير المحمودة قال سبحانه: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى} (طه / 117 – 119)، فإن قوله سبحانه: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} صريح في أنَّ إمتثال النهي هو البقاء في الجنة ونيل السعادة التي تمتثل في قوله: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى} وأنّ أثر المخالفة هو الخروج من الجنة والتعرض للشقاء الذي يتمثل في الحياة التي فيها الجوع والعري والظمأ وحر الشمس، وذلك كلُّه يدل على أنَّهُ سبحانه لم يتخذ لدى النهي موقف النّهي الواجب طاعته بل كان ينهى بصورة الإرشاد والنصح والهداية وأنّه لو خالف لتتب عليه الشقاء في الحياة والتعب فيها)([473]).
وممّا يعضد هذا الرأي الإمامي في تنزيه آدم عليه السلام وعصمته ما رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في أماليه بإسناده إلى أبي الصلت الهروي قال: ((لما جمع
[471]مجمع البيان 4: 506.
[472]جعفر السبحاني، مفاهيم القرآن، 5: 22، مؤسسة الشهيد العلمية، قم – إيران 1407 هـ.ق.