بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 217

لذهابه بلا أذن من ربه([485]).

وهذا ما تابعه عليه صاحب تفسير الأمثل الذي يرى أنَّ (من المسلّم أنَّ هذه لملامة لم تكن بسبب ارتكابه ذنباً كبيراً أو صغيراً وإنما بسبب تركه العمل بالأولى واستعجاله في ترك قومه وهجرانهم)([486]).

الرابع: توجيه ما يتعلق بنبي الله سليمان عليه السلام

ومما ورد عن نبي الله سليمان عليه السلام آيات فسرها المخطئون لعصمة الأنبياء بأنها نزلت للومه عليه السلام وعتابه مما يخل ذلك بعصمته عليه السلام ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} (ص/34) وردت قصص عدة مفتريات لا تليق بساحة هذا النَّبي العظيم الكريم على الله سبحانه وتعالى وهي مما لا تجوز على الأنبياء عليهم السلام، ثم أنَّ النبوة ليست محصورة في خاتم تسلب من النَّبي عليه السلام بالنزع وغيره كما يظن بعضهم وأن من كرائم الله على أنبيائه أنَّ لا يتمثل الشيطان أو الجن في صدورهم إلى غير ذلك من الأمور.

ولذا من المناسب لمقام النَّبي عليه السلام أنَّ يقف الشريف المرتضى رحمه الله موجهاً لما يرد في هذه الآية ليدفع ما اشتبه من كونه فعل عليه السلام ما يقتضي عتاباً.

فيقول: (وأمّا قول بعضهم إنّما عوتب واستغفر لأجل أنَّ فريقين اختصما إليه، أحدهما من أهل جرادة، وهي امرأة له كان يحبّها، فأحب أنَّ يقع القضاء

[484]ظ: تفسير شبّر 496 ,

[485]ناصر الشيرازي 14: 364.


صفحه 218

لأهلها، فحكم بين الفريقين بالحق، وعوتب على محبّة موافقة الحكم لأهل امرأته، فليس هذا أيضاً بشيء لأن هذا المقدار الذي ذكروه ليس بشيء يقتضي عتاباً)([487]).

ويخالفه صدر المتألهين ذلك فيرى حصول ما يستدعي الاستغفار فيقول: (بأنّ الافتنان الذي حصل لسليمان عليه السلام والذي كان نتيجته الاستغفار هو عمله بترك الأولى فلذا استغفر وتاب)([488]).

وأيد الشيخ مغنية رحمه الله هذا المنحى في توجيه الآية إذ يرى أنَّ الآية توحي بأن هناك شيئاً صدر من النَّبي عليه السلام استحق لأجله اللوم والعتاب الذي تاب على أثره، إلاّ أنَّهُ يحدّده بأنَّهُ لا يخرج عن نطاق ترك الأولى فلا يكون معصية وأنّ التوبة لذلك لا عن حصول المعصية فيقول: (ومهما يكن فقد تاب سليمان مما حدث منه كما تاب غيره من الأنبياء ثم يقول – وتجدر الإشارة إلى أنَّ الأنبياء عليهم السلام يتوبون لتركهم الأولى والأفضل لا لاقترافهم المعصية([489]).

الخامس: توجيه ما يتعلق بنبينا الأكرم مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم

لقد ذكر المخطئة لعصمة الأنبياء عليهم السلام بعض الآيات التي تدل بظاهرها على نفي العصمة المطلقة، وكان لنبيّنا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم المساحة الكبرى من هذه الآيات التي أرادوا من توجيههم لها تخطئته والطعن في عصمته صلى الله عليه وآله وسلم ونورد هنا نماذج منها مع محاولة توجيهها بالأدلة الدامغة:

[486]تنزيه الأنبياء 137.

[487]تفسير القرآن الكريم 3: 121.

[488]الكاشف 6: 379.


صفحه 219

الآية الأولى

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التحريم / 1).

قالوا: إنّ عتاب الله لنبيّه ظاهر في هذه الآية، ولا يكون العتاب إلا عن ذنب كبير أو صغير وفي هذه تخطئة له صلى الله عليه وآله وسلم وعتاب وتوبيخ.

والظاهر أنَّ ليس هناك ما يشير إلى وجود ما يدعو لعتابه أو توبيخه صلى الله عليه وآله وسلم لأنّ لا ذنب في البين ومعه فلا حاجة إلى العتاب، لأن تحريم الرجل نساءه لسبب أو لغيره أمر مباح ولا يقترن معه ذنب.

قال الشريف المرتضى رحمه الله موجهاً العتاب فيها بما نصه (ليس في الآية ما يقتضي عتاباً، وكيف يعاتبه الله على ما ليس بذنب، لأن تحريم الرجل بعض نسائه لسبب أو لغير سبب ليس بقبيح ولا داخل في جملة الذنوب، وأكثر ما فيه أنَّهُ مباح)([490]).

ثم يترقى أبعد من ذلك فيقول: (ولا يمتنع أنَّ يكون قوله تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} (التحريم/1) خرج مخرج التوجع من إذ يحمل المشقة من أجل إرضاء زوجاته)([491]).

فعليه ليس هناك ما يقتضي أنَّهُ عتاب ذنب، وإنّما هو عتاب تشريف جاء نتيجة حرص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مرضاة أزواجه.

ومتعلّق هذه الآية الواردة في سورة التحريم معروف عند المفسرين، الذين

[489]تنزيه الأنبياء 168، ظ: الشريف المرتضى، أمالي المرتضى 2: 232.

[490]المصدر نفسه 168 ,


صفحه 220

ذكروا أسباب نزولها، إذ رأوا أنّها تمثل موقف حفصة وعائشة زوجتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإفشاءهما سره، وتظاهرهما عليه من أجل تحريم مارية القبطية أو شرب العسل عند زوجته سودة بنت زمعه فقد أفشت حفصه سرّه وأخبرت به عائشة([492]) وذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} (التحريم / 3).

وبيَّن عزّ وجلّ لهما العقوبة على ذلك الصنيع في قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} (التحريم / 4).

ولذا أفاد الطبرسي رحمه الله (ت548 هـ) من هذه الآية وقوع الأذى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيرى قوله تعالى: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} أنّ هناك تعاوناً عليه صلى الله عليه وآله وسلم بالإيذاء، ثم يستدل بعد ذلك برواية عن ابن عباس يسال بها عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال – أي عمر – عائشة وحفصة([493]).

وفي عرضه للآية المباركة يرى في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} (التحريم/1) أنَّ هنا نداء تشريفاً له صلى الله عليه وآله وسلم وتعليماً لعباده كيف يخاطبونه في أثناء محاوراتهم ثم يستبعد أنَّ يكون هناك ذنبٌ يوجب العتاب([494]).

ويؤيد هذا المعنى تصريح الفخر الرازي بذلك مع أنَّهُ لا يقول بالعصمة

[491]ظ: البيضاوي 4: 292، القشيري 3: 232، الصابوني، صفوة التفاسير 3: 383 – 384.

[492]مجمع البيان 10: 401.

[493]المصدر نفسه 10: 399.


صفحه 221

المطلقة فيقول: (إنّ تحريم ما أحلّ الله له ليس بذنب بدليل الطلاق والعتاق، وأما العتاب فإنّ النهي عن فعل ذلك لابتغاء مرضات النساء أو ليكون زجراً لهن عن مطالبته مثل ذلك كما يقول القائل لغيره: لم قبلت أمر فلان واقتديت به وهو دونك وآثرت رضاه وهو عبدك فليس هذا عتاب ذنب وإنّما هو عتاب تشرف)([495]).

وهذا التوجيه يستفيد ممّا صرح به الشريف المرتضى في كتابه تنزيه الأنبياء عليه السلام ([496]).

الآية الثانية

قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43).

قيل في سبب نزول هذه الآية المباركة، إن بعض المنافقين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ترك الخروج إلى غزوة تبوك فأذن لهم وهو يعلم صلى الله عليه وآله وسلم أنّهم منافقون ولا حاجة بهم إلى الخروج مع المسلمين المؤمنين الاتقياء الذين فيهم الكافية عنهم، وقد أخبره الله عزّ وجلّ أنَّ الأولى أنَّ لا يأذن لهم حتى إذا لم يخرجوا ظهر نفاقهم وعرّفهم الناس لأنّهم قالوا: {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (التوبة / 42).

ثم أنَّ المخطئة قالوا: إنّ الآية تدل على جواز صدور الذنب عن النَّبي لأنّ العفو إنّما يأتي بعد تحقق الذنب.

والظاهر أنَّ لسانها وارد بلطيف المعاتبة وإن كان العتاب على فعل جائز

[494]عصمة الأنبياء 110.

[495]تنزيه الأنبياء ص 168.


صفحه 222

كالمراد من هذه الآية، وليس للعفو متعلق إلا التلطف في العتاب، لأنه يقول له: لو أذنت لهم في القعود لتبين لك الصادقون من الكاذبين يعني لتعرف من يقعد عن عذر وعن غير عذر وهو إرشاد له وليس ذنباً وإنّما قصاراه أنَّ يكون ترك الأولى.

وفي تفسير القمي (علي بن إبراهيم ت 307 هـ) عن الإمام الباقر عليه السلام يقول: (لتعرف أهل العذر والذين جلسوا بغير عذر) وعن الإمام الرضا عليه السلام كما في عيون الأخبار في جواب ما سأله المأمون عن عصمة الأنبياء عليه السلام: (هذا مما نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة خاطب الله تعالى بذلك نبيّه وأراد أمته)([497]).

والظاهر أنَّ هذا اللفظ كان شائعاً في الاستعمال من غير اعتبار ذنب أو تقصير وإنما هو من جميل التلطف بالخطاب، ولذا ينفي الشريف المرتضى رحمه الله أنَّ يكون هناك أي نوع من العتاب الموجه للنّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، إذ يقول: (أمّا قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} (التوبة/ 43) فليس يقتضي وقوع معصية ولا غفران عقاب ولا يمتنع أنَّ يكون المقصود به التعظيم والملاطفة في المخاطبة – ثم يقول – أما قوله تعالى: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/ 43) فظاهره الاستفهام والمراد به التقريع واستخراج ذكر علة إذنه وليس بواجب حمل ذلك على العتاب، لأن أحدنا يقول لغيره، لِمَ فعلت كذا وكذا، تارة معاتباً وأخرى مستفهماً فليس هذه اللفظة خاصة للعتاب والإنكار، وإنّ أكثر ما يقتضيه وغاية ما يمكن أنَّ يدّعى فيها أنَّ تكون دالة على أنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم ترك الأولى)([498]).

[496]ظ: تفسير القمي 1: 180، هاشم البحراني، البرهان في تفسير القرآن 4: 467.

[497]تنزيه الأنبياء 60، ظ: أمالي المرتضى 2: 332.


صفحه 223

ويشير الطبرسي رحمه الله إلى نكتة بلاغية مهمة في أسلوب التعبير القرآني إذ يرى أنَّ هذا من لطيف المعاتبة بدأ بالعفو قبل العتاب ويجوز العتاب من الله فيما غيره منه أولى ولاسيما الأنبياء عليهم السلام ([499]).

وللعلاّمة المجلسي رحمه الله في البحار توجيه آخر فيقول: (يجوز أنَّ يكون إذنه صلى الله عليه وآله وسلم لهم حسناً موافقاً لأمره تعالى ويكون العتاب متوجهاً إلى المستأذنين الذين علم الله من قبلهم النفاق، أو إلى جماعة حملوا النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ومن هذا القبيل قوله تعالى: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (المائدة/116) ولا تنافي بين كون إستيذانهم حراماً وإذنه صلى الله عليه وآله وسلم بحسب ما يظهرونه من الأعذار ظاهراً واجباً أو مباحاً أو ترك أولى)([500]).

وهذا قد يكون له وجد لما امتاز به النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم من صفات فاقت الأنبياء والرسل جميعهم عليهم السلام، وباعتباره الخاتم وكما وصفهُ القرآن بأنَّهُ ذو خلق عظيم فكيف يجتمع العتاب مع من اصطفاه الله تعالى وميّزه واجتباه وطهرّه.

وأما السيد الطباطبائي رحمه الله فيرى أنَّ الآية (في مقام دعوى ظهور كذبهم ونفاقهم وأنّهُم مفتضحون بأدنى امتحان يمتحنون به ومن مناسبات هذا المقام إلقاء العتاب إلى المخاطب وتوبيخه والإنكار عليه كأنّه هو الذي ستر عليهم فضائح أعمالهم وسوء سريرتهم، وهو نوع من العناية الكلامية يبين به ظهور الأمر ووضوحه، ولا يراد أزيد من ذلك فهو من أقسام البيان عن طريق إياك أعني

[498]ظ: الطبرسي، جوامع الجامع 2: 67 ظ: مجمع البيان 5: 46.

[499]بحار الأنوار 17: 47.


صفحه 224

واسمعي يا جارة، خاطب الله عزّ وجلّ بها نبيّه وأراد به أمته)([501]).

فتبيّن أنَّ محصل دلالة الآية لم يكن فيها أي نوع من الإخلال بشخصيّة الرسول وعصمته وإنّما كان ذلك تعظيماً لشأنه وتوقيراً لرسالته هذا على القول إنّ الكلام موجهاً له صلى الله عليه وآله وسلم وإلا فالكلام يكون لأولئك الذين تخلفّوا عن الجهاد فيكون فيه نوع من اللوم والعتاب والتقريع لطلبهم الاستئذان والإنصراف عن المسير معه.

الآية الثالثة

قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال/67).

قالوا: إنّ الآية تدل على عتاب الله لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم وتلّومه على استبقاء الأسرى، وأخذ الجزية أو الفداء عوضاً عن قتلهم واعتبروا ذلك من أدلة خطأ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد جاء في بعض روايات سبب النزول، أنَّهُ بعد انتهاء معركة بدر وأخذ الأسرى بعد أنَّ أمر النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ تضرب عنقا الأسيرين الخطرين (عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث) فخافت الأنصار أنَّ ينفذ هذا الحكم في سائر الأسرى فيحرموا من أخذ الفداء فقالوا: يا رسول الله أنا قتلنا سبعين رجلاً وأسرنا سبعين وكلهم من قبيلتك فهب لنا هؤلاء الأسرى نأخذ الفداء منهم، وكان النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم يرتقب نزول الوحي، فنزلت

[500]الميزان 9: 284.