بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 224

واسمعي يا جارة، خاطب الله عزّ وجلّ بها نبيّه وأراد به أمته)([501]).

فتبيّن أنَّ محصل دلالة الآية لم يكن فيها أي نوع من الإخلال بشخصيّة الرسول وعصمته وإنّما كان ذلك تعظيماً لشأنه وتوقيراً لرسالته هذا على القول إنّ الكلام موجهاً له صلى الله عليه وآله وسلم وإلا فالكلام يكون لأولئك الذين تخلفّوا عن الجهاد فيكون فيه نوع من اللوم والعتاب والتقريع لطلبهم الاستئذان والإنصراف عن المسير معه.

الآية الثالثة

قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال/67).

قالوا: إنّ الآية تدل على عتاب الله لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم وتلّومه على استبقاء الأسرى، وأخذ الجزية أو الفداء عوضاً عن قتلهم واعتبروا ذلك من أدلة خطأ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد جاء في بعض روايات سبب النزول، أنَّهُ بعد انتهاء معركة بدر وأخذ الأسرى بعد أنَّ أمر النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ تضرب عنقا الأسيرين الخطرين (عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث) فخافت الأنصار أنَّ ينفذ هذا الحكم في سائر الأسرى فيحرموا من أخذ الفداء فقالوا: يا رسول الله أنا قتلنا سبعين رجلاً وأسرنا سبعين وكلهم من قبيلتك فهب لنا هؤلاء الأسرى نأخذ الفداء منهم، وكان النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم يرتقب نزول الوحي، فنزلت

[500]الميزان 9: 284.


صفحه 225

هذه الآيات فأجازت أخذ الفداء في قبال إطلاق سراح الأسرى([502]).

وعند التدبر في الآية ومنشأ النزول نجد أنَّ ظاهر الآية تقتضي توجيه القول والعتب إلى غير النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنّه بعيد جداً عمّا أراده الله تعالى بقوله: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} (الانفال/67) وبعيد هذا القول عن خلقه العظيم وصفاته الحميدة وبعد هذا نزول الشكوك ونعلم أنَّ المعاتب ليس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنّما العتاب متوجه إلى غيره كما هو عند الشريف المرتضى رحمه الله إذ ذهب إلى أنَّ العتاب في الحقيقة (متوجه إلى سواه صلى الله عليه وآله وسلم لأنّ الله تعالى قد صرّح في ذلك قي تمام الآية بقوله: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ} (الانفال/67) وقوله تعالى: {لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (الأنفال / 68) والقصة في هذه مشهورة أيضاً وإنّما أضاف الأسرى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} (الانفال/67) وإن كان المراد بالخطاب من أُسر، لأنّهم أسروهم ليكونوا في يده صلى الله عليه وآله وسلم فهم في الحقيقة أُسراؤه ومضافون إليه وإن لم يأمر بأسرهم)([503]).

وأكد هذا التوجيه للآية الشريف المرتضى رحمه الله في تنزيه الأنبياء ما نصّه (ليس في ظاهر الآية ما يدل على أنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم عوتب في شأن الأسرى بل لو قيل: إنّ الظاهر يقتضي توجه الآية إلى غيره لكان أولى)([504]).

والأولوية هنا ناشئة من إنكار الله عزّ وجلّ لهم هذا الأمر وبيّن أنَّ الذي

[501]ظ: تفسير علي بن إبراهيم، طبقاً لما جاء في نور الثقلين 2: 126.

[502]أمالي المرتضى 2: 332، ظ الطباطبائي، الميزان 9: 136.

[503]تنزيه الأنبياء ص 58.


صفحه 226

أراده الله ورسوله غير ما فعلوه فاستحقوا بذلك هذا اللوم والعتب القاسي.

وبعد أنَّ يعرض الطباطبائي رحمه الله اختلاف المفسرين فيمن نزل بحقّه العتاب، النبي، أو بحق المسلمين، قال: (والعتاب على ما يهدي اليه سياق الكلام في الآية الأولى، إنما هو على اخذهم الاسرى، كما يشهد به قولهم أيضاً في الآية الثانية (لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) أي في أخذكم، وإنما كانوا أخذوا عنه نزول الآيات الأسرى دون الفداء وليس العتاب على استباحة الفداء أو أخذه)([505]) ثم أنَّهُ رحمه الله يضرب دليلاً على أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يشاركهم في العتاب فيقول (إن العتاب في الآية متعلق بأخذ الأسرى وليس فيه ما يشعر بأنَّهُ استشارهم فيه أو رضي به).

وبناءً على ذلك يظهر أنَّ العتاب ما كان متوجهاً له صلى الله عليه وآله وسلم وإنّما كان لغيره من المسلمين الذين استحقوا بذلك اللوم والتوبيخ الشديدين.

وهذا المعنى ما يؤكد توجيه حتى الذاهبين إلى نفي العصمة المطلقة كالفخر الرازي إذ ذكر مؤيداً القول بانتفاء عتاب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بل توجه ذلك كله إلى أصحابه الذين قاموا بأخذ الفداء من الأسرى على الرغم من بُعد رغبة النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، وقد علل ذلك في الشبهة الرابعة قال: (أما قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} (الانفال/ 67) فهو خطاب جمع، فيعرف ذلك إلى القوم الذين رغبوا في المال، وأما قوله تعالى: {لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ} (الانفال/ 68) فمعناه لولا ما سبق من تحليل الغنائم لعذبتكم بسبب أخذكم الفداء، وهذا غاية التقريع في تخطئتهم في أخذ

[504]الميزان 2: 134 – 135.


صفحه 227

الفداء من جهة التدبّر، ثم أنَّهُ يشير إلى أنَّ المعاتب في شأن الأسرى هو غير النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل يجب أنَّ يكون سواه([506]).

الآية الرابعة

قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} (عبس /1-2).

قيل: إنّها نزلت في عبد الله بن أم مكتوم، إنه أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وأبي وأميّة بن خلف يدعوهم إلى الله ويرجوا إسلامهم فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله فجعل يناديه ويكرر النداء ولا يدري أنَّهُ مشتغل مقبل على غيره، حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقطعه كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد إنما أتباعه العميان، والعبيد فأعرض عنه واقبل على القوم الذين يكلمهم فنزلت، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك يكرمه وإذا رآه قال: مرحباً بمن عاتبني فيه ربيّ ويقول له ((هل لك من حاجة))، واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين([507]).

وهناك رأي آخر في شأن النزول، ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام من (أنها نزلت في رجل من بني أمية، كان عند النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاء ابن أم مكتوم فلما رآه تعذّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله سبحانه ذلك، وأنكره عليه([508]).

[505]ظ: عصمة الأنبياء 105 – 106.

[506]الطبرسي، مجمع البيان 10: 557.

[507]المصدر نفسه 10: 557، ظ: هاشم البحراني، البرهان 10: 181.


صفحه 228

ومن خلال قراءة سبب النزول وخصوصاً الرأي الثاني يكون الخطاب غير دال على توجهها إلى النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم بل يدل الخطاب فيها على أنَّهُ موجه إلى شخص آخر غيره صلى الله عليه وآله وسلم ولو تنزّلنا بأنّ الخطاب له مع ذلك نجد أنَّ صاحب السعادة يوجه الآية حتى مع احتمال أنها قصد منها النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ يرى أنَّهُ (لو كانت الآيات فيه صلى الله عليه وآله وسلم والعتاب له لم يكن فيه نقص لشانه ولم يكن منافياً لما قاله تعالى في حقّه من قوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم/4) فإن إقباله وإدباره وعبوسه واستبشاره كان لله، فإن عبوسه إنْ كان لمنع الأعمى من نشر دين الله، واستماع كلمات الأعداء لله وأعداء دينه وتقريبهم إلى دينه لم يكن فيه نقص وفي خلقه، وأما أمثال العتاب له صلى الله عليه وآله وسلم فإنها تدل على تفضيحه والإعتداد به فإنّها كلّما كانت باياك أعني واسمعي يا جارة فالخطاب والعتاب يكون لغيره لا له صلى الله عليه وآله وسلم ).

فالخطاب لغيره صلى الله عليه وآله وسلم ولو كان له لكان الخطاب بلسان (عبست وتوليت) إذن فالآية (خبر محض لم يصرّح بالمخبر عنه، وفيها من يدل عند التأمل على أنَّ المعني بها غير النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه وصفه بالعبوس وليس هذا من صفات النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم)([509]).

والرواية التي وصفت النَّبي بأنَّهُ يتصدّى للأغنياء، ومشيخة قريش وصناديدها ويلهى عن الفقراء، وهذا مناقض لصفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً وقوله تعالى: {أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ

[508]الشريف المرتضى: تنزيه الأنبياء 166.


صفحه 229

أَلاَّ يَزَّكَّى} (عبس /5 -7) ففيه عتاب وتوبيخ أشد من قوله {عَبَسَ وَتَوَلَّى} (عبس/1) لأن الاستغناء من الغنى ووفرة المال، والمعنى: إنّ من كان غنياً تقبل عليه وتلاطفه وتحادثه وتترك الفقير وهذا كلّه إغراء بترك الحرص على إيمان قومه فلا يليق بمن بعث بالدعاء والتنبيه كما قال الفخر الرازي([510]).

ويرى المجلسي رحمه الله في البحار أنَّ الآية جاءت بلسان العتاب على ترك الأولى.. ([511]).

والذي يظهر مما سبق أنَّ منهج الإماميّة تنزيهي لساحة الأنبياء عليهم السلام عن كثير من المعاني والشبهات التي تسيء لهم عليهم السلام إساءات بالغة إذ إن مما ينسب لهم مخجل أنَّ يصدر عن مؤمن عادي فكيف بمن اصطفوا لهداية العباد وهذا منحى منهجي يعد من أهم الثوابت في مذهب الإماميّة.

المطلب الثاني: توجيه آيات العتاب على القول بالعصمة الجزئية

مدخل

ذهب المفسرون وعلماء الكلام من غير الإمامية إلى تجويز القدح والمس بعصمة الأنبياء عليهم السلام حتى أنّهم انتحلوا في ذلك مذاهب شتى بين الأخذ والرد إلى أنَّ وصل الأمر عندهم بارتكاب الأنبياء للصغائر وغيرها علناً ومن دون تحفظ وهذا ما سبقت الإشارة إليه سابقاً.

فإذا كان الأنبياء والرسل عليهم السلام يعملون بوحي من الله وهو سبحانه

[509]الفخر الرازي، عصمة الأنبياء 108.

[510]محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 17: 78.


صفحه 230

المسدد لهم والمشرف على تربيتهم وهم صفوة عباد، كيف يمكن له سبحانه أنَّ يخطئ نبيّه أو رسوله بنفسه، ثم بعد كل ذلك يعتب عليه ويلومه على ما فعل؟

ولأنّ الله سبحانه وتعالى أراد فعلاً أنَّ يخطئه فإنّ من عدالته أنَّ لا يعتب عليه، لأنّ الله هو العدل في حكمه، ولا يمكن أنَّ يفعل ما يناقض ذلك، وهو عزّ وجلّ لا يأمر بشيء ويعاقب على طاعته فيه.

وفي ما يأتي نورد لبعض الآيات من الذكر الحكيم تحمل في ظاهرها ما يفهم منه بعض المفسرين أنَّهُ نوع من العتاب أمر اللوم لهم عليهم السلام:

الأول: توجيه ما يتعلق بنبي الله آدم عليه السلام

ذهب القائلون بالعصمة الجزئية للأنبياء عليهم السلام إلى تخطئة آدم عليه السلام وأنّه قال قسطاً من العتاب واللوم لما مرّ به من الاختبار من النهي عن الأكل من الشجرة، في العتاب كما يرون من دلالة قوله تعالى: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} (الأعراف / 22).

إذ يرى الزمخشري أنَّ آدم عليه السلام قد نال اللوم والتوبيخ لأنّه لم يعبأ بكلام البارئ عزّ وجلّ واتبع إبليس ونسي تحذير الله له من عداوة إبليس فقال موجهاً ذلك بأنَّهُ (عتاب من الله تعالى وتوبيخ وتنبيه على الخطأ إذ لم يتحذر مما حذرهما الله من عداوة إبليس، وروي أنَّهُ قال لآدم عليه السلام ألم يكن لك فيما منعتك من شجرة الجنة مندوحة عن هذه الجرة؟ فقال بلى وعزتك ولكن ما ظننت أنَّ أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً، قال: بعزتي لأهبطنّك إلى الأرض ثم لا تنال


صفحه 231

العيش إلا نكدا)([512]).

وللفخر الرازي توجيه آخر لهذه الآية المباركة إذ يرى أنَّ النّهي قد يكون للتحريم وقد يكون تنزيهاً غير ملام عليه، قال: (لا تسلم أنَّ النّهي للتحريم فقط، بل هو مشترك بين التحريم والتنزيه، وتفسيره أنَّ النهي يفيد أنّ جانب الترك راجح على جانب الفعل) ([513]).

فيكون نهياً إرشادياً لا يعاقب على تركه فيكون من باب ترك الأولى، ثم أنَّهُ – رأي الرازي – يفرض أنَّهُ مع التسليم بأن النهي كان محرماً لكن آدم فعل ناسياً لقوله تعالى: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} (طه/115) وحينئذٍ لم يكن ذنباً لأنّ التكليف مرتفع عن الناسي، ثم يوجه الآية حتى مع احتمال نفي النسيان، فحتى مع أنَّهُ لقائل أنَّ يقول: إنّ آدم لم يكن ناسياً، بدليل هذه الآية {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ} (الأعراف/20) إذ إنه عوتب على ذلك وإنّه لو كان ناسياً لما عوتب على الفعل، فحيث عوتب دلّ على أنَّهُ ما كان ناسياً، ثم يجيب الرازي على هذا الاحتمال – بانا نسلّم أنَّهُ لم يكن ناسياً ولكنه أخطأ في الاجتهاد، وذلك لأنّ كلمة (هذه) في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} (الأعراف/19) قد يراد بها الإشارة إلى الشخص، وقد يراد بها الإشارة إلى النوع كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاّ به) فآدم عليه الصلاة والسلام اشتبه الأمر عليه فظن أنَّ المراد هو الشخص فعدل عنه إلى شخص آخر، إلاّ أنَّ المجتهد إذا

[511]الكشاف 2: 99.

[512]عصمة الأنبياء 19.