بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 237

(عفا الله عنك ما صنعت بحاجتي)([526]) وهذا كأنما جاري في المخاطبة.

وقد أفرط بعضهم في تجاوزه على مقام النَّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى درجة الإساءة بزعم أنَّ الآيات دليل على أمكان صدور المعصية منه، وهذا ما نلاحظه عند الزمخشري الذي أفرط في الإساءة إليه صلى الله عليه وآله وسلم مما دعا صاحب الحاشية (أحمد بن المنير الاسكندري (ت683 هـ) إلى ردّه وتوجيه كلامه.

إذ قال الزمخشري (({عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} (التوبة/43) كناية عن الجناية، لأنّ العفو رادف لها، ومعناه أخطأت وبأس ما فعلت. و{لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43) بيان لما كني عنه بالعفو، ومعناه: مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلوا لك بعللهم وهلا استأنيت بالأذن {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ} (التوبة/43) من صدق في عذره ممن كذب فيه.

وقيل شيئان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه من الأسارى فعاتبه الله تعالى))([527]).

وهذا ما دفع صاحب الحاشية على الكشاف أنَّ يحتج على الزمخشري إذ قال: (ليس له أنَّ يفسّر هذه الآية بهذا التفسير، وهو بين أحد أمرين: إما أنَّ لا يكون هو المراد وإمّا أنَّ يكون هو المراد ولكن أجل الله نبيه الكريم عن مخاطبته بصريح العتب، وخصوصاً في حقّ المصطفى عليه الصلاة والسلام، فالزمخشري على كلا التقديرين ذاهل عما يجب من حقّه عليه الصلاة والسلام.

[525]معالم التنزيل 20: 251.

[526]الزمخشري 2: 261 – 262.


صفحه 238

ولقد أحسن من قال في هذه الآية: إن من لطف الله تعالى بنبيّه أنَّ بدأ بالعفو قبل العتب، ولو قال له ابتداءً: لِمَ أذنت لهم؟ لتفطر قلبه عليه الصلاة والسلام مثل هذا الأدب يجب احتذاؤه في حق سيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام)([528]).

وكل هذا في الواقع قليل بحق المصطفى الذي جعله الله مثلاً في الخلق العظيم إذ قال تعالى مخاطباً لنبيّه {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم/4).

وبعد أنَّ يورد السمر قندي سبب النزول من استئذان المنافقين بالتخلف وأذن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لهم، يرى أنَّ الخطاب في قوله تعالى {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} (التوبة/43) للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويذكر بعد ذلك ما يرويه عن بن عبد الله من أنَّ الله أخبره بالعفو قبل أنَّ يخبره بالذنب، ثم يصرح على مسألة العتاب فيرى أنَّ منشأهُ فعلان فعلهما رسول الله، الفداءه من أسارى بدر وإذنه للمنافقين بالتخلّف([529]).

ويوجه القرطبي الآية المباركة فيراها (افتتاح كلام كما تقول أصلحك الله وأعزك ورحمك كان كذا وكذا وعلى هذا التأويل يحسن الوقف على قول {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} (التوبة/43) حكاه مكي المهدوي والنحاس وأخبره العفو قبل الذنب لئلا يطير قلبه فرقاً، وقيل المعنى {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} ما كان من ذنبك في أنَّ أذنت لهم فلا يحسن الوقف على قوله {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} على هذا التقدير، حكاه المهداوي واختاره النحاس، ثم قيل في الإذن قولان، الأول لِمَ أذنت لهم في

[527]المصدر نفسه حاشية 2: 261.

[528]ظ: نصر الدين محمد بن أحمد أبو الليث السمر قندي، من أعلام القرن الرابع الهجري، بحر الغرائب 2: 62، تح. د. محمود مطربي ط 1، 1418 هـ - 1997 م.


صفحه 239

الخروج معك وفي خروجهم وخروجهم بلا عدّة ونيّة صادقة، الثاني لِمَ أذنت لهم في القعود لمّا اعتلوا بأعذار ذكرهما القشيري. قال وهذا عتاب تلطّف إذا قال عفا الله عنك وكان عليه السلام أذِن من غير وصي نزل فيه، فقال قتاده وعمر بن ميمون ثنتان فعلهما النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يؤمر بهما...)([530]).

ويكاد لا يبتعد ابن كثير عن أقرانه في أنَّ الآيات نزلت عتاباً له صلى الله عليه وآله وسلم بعد ان يروي من استحسن المعاتبة، بما ينتهي سنده إلى عون إذ قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ نداء بالعفو قبل المعاتبة فقال: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43) ثم يقول وقال قتادة عاتبه كما تسمعون([531]).

وللبيضاوي نصيب من توجيه العتاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ يرى أنَّ الآيات فيها نوع استفهام من النَّبي لو أنَّهُ توقف حتى يرى أمر الله لدرء ما قد يلام عليه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فيرى أنَّ النَّبي قد أخطأ قال: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} كناية عن خطئه في الإذن فإن العفو من روادفه {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} بيان لما كني عنه بالعفو ومعاتبته عليه، والمعنى لأي شيء أذنت لهم في القعود حتى استأذنوك واعتلوا بأكاذيب وهلا توقفت حتى يتبين، يؤمر بها أخذه للفداء وإذنه للمنافقين فعاتبه الله عليها)([532]).

ونرى أنَّهُ لا دليل في الآية على صدور أي ذنب أو معصية من النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وحتى ظاهر الآية لا يدل على ذلك لأنّ القرائن جميعها تثبت

[529]الجامع لأحكام القرآن 4: 129 – 130.

[530]ظ: تفسير القرآن العظيم 2: 374.

[531]تفسير البيضاوي 3: 148.


صفحه 240

أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم سواء أذن لهم أم لم يأذن، فإنّهم لا يجدون نفعاً في الجهاد وقد اثبت القرآن ذلك قال تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} (التوبة /47) ومعه لم يقعد المسلمون أي مصلحة في إذن النَّبي لهم بالانصراف.

وكيف يفعل النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يؤمر به والقرآن يصرّح بأنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم/ 3-4) فما هذا إلاّ تجني على النَّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي يزن لكل عمل وزنه لأنّه مسدد بالوحي وبروح القدس.

الآية الثانية

قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} (عبس /1-2).

سبق أنَّ بيّنا أنَّ جمعاً من المفسرين تأثر بالسبب المروي لنزول هذه الآية واعتقدوا خطأً أنّها نزلت عتاباً لرسول الله وذلك عندما أقبل عليه ابن أم مكتوم وأعرض النَّبي عنه وأقبل إلى غيره.. فكان كلمّا رآه رسول الله يكرمه ويقول: مرحباً بمن عاتبني به ربّي([533]).

فالفخر الرازي بعد أنَّ يرى أنَّ القوم تمسكوا بأنّ عتاب الله لنبيه إثر إعراضه عن ابن أم مكتوم، فهو لا يسلم بأنّ الخطاب متوجه إلى النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم فعندها يرى الرواية معارضة بأمور([534]).

[532]ظ: الزمخشري، الكشاف 4: 701، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، البيضاوي 4: 382، تفسير ابن كثير 4: 471، تفسير ابن السعود 9: 107، زبدة التفاسير 7: 332، صفوة التفاسير 7: 334.

[533]عصمة الأنبياء 108.


صفحه 241

الأول:أنَّهُ وصفه بالعبوس وليس هذا في صفات النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم في قرآن ولا خبر مع الأعداء والمعاندين فضلاً عن المؤمنين والمسترشدين.

الثاني:وصفه بأنَّهُ تعدى للأغنياء وتلهى عن الفقراء وذلك غير لائق بأخلاقه.

الثالث:أنَّهُ لا يجوز أنَّ يقال للنّبي {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى} (عبس/7).

فإن هذا الإغراء يترك الحرص على إيمان قومه فلا يليق بمن بعث بالدعاء والتنبه([535]).

وعندما نطالع الجزائري نجده يرى أنَّ الآية فيها عتاب صريح ولطيف يعاتب الله سبحانه وتعالى به رسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ([536]).

ولا يخفى على ذي لب أنَّ العبوس والتصدّي للأغنياء من دون الفقراء والتلّهي عمن جاء مسلماً لفقره أو عماه، وقوله تعالى {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى} (عبس / 7) كل ذلك يتعارض مع خلق رسول الله وصفاته صلى الله عليه وآله وسلم.

وهو مردود لأنه يعتمد روايات ضعيفة في أسباب النزول فضلاً عن أنَّهُ مخالف للكتاب في نصّه بوصف النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّهُ على خُلُقٍ عظيم فكيف يستقيم هذا المعنى مع النص.

وبالتدبّر في الروايات واستحضار روايات أخرى صحيحة ترفع المعنى نجد أنَّ التفاسير أجمعت على أنَّ الأعمى هو ابن أمّ مكتوم لكنّها اختلفت فيمن خوطب بالسورة ووصفه الله بتلك الصفات فقال بعضهم: هو النَّبي صلى الله عليه وآله

[534]المصدر نفسه.

[535]ظ: أيسر التفاسير 5: 517.


صفحه 242

وسلم وقال آخرون: هو رجل من بني أمية كان عند النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاءه ابن أمّ مكتوم فلما رآه تعذّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه فحكى الله قصته([537]).

وعليه فالخطاب غير دال على توّجهها إلى النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم بل يدل الخطاب على توجهها لشخص آخر غير النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو كان الخطاب له صلى الله عليه وآله وسلم لقال: عبست وتولّيت، هذا على أنّها مناقضة لما أنماز به النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم من صفات شهد له بها القرآن الكريم.

الآية الثالثة

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التحريم / 1).

هذه من بعض الآيات التي تمسّك به الذاهبون إلى القول بالعصمة الجزئيّة، بأنها ظاهرة في عتاب الله لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، ووجه العتاب فيها ناشئ من أنَّهُ لا يكمن إلاّ عن ذنب كبيراً كان أو صغيراً، وفي هذا تخطئة له صلى الله عليه وآله وسلم وعتاب وتوبيخ، هكذا وجهوا الآية المباركة يدفعها للدلالة على غير ما أريد بها.

وقضية هذه الآية الكريمة الواردة في سورة التحريم متناولة عند أغلب المفسرين، إذ يذكرون أسباب نزولها، فيقولون: إنّها تتمثل في موقف عائشة وحفصة زوجتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لإفشائهما سرّه صلى الله عليه وآله وسلم، وتظاهرهما عليه، من أجل تحريم مارية القبطية على نفسه صلى الله

[536]ظ: الميزان 20 / 204.


صفحه 243

عليه وآله وسلم أو تحريمه شرب العسل عند إحدى زوجاته، فقد أفشت حفصه سرّه وأخبرت به عائشة، الأمر الذي دعا إلى نزول قوله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} (التحريم/3)([538]).

وعندما ينطلق القشيري (ت465 هـ) من سبب النزول، يرى أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عوتب لذلك، فيقول: (جاء في القصة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم حرّم على نفسه مارية القبطيّة وفي الحال حلف أنَّ لا يطأها شهراً مراعاة لقلب حفصة إذ رأت النَّبي معها في يومها، وقيل حرّم على نفسه العسل لمّا قالت له زوجاته إنّا نجد منك ريح المغافير، والمغافير صمغ في البادية كريه الرائحة، ويقال بقلة كريهة الرائحة، فعاتبه الله على ذلك)([539]).

وللفخر الرازي توجيه ينحى به منحى آخر كأنه يميل معه إلى رواية تحريم النَّبي مارية القبطية على نفسه، ولذا يبرر ذلك بأنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم لم يرتكب ذنباً يستحق العتاب الصريح، فقال: (إن تحريم ما أحل الله له ليس بذنب بدليل الطلاق والعتاق، وأمّا العتاب فإنّ النّهي عن فعل ذلك لابتغاء مرضات النساء، أو ليكون زجراً لهن عن مطالبته مثل ذلك كما يقول القائل لغيره: لِمَ قبلت أمر فلان واقتديت به وهو دونك وأثرت رضاه وهو عبدك، فليس هذا

[537]ظ: البخاري، صحيح البخاري ص 899، عبد الله بن قدامه (ت620 هـ)، المغني 11: 202، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان.

[538]تفسير القشيري 3: 322.


صفحه 244

عتاب ذنب وإنما هو عتاب تشريف([540]).

ويبدو أنَّ هذا التوجه أعدل من غيره إذ إنه قرن للعتاب مساحة أخرى غير مساحة الخطاب الشديد الذي أحتمله بعضهم من المفسرين.

والذي يبدو أنَّ رواية تحريم مارية غير ناهضة قبال الآية المباركة باعتبار أنَّ لمارية بيتها وليلتها وليس من أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي يمثل العدالة الإنسانية، أنَّ لا يراعي ذلك، ولا يبقى إلا أنَّ يكون أنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم حرم العسل على نفسه للمؤامرة غير الشرعية المتمثلة بالكذب لما قلن له صلى الله عليه وآله وسلم نجدُ فيك ريح المغافير.

وهذا المعنى من المؤامرة والتظاهر عليه صلى الله عليه وآله وسلم ما وجه به القرطبي الآية فقال: (ثبت في صحيح مسلم عن عائشة – رضي الله عنها – أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلاً، قالت: فتواطأت أنا وحفصة إن أيّتنا ما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح المغافير، أكلت المغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك ذلك فقال: ((بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود له)). فنزل: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ}([541]) (التحريم/1).

ولذا انطلق من هذه الرواية في إفادة العتاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من خلال قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التحريم/1) يقول (لما أوجب المعاتبة

[539]الرازي، عصمة الأنبياء: 111 – 112.

[540]القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 9: 115.