(1) بيان ما يتعلق بمفردة العتاب
ذكر أصحاب المعجمات العتاب في كتبهم ضمن مادة (عتب) وتعمق كثير منهم في جذر هذه المفردة ونحن هنا نأخذ موضع الحاجة إلى الضرورة الدراسة فقط.
ذكر صاحب المجمع الوسيط معنى العتاب فقال: (عتب عليه عتباً وعتياناً ومعتباً، ومعتبةً، لامه وخاطبهُ مخاطبة الإذلال طالباً حسن مراجعته ومذكراً إياه بما كرهه منه، وفلان عتبٌ وعتبانٌ، وتعاتبٌ)([32]).
(2) ما يتعلق بمفردة اللوم
أما اللوم: فأصله (ل. و. م) العذْل تقول (لامه) على كذا من باب قال و(لَوْمَهُ) أيضاً فهو (مَلومٌ) و(لوّمهُ) مشدّدة للمبالغة أيضاً و(اللوّمُ) جمع (لائم) كراكع وركّع و(اللائمةُ) الملامة يقال: ما زلت اتجرع فيك (اللوائم) و (الملاوم) جمع (ملامة) و(ألام) الرجل أتى بما يُلام عليه.
وفي المثل: رب لائم (مُليمَ) أبو عبيدة: (ألامهُ) بمعنى يلومه الناس و(لوَمه) بفتح الواو يلوم الناس. و(التلّوّم) الانتظار والتمكّث([33]).
(3) ما يتعلق بمفردة التثريب
التثريب يكون شبيه بالتقريع والتوبيخ ولا يكون إلاّ على فعل قبيح.
ومعناه: الأخذ على الذنب، والتثريب شحم قد غشي الكرش والأمعاء
[32]ظ: إنعام نوال، المجمع المفصل في علوم البلاغة (125) دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان ط2، 1417 هـ - 1996.
[33]محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي (ت721 هـ) مختار الصحاح، باب اللوم 353، دار إحياء التراث العربي، تدقيق محمد علاق ط1، 1419، 1999 م.
رقيق([34]) والتثريب هو اللوم وقد جاء في الذكر الحكيم: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ} (يوسف/92).
ويقول أبو هلال العسكري: (إنَّ التثريب شبيه بالتقريع، والتوبيخ: تقول: وبّخه وقرّعه وثربه بما كان منه، واللوم قد يكون لما يفعله الإنسان في الحال.
ولا يقال لذلك تقريع وتثريب وتوبيخ، واللوم يكون على الفعل الحسن، ولا يكون التثريب إلا على قبيح، والتفنيد تعجيز الرأي: يُقال فنّده إذا عجز رأيه وضعه)([35]). والاسم الفند وأصل الكلمة اللفظ ومنه للقطعة من الجبل فِنْد، ويجوز أنَّ يقال: التثريب الاستقصاء في اللوم والتعنيف([36]) وأصله من الثرب وهو شحم الجوف([37]) لأنّ البلوغ إليه هو البلوغ إلى الموضع الأقصى من البدن.
ولقد أفاد أهل اللغة وأصحاب البلاغة والفصاحة من استعمالات الآيات القرآنية كثيراً من الأسرار البلاغية التي لا تحصى. وما يهمنا منها في هذه الدراسة هو (الاستفهام) إذ له الأثر في فهم سياق الآيات وتوجيه الصياغة الأدبية والتمثيل الفني فيها، فلذا نجد أنَّ معاني العتاب تنجلي في الاستفهام وهو باب واسع من أبواب الإنشاء ومنها:
[34]ظ: ابن فارس: المقاييس: مادة «ثرب».
[35]ظ: أبو هلال العسكري (ت395 هـ) الفروق اللغوية: 65،تعليق محمّد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان ط 2، 2005 م – 1426 هـ.
[36]لسان العرب مادة (فند).
[37]المصدر نفسه مادة (ثرب).
(1) استفهام العتاب
وفي شأن هذا العتاب أشار السيوطي في حديثة إلى استفهام العتاب، متمثلاً بقوله جل ثناؤه: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} (الحديد/16) ففي هذه الآية الكريمة استفهام العتاب في شأن الصحابة لما أكثروا المزاح.
ومن اللّطف ما عاتب به خير خلقه مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة/43). ففي الآية عتاب الخالق لرسوله مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وكان أذن لجماعة في التخلّف عن الجهاد باجتهاد منه، فنزل عتاباً له، وقدمّ العفو تطميناً لقلبه([38]).
والعتاب خير من الحقد ولا يكون إلا على زلة فقد مدحه قوم فقالوا: العتاب حدائق المتحابين ودليل على بقاء المودة([39]).
(2) استفهام التبكيت
وهذا الاستفهام مما أشار إليه الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن) في حديثه عن الاستفهام، ومثل له بقوله تعالى: {أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ} (المائدة /116).
وقد جعل السكاكي تمثيل الآية الكريمة من باب التقرير، وفيه تقصير
[38]ظ: جلال الدين السيوطي الشافعي (ت911 هـ)، الاتقان في علوم القرآن، 2: 410، دار الفكر، بيروت – لبنان 1426 – 2005.
[39]ظ: أحمد بن علي القلقشدي (ت821 هـ)، صبح الأعشى في صناعة الإنشاء 9: 189 تحق د. يوسف علي، دار الفكر، بيروت – لبنان، ط 1، 1987 م.
وإمعان لأنّ هذا القول لم يقع منه عليه السلام تنزيهاً لله عما لا يليق من شريك وغيره([40]).
(3) استفهام التوبيخ
التوبيخ لغة من فعل وبخ، والوبخة اسم من التوبيخ: العذل المحرقة، ووبخّه لامه وعيّره، قيل إن استفهام التوبيخ جعله يعظهم من قبل الإنكار إلا أنّ الأول إنكار إبطال وهذا إنكار توبيخ، والمعنى أنّ ما بعده واقع جدير بأن ينفى، فالنفي هنا قصدي والإثبات قصدي.
ويعبّر عن ذلك بالتقريع أيضاً وقد مثل مبرهناً قوله بهذه الآية الكريمة من قوله تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} (طه/92) بمعنى، بإقامتك بين من يعبد الله تعالى، على سبيل التوبيخ الاستفهامي الإنكاري لإبطال ما أمرك الله به من عبادة الأوثان والأصنام.
وكقوله تعالى أيضاً: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} (الصف/2) على سبيل التوبيخ والإنكار عندما هزموا في معركة أحد([41]).
هذا ما أردنا بيانه على سبيل الإيجاز غاضِ الطرف عن كثير ممن له صلة بمفهوم العتاب أو اللوم، كالنهي وغيره من الأنواع التي تحراها علماء البلاغة العربية.
[40]ظ: د. نوال عكاوي، المجمل المفصّل: 127، السيوطي، الإتقان 2: 410، عبد القاهر الجرجاني دلائل الإعجاز، 88 – 89، دار المعرفة، بيروت – لبنان، قم إيران 1404 هـ - 1978 م.
[41]ظ: السيوطي: الإتقان 2: 410، د. إنعام نوال عكاوي، المعجم المفصّل 135.
معاني مفردة العتاب في الاستعمال القرآني
(أ) ورد معنى العتاب بلفظ (يستعتبون) في ثلاث سور من القرآن الكريم هي:
(الروم / 57) (الجاثية / 35) (النحل / 84)
(1) قال تعالى:
{فَيَوْمَئِذٍ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} (الروم/57) أريد بها هنا (لا يطلب منهم الإعتاب والرجوع إلى الحق)([42]).
وأما الزمخشري (ت538 هـ) فيستفيد من دلالة لفظة (يستعتبون) بما نصّه قال: (من قولك استعتبني فلان فأعتبته أي استرضاني فأرضيته، وذلك إذا كنت جانياً عليه وحقيقة أعتبته أزلت عتبه، إلا ترى إلى قوله([43]):
غَضِبَتْ تَميمٌ أَنْ تُقَتَّلَ عَامِرٌ
يَوْمَ النِّسارِ، فَأَعْتَبُوا بالصّيْلَمِ
كيف جعلهم غضاباً، ثم قال فاعتبوا، أي أزيل غضبهم والغضب في معنى العتب.
والمعنى لا يقال لهم أرضوا ربّكم بتوبة وطاعة، ومثله قوله تعالى: {وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنْ الْمُعْتَبِينَ} (فصلت / 24) قلت، أما كونهم غير مستعتبين: فهذا معناه، وأما كونهم غير معتبين، فمعناه أنهم غير راضين بما هم فيه، فشبهت
[42]أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت548 هـ) مجمع البيان 2: 202، تحقيق هاشم رسول المحلاتي، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان،ط 1، 1412، 1992 م.
[43]فصل المقال في شرح كتاب الأمثال، أبو عبيد البكري ج 1 ص 272، مؤسسة الرسالة 1971، لبنان – بيروت.
حالهم بحال قوم جني عليهم، فهم عاتبون على الجاني غير راضين عنه)([44]).
هذا ما أفاده الزمخشري من دلالة اللفظة على العتاب إذ إنّه أرجع الأصل فيها إليه.
(2) قوله تعالى:{ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمْ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} (الجاثية / 35).
استفيد منها لفظ العتاب الصريح كما يراها الطبرسيرحمه الله(ت548 هـ) قال: (أي لا يطلب منهم العتبى أو الاعتذار لأنّ التكليف قد زال وقيل معناه لا يقبل منهم العتبى([45]).
وجاء بمعنى الرضا كما في الكشاف (ولا يطلب منهم أنَّ يعتبوا ربهم أي يرضوه)([46]).
(3) قوله تعالى:{وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} (النحل / 84).
يُرجع القرطبي (ت671 هـ) أصل الكلمة إلى العتب (وأصل الكلمة من العتب وهي الموجدة، يقال عتبت عليه، يعتب إذا وجد عليه، فإذا فاوضه ما عتب عليه فيه فقيل عاتبه، فإذا رجع إلى حسرتك فقد أعتب، والاسم العُتبى وهو
[44]الكشّاف 3: 494، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، ط2، 1431 هـ - 2001 م، ظ: أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (ت607 هـ)، الجامع لأحكام القرآن 7: 350، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، تصحيح هاشم سمير النجاري، ط 1، 1422 هـ - 2002 م.
[45]مجمع البيان: 9: 104.
[46]الزمخشري 4: 296، مصدر سابق.
رجوع المعتدي عليه إلى ما يرضي العاتب..)([47]).
- ب - وردت لفظة العتاب كذلك في معنيين في سورة واحدة وهي فصّلت وهما (يستعتبوا) و (المعتبين).
قال تعالى:{فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنْ الْمُعْتَبِينَ} (فصلت/4).
قال في المجمعَ مستفيداً من دلالة الآية على العتابِ: (والاستعتاب طلب العتبى وهي الرضا وهو الاسترضاء والأعتاب الإرضاء وأصل العتاب عند العرب استصلاح الجلد بإعادته في الدباغ ثم استعير فيما يستعطف به بعضه بعضاً لإعادته ما كان من الألفة)([48]) ثم يرى في بيان الآية (أي وأن يلبوا العتبى وسألوا الله تعالى أنَّ يرضي عنهم فليس لهم طريق إلا الإعتاب فما هم ممن يقبل عذرهم ويرضى عنهم)([49]).
الاستعمال القرآني لمفردة اللوم
وردت مادة (لوم) في القرآن الكريم في عشر سور تعطي معنى (اللوم) وبصيغ مختلفة وهي:
(1) [لُمْتُنَّنِي] قال تعالى:{قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ...} (يوسف/32).
[47]أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 5: 107، تصحيح هشام سمير النجاري، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان ط1، 1422 هـ - 2002 م.
[48]الطبرسي، مجمع البيان 9: 13 – 14.
[49]المصدر نفسه 9: 15، ظ: القرطبي، الجامع 8: 277.
(2) [تَلُومُونِي] قال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي} (إبراهيم / 22).
(3) [وَلُومُوا] قال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} (إبراهيم / 22).
(4) [مَلُوماً] وردت في سورة الإسراء في آيتين هما:
* قال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً} (الإسراء/29).
* قال تعالى:{ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً} (الإسراء / 29).
(5) [لَوْمَةَ] قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ} (المائدة/54).
(6) [لاَئِمٍ] قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ} (المائدة/54).
(7) [مَلُومِينَ]: وردت في موضعين هما:
قال تعالى:{إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} (المؤمنون/6).
قال تعالى:{إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ}