وسلم وقال آخرون: هو رجل من بني أمية كان عند النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاءه ابن أمّ مكتوم فلما رآه تعذّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه فحكى الله قصته([537]).
وعليه فالخطاب غير دال على توّجهها إلى النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم بل يدل الخطاب على توجهها لشخص آخر غير النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو كان الخطاب له صلى الله عليه وآله وسلم لقال: عبست وتولّيت، هذا على أنّها مناقضة لما أنماز به النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم من صفات شهد له بها القرآن الكريم.
الآية الثالثة
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التحريم / 1).
هذه من بعض الآيات التي تمسّك به الذاهبون إلى القول بالعصمة الجزئيّة، بأنها ظاهرة في عتاب الله لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، ووجه العتاب فيها ناشئ من أنَّهُ لا يكمن إلاّ عن ذنب كبيراً كان أو صغيراً، وفي هذا تخطئة له صلى الله عليه وآله وسلم وعتاب وتوبيخ، هكذا وجهوا الآية المباركة يدفعها للدلالة على غير ما أريد بها.
وقضية هذه الآية الكريمة الواردة في سورة التحريم متناولة عند أغلب المفسرين، إذ يذكرون أسباب نزولها، فيقولون: إنّها تتمثل في موقف عائشة وحفصة زوجتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لإفشائهما سرّه صلى الله عليه وآله وسلم، وتظاهرهما عليه، من أجل تحريم مارية القبطية على نفسه صلى الله
[536]ظ: الميزان 20 / 204.
عليه وآله وسلم أو تحريمه شرب العسل عند إحدى زوجاته، فقد أفشت حفصه سرّه وأخبرت به عائشة، الأمر الذي دعا إلى نزول قوله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} (التحريم/3)([538]).
وعندما ينطلق القشيري (ت465 هـ) من سبب النزول، يرى أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عوتب لذلك، فيقول: (جاء في القصة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم حرّم على نفسه مارية القبطيّة وفي الحال حلف أنَّ لا يطأها شهراً مراعاة لقلب حفصة إذ رأت النَّبي معها في يومها، وقيل حرّم على نفسه العسل لمّا قالت له زوجاته إنّا نجد منك ريح المغافير، والمغافير صمغ في البادية كريه الرائحة، ويقال بقلة كريهة الرائحة، فعاتبه الله على ذلك)([539]).
وللفخر الرازي توجيه ينحى به منحى آخر كأنه يميل معه إلى رواية تحريم النَّبي مارية القبطية على نفسه، ولذا يبرر ذلك بأنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم لم يرتكب ذنباً يستحق العتاب الصريح، فقال: (إن تحريم ما أحل الله له ليس بذنب بدليل الطلاق والعتاق، وأمّا العتاب فإنّ النّهي عن فعل ذلك لابتغاء مرضات النساء، أو ليكون زجراً لهن عن مطالبته مثل ذلك كما يقول القائل لغيره: لِمَ قبلت أمر فلان واقتديت به وهو دونك وأثرت رضاه وهو عبدك، فليس هذا
[537]ظ: البخاري، صحيح البخاري ص 899، عبد الله بن قدامه (ت620 هـ)، المغني 11: 202، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان.
[538]تفسير القشيري 3: 322.
عتاب ذنب وإنما هو عتاب تشريف([540]).
ويبدو أنَّ هذا التوجه أعدل من غيره إذ إنه قرن للعتاب مساحة أخرى غير مساحة الخطاب الشديد الذي أحتمله بعضهم من المفسرين.
والذي يبدو أنَّ رواية تحريم مارية غير ناهضة قبال الآية المباركة باعتبار أنَّ لمارية بيتها وليلتها وليس من أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي يمثل العدالة الإنسانية، أنَّ لا يراعي ذلك، ولا يبقى إلا أنَّ يكون أنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم حرم العسل على نفسه للمؤامرة غير الشرعية المتمثلة بالكذب لما قلن له صلى الله عليه وآله وسلم نجدُ فيك ريح المغافير.
وهذا المعنى من المؤامرة والتظاهر عليه صلى الله عليه وآله وسلم ما وجه به القرطبي الآية فقال: (ثبت في صحيح مسلم عن عائشة – رضي الله عنها – أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلاً، قالت: فتواطأت أنا وحفصة إن أيّتنا ما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح المغافير، أكلت المغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك ذلك فقال: ((بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود له)). فنزل: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ}([541]) (التحريم/1).
ولذا انطلق من هذه الرواية في إفادة العتاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من خلال قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التحريم/1) يقول (لما أوجب المعاتبة
[539]الرازي، عصمة الأنبياء: 111 – 112.
[540]القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 9: 115.
رحيم برفع المؤاخذة – ثم يقول – وقيل: إن ذلك كان ذنباً من الصغائر، والصحيح أنَّهُ معاتبه على ترك الأولى وإنْ لم تكن له صغيرة ولا كبيرة)([542]).
وعلى فرض كلا السببين للنزول، من تحريم مارية على نفسه أو شرب العسل فيرى في التسهيل أنّها نزلت عتاباً على أنَّ يضيّق على نفسه بتحريم الجارية أو تحريم العسل – وإمّا قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التحريم/1) فيراه إشارة إلى أنَّ الله غفر له ما عاتبه عليه من التحريم على أنَّ عتابه في ذلك إنّما كان كرامة له وإنّما وقع العتاب على تضييقه عليه السلام على نفسه وامتناعه مما كان فيه أدب([543]).
ويبدو للبيضاوي أنَّ رواية تحريم مارية هي الراجحة عنده إذ أنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم عوتب لأجل ذلك([544]).
ويكاد لا يختلف الصابوني عمّن سبقه إلا يسيراً في توجيه العتاب الوارد في الآية فقال: (وفي افتتاح العتاب من حين التلطّف ما لا يخفى فقد عاتبه على إتعاب نفسه والتضييق عليها من أجل مرضات أزواجه، أما قوله تعالى {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التحريم/1) – فيرى أنَّهُ عقبى – والله واسع المغفرة عظيم الرحمة إذ سامحك في امتناعك عن مارية، وإنما عاتبك رحمة بك وفي هذا إشارة إلى أنَّ عتابه في ذلك إنما كان كرامة له وإنما وقع العتاب لتضييقه على نفسه)([545]).
ويبدو لنا أنّ الخطاب في الآية المباركة، ليس خطاب تقريع ولوم وعتاب كما تخيلّه بعض المفسرين وإنّما هو نغمة تشريف وتلطف بسبب تحملّه العناء والمشقة
[541]المصدر نفسه 9: 119.
[542]ظ: أبو القاسم محمد الكلبي (ت741 هـ) التسهيل في علوم التنزيل 2: 462.
[543]ظ: تفسير البيضاوي 4: 292.
[544]ظ: محمد علي الصابوني، صفوة التفاسير 3: 383 – 384.
من أجل أرضاء زوجاته، إذ مرّ فيما سبق عتاب الله لهنّ، لقيامهن بإفشاء سرّه صلى الله عليه وآله وسلم والتظاهر عليه، الأمر الذي دعاهنّ للتوبة مما اقترفن.
الآية الرابعة
قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} (الأحزاب / 37).
ذهب المجوزّون لصدور الذنب عن الأنبياء إلى توجيه الله له، حتى لقد روى ابن جرير عن عائشة أنها قالت: ما نزلت آية أشد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الآية، ولو كتم شيئاً لما أوحي إليه من كتاب الله تعالى، لكتم هذه الآية([546]).
ويفهم منها قناعة عائشة بخطأ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وندمه على ذلك وفي القصة إشارة إلى أكاذيب ما يروى من أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى زينب بنت جحش بعدما زوّجها ربيبه زيداً فهويها النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ولمّا حضر زيد لطلاقها، أخفى رسول الله ما في نفسه من عزمه على نكاحها بعده، لهواه لها، فعاتبه ربُّه على ذلك([547]) وممّا قالوا: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبصرها بعدما أنكحها إياهُ – أي زيد – فوقعت في نفسه([548]).
يذهب الزمخشري إلى تأويل الآية بما يثبت العتاب لكنه ينقله إلى التوجه لغير
[545]تفسير ابن كثير 3: 491.
[546]ظ: الفخر الرازي، عصمة الأنبياء 100، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 7: 125.
[547]الزمخشري، الكشاف 3: 549.
ما قد فهم خطأ إذ يقول: (فإنْ قلت... كيف عاتبه الله في ستر ما استهجن التصريح به ولا يستهجن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم التصريح بشيء إلا الشيء في نفسه مستهجن، وقال له الناس لا تتعلّق إلا بما يستقبح في العقول والعادات؟ وما له لم يعاتبه في الأمر نفسه ولم يأمره بفهم الشهوة وكف النفس عن أنَّ تنازع إلى زينب وتتبعها ولم يعصم نبيّه عن تعلّق الهجنة به وما يعرضه للقالة؟ قلت: كم من شيء يتحفّظ منه الإنسان ويستحي من إطلاع الناس عليه، وهو في نفسه مباح متسع، وحلال مطلق، لا مقال فيه ولا عيب عند الله...)([549]).
ونحى القرطبي المنحى نفسه من توجيه العتاب في الآية بقوله: ((وخشي رسول الله أنَّ يلحق قول من الناس في أنَّ يتزوّج زينب بعد زيد وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله على هذا من أنَّ قد خشي الناس في شيء قد أباحه الله له)([550]).
وأما الفخر الرازي فقد وجّه الآية مجيباً عمّن تمسّك بأنّها واردة في عتاب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بأربعة وجوه نقف عند موضع الحاجة إليها:
أحدها: (الذي يدل على أنَّهُ لم يصدر من الرسول في هذه الواقعة مذمة، ولا عاتبه الله على شيء منه، ولا ذكر أنَّهُ عصى أو أخطأ ولا ذكر استغفار النَّبي منه، ولا أنَّهُ اعترف على نفسه مخطئاً)([551]).
والفخر الرازي وإنْ كان لا يقول بالعصمة المطلقة لنبينا الأكرم صلى الله
[548]الكشاف 3: 550 - 551.
[549]الجامع لأحكام القرآن 7: 125.
[550]عصمة الأنبياء 100.
عليه وآله وسلم ولكنّه يجب في مثل هذه الحادثة أنَّ النَّبي الأكرم بعيد عما دوّنته أقلامهم المزيفة بالطعن والافتراء، بل يرى (أنَّهُ لو حصل في ذلك سوء لكان قدحاً في الله تعالى)([552]).
وحقيقة ما تدل عليه هذه الآيات ونصتّها أنَّ الله تعالى أراد أنَّ ينسخ عادة جاهلية متمكنة من نفوس الناس وهي تحريم زوجة المتبنّى، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ يتزوج منها بعد قِران زيد لها وكمال عدتها، كأي إمرأة من المسلمين، لكون ذلك ناسخاً لجاهلية كامنة في النفوس.
[551]المصدر نفسه 101.
الخاتمة
بعد هذه الرحلة الطويلة في آفاق (آيات العتاب) ودلالاتها وإشباعها بحثاً ودراسةً من حيثيات وزوايا متعددة ومحاولة استقصاء عناصره ومفهوماته وأشكاله ودلالاته في اللغة ووروده في آيات الذكر الحكيم أهم النتائج التي تمخضت عنها الدراسة إذ تبلورت في الآتي:
(1) إنّ العتاب في اللغة العربية يرجع إلى أصول متعددة من إذ البناء اللفظي ويرد بصيغ متعددة في المفردات التي نالت عناية الباحثين القدماء وحضيت باهتمامهم الملحوظ.
(2) إنَّ معاني العتاب وردت في القرآن الكريم بصيغها اللغوية الصريحة في مواطن عدة في سور من القرآن الكريم كما وردت بمفرداتها دلت على معاني تشير إلى (العتاب) في سياق الآيات القرآنية التي وردت فيها اللفظة أو المرادفة لها.
(3) إنَّ العتاب أخذ موقعه كذلك في القصص القرآني والحديث الشريف إذ جاء ذلك على لسان النَّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك على لسان أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام في نهج البلاغة وفي ما ورد من روايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وبصيغ متعددة.