بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 246

من أجل أرضاء زوجاته، إذ مرّ فيما سبق عتاب الله لهنّ، لقيامهن بإفشاء سرّه صلى الله عليه وآله وسلم والتظاهر عليه، الأمر الذي دعاهنّ للتوبة مما اقترفن.

الآية الرابعة

قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} (الأحزاب / 37).

ذهب المجوزّون لصدور الذنب عن الأنبياء إلى توجيه الله له، حتى لقد روى ابن جرير عن عائشة أنها قالت: ما نزلت آية أشد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الآية، ولو كتم شيئاً لما أوحي إليه من كتاب الله تعالى، لكتم هذه الآية([546]).

ويفهم منها قناعة عائشة بخطأ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وندمه على ذلك وفي القصة إشارة إلى أكاذيب ما يروى من أنَّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى زينب بنت جحش بعدما زوّجها ربيبه زيداً فهويها النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ولمّا حضر زيد لطلاقها، أخفى رسول الله ما في نفسه من عزمه على نكاحها بعده، لهواه لها، فعاتبه ربُّه على ذلك([547]) وممّا قالوا: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبصرها بعدما أنكحها إياهُ – أي زيد – فوقعت في نفسه([548]).

يذهب الزمخشري إلى تأويل الآية بما يثبت العتاب لكنه ينقله إلى التوجه لغير

[545]تفسير ابن كثير 3: 491.

[546]ظ: الفخر الرازي، عصمة الأنبياء 100، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 7: 125.

[547]الزمخشري، الكشاف 3: 549.


صفحه 247

ما قد فهم خطأ إذ يقول: (فإنْ قلت... كيف عاتبه الله في ستر ما استهجن التصريح به ولا يستهجن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم التصريح بشيء إلا الشيء في نفسه مستهجن، وقال له الناس لا تتعلّق إلا بما يستقبح في العقول والعادات؟ وما له لم يعاتبه في الأمر نفسه ولم يأمره بفهم الشهوة وكف النفس عن أنَّ تنازع إلى زينب وتتبعها ولم يعصم نبيّه عن تعلّق الهجنة به وما يعرضه للقالة؟ قلت: كم من شيء يتحفّظ منه الإنسان ويستحي من إطلاع الناس عليه، وهو في نفسه مباح متسع، وحلال مطلق، لا مقال فيه ولا عيب عند الله...)([549]).

ونحى القرطبي المنحى نفسه من توجيه العتاب في الآية بقوله: ((وخشي رسول الله أنَّ يلحق قول من الناس في أنَّ يتزوّج زينب بعد زيد وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله على هذا من أنَّ قد خشي الناس في شيء قد أباحه الله له)([550]).

وأما الفخر الرازي فقد وجّه الآية مجيباً عمّن تمسّك بأنّها واردة في عتاب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بأربعة وجوه نقف عند موضع الحاجة إليها:

أحدها: (الذي يدل على أنَّهُ لم يصدر من الرسول في هذه الواقعة مذمة، ولا عاتبه الله على شيء منه، ولا ذكر أنَّهُ عصى أو أخطأ ولا ذكر استغفار النَّبي منه، ولا أنَّهُ اعترف على نفسه مخطئاً)([551]).

والفخر الرازي وإنْ كان لا يقول بالعصمة المطلقة لنبينا الأكرم صلى الله

[548]الكشاف 3: 550 - 551.

[549]الجامع لأحكام القرآن 7: 125.

[550]عصمة الأنبياء 100.


صفحه 248

عليه وآله وسلم ولكنّه يجب في مثل هذه الحادثة أنَّ النَّبي الأكرم بعيد عما دوّنته أقلامهم المزيفة بالطعن والافتراء، بل يرى (أنَّهُ لو حصل في ذلك سوء لكان قدحاً في الله تعالى)([552]).

وحقيقة ما تدل عليه هذه الآيات ونصتّها أنَّ الله تعالى أراد أنَّ ينسخ عادة جاهلية متمكنة من نفوس الناس وهي تحريم زوجة المتبنّى، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ يتزوج منها بعد قِران زيد لها وكمال عدتها، كأي إمرأة من المسلمين، لكون ذلك ناسخاً لجاهلية كامنة في النفوس.

[551]المصدر نفسه 101.


صفحه 249

الخاتمة

بعد هذه الرحلة الطويلة في آفاق (آيات العتاب) ودلالاتها وإشباعها بحثاً ودراسةً من حيثيات وزوايا متعددة ومحاولة استقصاء عناصره ومفهوماته وأشكاله ودلالاته في اللغة ووروده في آيات الذكر الحكيم أهم النتائج التي تمخضت عنها الدراسة إذ تبلورت في الآتي:

(1) إنّ العتاب في اللغة العربية يرجع إلى أصول متعددة من إذ البناء اللفظي ويرد بصيغ متعددة في المفردات التي نالت عناية الباحثين القدماء وحضيت باهتمامهم الملحوظ.

(2) إنَّ معاني العتاب وردت في القرآن الكريم بصيغها اللغوية الصريحة في مواطن عدة في سور من القرآن الكريم كما وردت بمفرداتها دلت على معاني تشير إلى (العتاب) في سياق الآيات القرآنية التي وردت فيها اللفظة أو المرادفة لها.

(3) إنَّ العتاب أخذ موقعه كذلك في القصص القرآني والحديث الشريف إذ جاء ذلك على لسان النَّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك على لسان أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام في نهج البلاغة وفي ما ورد من روايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وبصيغ متعددة.


صفحه 250

(4) أنَّ هناك بعض الآيات التي اتخذت ذريعة لمخطئة الأنبياء عليهم السلام إذ فسروها بأنها جاءت في مورد العتاب واللوم والتقريع لهم وهذا ممّا يؤدي إلى الطعن بعصمتهم وقد أثبتت الدراسة خلاف ذلك من خلال تبيان الآراء وتحليلها ومحاولة فحص أدلتها.

(5) ثبوت العصمة المطلقة للأنبياء عليهم السلام من خلال الأدلة العقلية والنقلية وآراء كبار علماء الكلام في قبال ضعف رأي القائلين بالعصمة الجزئية الأمر الذي دعا توجيه معاني الآيات الواردة الذكر بذلك.

(6) تنزيه الأنبياء عليهم السلام ونفي إمكان صدور أي لون من ألوان الذنب منهم صغيراً كان أو كبيراً قبل النبوة أو بعدها وهذا ما أثبتته الدراسة خلاف لما رآه المخطئة من أنَّ اللوم والعتاب سببهما وقوع الذنب والمعصية منهم.

وأخيراً فإنّا نرجو أنَّ نكون قد وفقنا في إعطاء الموضوع حقّه من الدراسة التي جلوت ما خفي منه وقدمت أشياء جديدة تسهم في بلورة تصور وفهم المفسرين وعلماء الكلام للآيات الواردة بشأن الأنبياء ومسيرتهم في الهداية على وفق طريق الحق والعدل.

والله الموفق والهادي إلى سبيل الحق عليه توكلنا أوّلاً وأخيراً وإليه نُنيب.


صفحه 251

المصادر والمراجع

1. القرآن الكريم

2. إبراهيم الحجازي (ت 1377 هـ. ش) آيات العقائد تحقيق رامين الكـمكاني، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد ط 1، 1424هـ.

3. ابن أبي الحديد، عز الدين أبي حامد عبد الحميد بن هبة الله المدائني (ت 656 هـ) شرح النهج، تحقيق مُحَمَّد أبو الفضل إبراهيم، دار الكتاب العربي، العراق – بغداد ط 1، 1426 هـ - 2005م.

4. ابن الاثير العلامة عز الدين بن الحسن علي بن إبراهيم بن أبي الكرم الشيباني (ت630هـ)، الكامل في التاريخ، دار صادر بيروت – لبنان ط 1385 هـ - 1965 م.

5. ابن القطّاع (ت 515 هـ)، الافعال، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان 1424 هـ.

6. ابن المغازلي (ت 483 هـ) مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام، انتشارات سبط النبي، إيران – قم، ط 1، 1426 هـ.

7. ابن جرير الطبري (ت310 هـ)، جامع البيان عن تأويل القرآن، تحقيق خليل الميس، دار الفكر، بيروت – لبنان 1415 هـ - 1995 م.

8. ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، دار المعرفة، بيروت – لبنان، ط2، 1395 هـ، 1975م.

9. ابن عطية الاندلسي (ت 546 هـ) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد السلام عبد الشافي مُحَمَّد، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، 1413 هـ - 1993 م.

10. ابن منظور جمال الدين مُحَمَّد بن مكرم الافريقي المصري (ت 711 هـ)، لسان العرب، دار


صفحه 252

صادر بيروت – لبنان، 1986 م.

11. ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت 1986.

12. أبو الحسن أحمد بن فارس زكريا (ت395 هـ)، تحقيق عبد السلام هارون، مكتب الإعلام الإسلامي، ط 1404 هـ.

13. أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (ت468 هـ) أسباب النزول مؤسسة الحلبي، القاهرة 1388 هـ - 1968 م.

14. أبو الحسن علي بن مُحَمَّد بن حبيب الماوردي البصري (ت 450 هـ)، النكت والعيون، تحقيق عبد المقصود عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط 1 (د.ت).

15. أبو الصلاح الحلبي، تقريب المعارف، تحقيق فارس تبريزيان الحسون انتشارات، المحقق، 1417 هـ - 1375 ش.

16. أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي (ت774 هـ) تفسير ابن كثير تحقيق عبد الرزاق المهدي، دار المعرفة بيروت – لبنان ط 1412 هـ - 1992 م.

17. أبو الفضل شهاب الدين محمود البغدادي (ت 1270 هـ) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، منشورات دار أحياء التراث العربي، بيروت – لبنان ط4، 1405 هـ - 1985 م.

18. أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان بن عبد الملك القشيري النيسابوري الشافعي (ت465 هـ) تفسير القشيري، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط 1، 1240 هـ - 2000 م.

19. أبو القاسم فرات بن إبراهيم الكوي (ت 352 هـ) تفسير فرات الكوفي، تحقيق مُحَمَّد كاظم المحمودي، إيران – طهران، ط1، 1410 هـ.

20. أبو القاسم مُحَمَّد بن أحمد الكلبي (ت 471 هـ)، التسهيل لعلوم التنزيل، تحقيق مُحَمَّد سالم هاشم ط 1، 1415 هـ - 1995 م.

21. أبو بكر جابر الجزائري أيسر التفاسير، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط 1، 1416هـ - 1995م.

22. أبو بكر مُحَمَّد بن إسحاق الكلاباذي (ت 380 هـ) التعرّف لمذهب التصّوف تحقيق أحمد شمس الدين طه، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان ط 1، 1413 هـ - 1993.

23. أبو جعفر مُحَمَّد بن الحسن بن بابويه القمي الصدوق (ت 381 هـ)، الأمالي نشر مؤسسة الأعلمي، بيروت – لبنان، ط5، 1400 هـ.


صفحه 253

24. أبو جعفر مُحَمَّد بن الحسن بن فروّخ الصفّار (2902 هـ)، تعليق ميرزا محسن التبريزي، منشورات مكتبة المرعشي النجفي قم – إيران، ط 1، 1404 هـ.

25. أبو حامد بن مُحَمَّد الغزالي (ت 505 هـ)، المنخول في علم الاصول، تحقيق مُحَمَّد حسين هيتو، دار الفكر المعاصر، بيروت – لبنان، ط 3، 1419 هـ 1998 م.

26. أبو حنيفه النعمان (ت 362 هـ) المناقب والمثالب، تحقيق ماجد أحمد العطيه، منشورات الأعلمي، بيروت – لبنان، ط 1، 1423 هـ - 2002 م.

27. أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي (ت 676 هـ) شرح صحيح مسلم دار الفكر، بيروت – لبنان، ط 1، 1421 هـ - 2000 م.

28. ابو عبد الله مُحَمَّد بن أحمد الأنصاري القرطبي (ت607 هـ)، الجامع لأحكام القرآن، دار أحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، تصحيح هاشم سمير النجاري، ط 1، 1422 هـ - 2002 م.

29. أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي (ت626 هـ) معجم البلدان، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان.

30. أبو عبيد البكري، فصل المقال في شرح كتاب الأمثال، مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان، 1971.

31. أبو مُحَمَّد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي (ت514)، تفسير البغوي أو معالم التنزيل، دار الكتب العلمية 1414 هـ - 1993 م.

32. أبو منصور مُحَمَّد بن أحمد الأزهري (ت 370 هـ)، تهذيب اللغة، تحقيق، عبد السلام هارون.

33. ابو هلال العسكري (ت200 هـ) الفروق اللغوية، تعليق مُحَمَّد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان ط 2، 2005 م – 1426 هـ.

34. الاحقاقي ميرزا عبد الرسول الحائري بحث حول الولاية من وحي القرآن، تحقيق علي العبسي العاملي، بيروت – لبنان، ط 1، 1413 هـ - 1993 م.

35. أحمد بن سليمان بن مُحَمَّد المطهر بن علي بن الإمام الناصر، حقائق المعرفة في علم الكلام مؤسسة الإمام زيد بن علي ط1، 1424 هـ - 2003 م، صنعاء - اليمن.

36. أحمد بن علي القلقشدي (ت821 هـ)، صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، تحقيق د.يوسف علي، دار الفكر، بيروت – لبنان، ط 1، 1987 م.

37. أحمد زيني دحلان (ت 1304 هـ) السيرة النبوية (سيرة ابن دحلان) دار أحياء التراث العربي، بيروت – لبنان.