رجوع المعتدي عليه إلى ما يرضي العاتب..)([47]).
- ب - وردت لفظة العتاب كذلك في معنيين في سورة واحدة وهي فصّلت وهما (يستعتبوا) و (المعتبين).
قال تعالى:{فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنْ الْمُعْتَبِينَ} (فصلت/4).
قال في المجمعَ مستفيداً من دلالة الآية على العتابِ: (والاستعتاب طلب العتبى وهي الرضا وهو الاسترضاء والأعتاب الإرضاء وأصل العتاب عند العرب استصلاح الجلد بإعادته في الدباغ ثم استعير فيما يستعطف به بعضه بعضاً لإعادته ما كان من الألفة)([48]) ثم يرى في بيان الآية (أي وأن يلبوا العتبى وسألوا الله تعالى أنَّ يرضي عنهم فليس لهم طريق إلا الإعتاب فما هم ممن يقبل عذرهم ويرضى عنهم)([49]).
الاستعمال القرآني لمفردة اللوم
وردت مادة (لوم) في القرآن الكريم في عشر سور تعطي معنى (اللوم) وبصيغ مختلفة وهي:
(1) [لُمْتُنَّنِي] قال تعالى:{قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ...} (يوسف/32).
[47]أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 5: 107، تصحيح هشام سمير النجاري، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان ط1، 1422 هـ - 2002 م.
[48]الطبرسي، مجمع البيان 9: 13 – 14.
[49]المصدر نفسه 9: 15، ظ: القرطبي، الجامع 8: 277.
(2) [تَلُومُونِي] قال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي} (إبراهيم / 22).
(3) [وَلُومُوا] قال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} (إبراهيم / 22).
(4) [مَلُوماً] وردت في سورة الإسراء في آيتين هما:
* قال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً} (الإسراء/29).
* قال تعالى:{ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً} (الإسراء / 29).
(5) [لَوْمَةَ] قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ} (المائدة/54).
(6) [لاَئِمٍ] قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ} (المائدة/54).
(7) [مَلُومِينَ]: وردت في موضعين هما:
قال تعالى:{إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} (المؤمنون/6).
قال تعالى:{إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ}
(المعارج / 30).
(8) [مُلِيمٌ] وردت في سورتين هما:
قال تعالى:{فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} (الصافات/142).
قال تعالى:{فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ} (الذاريات/40).
(9) [مَلُومٍ] قال تعالى:{فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ} (الذاريات/54).
(10) [يَتَلاَوَمُونَ] قال تعالى:{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ} (القلم/30).
هذا ما ورد في القرآن الكريم من ألفاظ اللوم، ونريد أنَّ نعرض الآن أُنموذجاً لـ(اللوم) في السياق القرآني وسعة إفادة أهل الاختصاص منه في توجيه الآيات المباركات.
قال تعالى في سورة الصافات:{فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} (الصافات/142).
قال الطبرسيرحمه الله في وجه الإفادة من هذه الآية ومعرفة سياقها اللغوي والتفسيري و((ألام الرجل فهو مليم آت بما يلام عليه))([50]) هذا في بيان اللغة أما في وجه الإفادة منها فيقول: [{وَهُوَ مُلِيمٌ} أي مستحق اللّوم لوم العتاب لا لوم العقاب]([51]) فكأنّهُ صنف اللوم وأمال للعتاب تنزيهاً للنبي يونس عليه السلام، لأنّ
[50]مجمع البيان 7: 590.
[51]المصدر نفسه 7 / 591.
المفردة دلالتها فيما لا ينبغي فعله.
وما يراه الصافي في ذكره لكلمة (مليم) أنّهُ داخل في الملامة أو آتٍ بما يلام عليه ومليم نفسه أحد أمرين:
الأول:أنّه عليه السلام حدّث نفسه بما آل إليه الأمر في هذه السفينة.
الثاني:أنّه لوم أهل السفينة له باعتبار أنّهم استنتجوا وجود عاص بينهم([52])، أو بهم مشؤوم كما يراه الصنعاني([53])، وأما الرضيرحمه الله فيرى في شرحه على الشافية وهو (الام) عقبى صار صاحب قوم يلومونه فإذا صار له لوّام قبل هو مليم([54]).
وقال في الكشاف: (داخل في الملامة) يقال: (رب لائم مليم، أي يلوم غيره وهو أحق باللوم، وقريء (مَليم) بفتح الميم، من ليم فهو مليم، كما جاء، مشيب في مشوب...)([55]).
والقرطبي يرى أنَّهُ (أتى بما يلام عليه، فأما الملوم فهو الذي يلام، استحق ذلك أم لم يستحق، وقيل المليم المعيب، يقال: لام الرجل إذا عمل شيئاً فصار معيباً بذلك العمل)([56]).
[52]ظ: المولى محسن الفيض الكاشاني (ت1091 هـ)، تفسير الصافي، 4: 283، دار المرتضى للنشر، إيران – مشهد 3، 1415 هـ - 1373 ش.
[53]ظ: عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت211 هـ) تفسير القرآن الكريم (تفسير الصنعاني) 3: 154، تحقيق محمود محمد عبده، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان ط 1، 1419 هـ - 1999 م.
[54]ظ: رضي الدين الاسترآبادي، شرح شافية ابن الحاجب 1: 88.
[55]الزمخشري 4: 63.
[56]الجامع لأحكام القرآن 8: 81.
الاستعمال القرآني لمفردة التثريب
وردت هذه المفردة في القرآن الكريم في سورة يوسف التي تعطى معنى العتب قال تعالى:{قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (يوسف/ 92).
في ذكر هذه الآية المباركة يرجع الطبرسيرحمه الله عند التفسير اللغوي لها إلى أصل الكلمة كي يبني عليها أساس بيان تفسيرها، فيقول: (التثريب التوبيخ يقال ثرب وأثرب عن ابن الأعرابي وقيل التثريب اللّوم والإفساد والتقرير بالذنب قال أبو عبيده وأصله الإفساد وأنشد([57]):
فعفوت عنهم عفو غير مُثربِ
وتركتهم لعقاب يوم سرمدٍ
وقال ثعلب واثرب فلان على فلان أي عدد عليه ذنوبه، وقال أبو مسلم مأخوذ من الثرب وهو شم الجوف فكأنّه موضوع للمبالغة في اللوم والتعنيف والبلوغ بذلك أقصى غاياته)([58]).
وهو يرى أنّ الثريب مقارناً للتوبيخ والتقريع والتعيير فيقول: ({لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ} (أي لا تعبير ولا توبيخ ولا تقريع عليكم الآن فيما فعلتم)([59]).
وأما الزمخشري فأفاد منها معنى العتاب وغيره مما فيه دلالة على الامتعاض قال: ((لا تأنيب عليكم ولا عتب، وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش، ومعناه إزالة الثرب، كما أنَّ التجليد والتقريع إزالة الجلد
[57]لسان العرب، ابن منظور، ج1، ص235.
[58]مجمع البيان 5: 335.
[59]المصدر نفسه 5: 337.
والقرع لأنّه إذا ذهب كان ذلك غاية الهزل والعجف الذي ليس بعده فلضرب مثلاً للتقريع الذي يمزق الإعراض ويذهب بماء الوجه))([60]).
وهكذا فإنّ الدراسة وقفت على استعمال القرآن لمفردة العتاب بصيغها المختلفة التي أدت أو قاربت معنى العتاب بوضوح مكتفٍ بها عن غيرها لقصر البحث بما يمكن معه انتفاء الإخلال في أصله مما يمكن أنَّ يطيله ويخرجه عن إطاره الموضوعي المحدد.
الدلالة الثانية: تنوع الخطاب القرآني للعتاب
ينص القرآن الكريم في غير آية على أنّ الأنبياء عليهم السلام ليسوا على درجة واحدة من جهة الكمالات التي يمتع بها كل واحد منهم.
قال تعالى:{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} (البقرة / 253).
وقال تعالى:{وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} (الإسراء / 55).
وبناءً على ذلك فَهُمْ عليهم السلام متفاضلون ومتفاوتون سواء في البعد المعرفي أم في البعد العملي للحياة اليومية، وهذا ما يفسّر إطلاق خطاباتهم عليهم السلام مع الله إذ قد نجد قضية واحدة تختلف بياناتها من نبي لآخر، وهذا التنوع الخطابي أثر في تصور بعضهم أنَّ ذلك يعكس انتفاء العصمة المطلقة للأنبياء عليهم السلام ففي ضوئه صنف الخطاب أو بالأحرى جعل من بعض الخطابات من الشدة والقساوة التي تلقاها الأنبياء من مجتمعهم الذي أرسلهم.
فنوّعوا الخطاب الذي يحمل بين طياته نوعاً من العتب في بعض الآيات
[60]الكشاف 2: 473.
التي وردت في لحن ذلك ونحن نتناول هذا الجانب دون الجانب الإيجابي الآخر، وهذه الأنواع هي:
الأول: العتاب الخفيف
يرى بعضهم أنّ الله سبحانه وتعالى خاطب أنبياءه معاتباً لهم بعتاب فيه نوع من التوجيه الممزوج بالود، وهو مما أظهرته الآيات المباركات فيكون عتاباً خفيفاً.
قال تعالى:{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} (التوبة / 43).
ندب النَّبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين إلى جهاد الروم فلبّت دعوته جموع المؤمنين، إلا أنّ المنافقين أبوا الاشتراك في صفوف المجاهدين، فتمسكوا بأسباب واهية مستأذنين النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم في التخلف، فإذن لهم صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية المباركة كما يراها بعضهم أنّها عتاب لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك وكلمته عتاب خفيف فيه نوع من الود وهذا ما يراه الشريف المرتضىرحمه الله (ت436 هـ) من أنَّ المقصود به هنا هو التعظيم والملاطفة في الخطاب([61]) وكذا يرى الطبرسيرحمه الله أنّ هذا من لطيف المعاتبة إذ إنّ تصدير الآية بالعفو قبل العتاب دليل على ذلك([62]).
[61]ظ: الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي العلوي، تنزيه الأنبياء 160، انتشارات الشريف الرضي، إيران – قم، ط 1، 1376 هـ. ش.
[62]ظ: مجمع البيان 5: 46، عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت774 هـ)، مختصر تفسير ابن كثير 2: 149 تحق محمد علي الصابوني، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان ط1.
قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التحريم / 1).
قال الشريف الرضيرحمه الله: (ليس في ظاهر الآية ما يقتضي عتاباً وكيف يعاتبه الله على ما ليس بذنب)([63]).
ولمزيد من التأكيد أنّ العتاب هنا كان من باب العتاب الخفيف قال: (فلو كان للآية ظاهر يقتضي العتاب لجاز أنَّ يصرفه إلى غيره لقيام الدلالة على أنَّهُ لا يفعل شيئاً من الذنوب)([64]) وهذا أدل دليل على أنّ العفو كان لطيفاً ذا ودٍّ.
وكذلك مما يؤيد كون المرتضىرحمه الله يرى أنّ هذا عتاباً لطيفاً وليس فيه نوع لوم له صلى الله عليه وآله وسلم قولهُ: (إذا تُؤمل في الحقيقة لم يكن فيه عتاب وإنما هو توجع له صلى الله عليه وآله وسلم )([65]).
الثاني: العتاب الشديد
ذكروا أنَّ هناك خطاباً حَوتْهُ بعض آيات الذكر الحكيم يكون فيه نوع من العتاب الشديد المصاحب للوم مما يدل معه على خطأ المعاتب منها:
قال تعالى:{فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} (الصافات / 142).
اعتبر بعضهم أنّ هذا الخطاب كان شديداً ويحمل عتاباً ناشئاً عن ذنب أقترفه النَّبي يونس عليه السلام استحق معه العتاب الشديد.
[63]تنزيه الأنبياء: 168.
[64]المصدر نفسه: 168.
[65]علي بن الحسين الموسوي العلوي، أمالي المرتضى 2: 332 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، انتشارات ذوي القربى، إيران – قم، ط 1، 1384 ش.