التي وردت في لحن ذلك ونحن نتناول هذا الجانب دون الجانب الإيجابي الآخر، وهذه الأنواع هي:
الأول: العتاب الخفيف
يرى بعضهم أنّ الله سبحانه وتعالى خاطب أنبياءه معاتباً لهم بعتاب فيه نوع من التوجيه الممزوج بالود، وهو مما أظهرته الآيات المباركات فيكون عتاباً خفيفاً.
قال تعالى:{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} (التوبة / 43).
ندب النَّبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين إلى جهاد الروم فلبّت دعوته جموع المؤمنين، إلا أنّ المنافقين أبوا الاشتراك في صفوف المجاهدين، فتمسكوا بأسباب واهية مستأذنين النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم في التخلف، فإذن لهم صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية المباركة كما يراها بعضهم أنّها عتاب لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك وكلمته عتاب خفيف فيه نوع من الود وهذا ما يراه الشريف المرتضىرحمه الله (ت436 هـ) من أنَّ المقصود به هنا هو التعظيم والملاطفة في الخطاب([61]) وكذا يرى الطبرسيرحمه الله أنّ هذا من لطيف المعاتبة إذ إنّ تصدير الآية بالعفو قبل العتاب دليل على ذلك([62]).
[61]ظ: الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي العلوي، تنزيه الأنبياء 160، انتشارات الشريف الرضي، إيران – قم، ط 1، 1376 هـ. ش.
[62]ظ: مجمع البيان 5: 46، عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت774 هـ)، مختصر تفسير ابن كثير 2: 149 تحق محمد علي الصابوني، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان ط1.
قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التحريم / 1).
قال الشريف الرضيرحمه الله: (ليس في ظاهر الآية ما يقتضي عتاباً وكيف يعاتبه الله على ما ليس بذنب)([63]).
ولمزيد من التأكيد أنّ العتاب هنا كان من باب العتاب الخفيف قال: (فلو كان للآية ظاهر يقتضي العتاب لجاز أنَّ يصرفه إلى غيره لقيام الدلالة على أنَّهُ لا يفعل شيئاً من الذنوب)([64]) وهذا أدل دليل على أنّ العفو كان لطيفاً ذا ودٍّ.
وكذلك مما يؤيد كون المرتضىرحمه الله يرى أنّ هذا عتاباً لطيفاً وليس فيه نوع لوم له صلى الله عليه وآله وسلم قولهُ: (إذا تُؤمل في الحقيقة لم يكن فيه عتاب وإنما هو توجع له صلى الله عليه وآله وسلم )([65]).
الثاني: العتاب الشديد
ذكروا أنَّ هناك خطاباً حَوتْهُ بعض آيات الذكر الحكيم يكون فيه نوع من العتاب الشديد المصاحب للوم مما يدل معه على خطأ المعاتب منها:
قال تعالى:{فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} (الصافات / 142).
اعتبر بعضهم أنّ هذا الخطاب كان شديداً ويحمل عتاباً ناشئاً عن ذنب أقترفه النَّبي يونس عليه السلام استحق معه العتاب الشديد.
[63]تنزيه الأنبياء: 168.
[64]المصدر نفسه: 168.
[65]علي بن الحسين الموسوي العلوي، أمالي المرتضى 2: 332 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، انتشارات ذوي القربى، إيران – قم، ط 1، 1384 ش.
قال الزمخشري في بيان شدّة العتاب (داخل في الملامة)([66]).
وقال القرطبي: (أتى بما يلام عليه)([67]).
وقال تعالى:{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (الأنفال / 67-68).
ذهب بعض المفسرين والمتكلمين([68]) إلى أنّ الآية قد نطقت بعتاب شديد يحمل إنذاراً وتوعّداً إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وجهود الصحابة الذين أشاروا عليه صلى الله عليه وآله وسلم بأخذ الفداء من أسرى بدر، مؤثرين عرض الدنيا الفانية على نصرة الدين لذلك يَرَون أنّ العتاب صيغ بصورة غير مباشرة إذ إنّها لم توجه الخطاب له مباشرة، بل استهل الآية بكون منفي تَلَتْهُ عبارة تستعظم أنَّ يصدر ذلك عن نبي من الأنبياء.
وعلل الزمخشري هذه الشدة في الخطاب لأنّهم ارتكبوا خطأ في الفداء وترك القتل قال: (وكان هذا خطأ في الاجتهاد)([69]).
ومما يؤكد أنّ العتاب في الآية هو من باب العتاب الشديد قول القرطبي: (فالعتاب والتوبيخ إنما كان متوجهاً بسبب من أشار على النَّبي صلى الله عليه وآله
[66]الكشاف 4: 63.
[67]الجامع لأحكام القرآن 8: 81.
[68]ظ: فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التميمي البكري الرازي الشافعي (ت606 هـ) مفاتيح الغيب 15: 158، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان ط 2، 2004 م، 1425 هـ.
[69]الكشاف 2: 225.
وسلم بأخذ الفدية)([70]).
قوله تعالى:{عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} (عبس /1-2).
هذه من الآيات التي ذكر فيها الخطاب الذي يحمل عتاباً شديداً للذي اعرض عن الأعمى (ابن أم مكتوم) وَتَلَهى عنه وأعرض وتصدى لغيره، بعضهم حملها على النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم والبعض الآخرس حملها على رجل من بني أمية وسيأتي بيان ذلك مفصلاً.
وبغض النظر عمّن نزلت به أنّها تشير إلى عتاب شديد صدر من الله تعالى ضدّ من أعرض وعبس([71]).
[70]الجامع لأحكام القرآن 4: 62.
[71]ظ: الشريف المرتضى، تنزيه الأنبياء 166، الطبرسي، مجمع البيان 10: 557 الزمخشري، الكشاف 4: 701، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 10: 141 العلامة محمد باقر المجلسي (ت1111 هـ) بحار الأنوار، 17: 85، دار الكتب الإسلامية، إيران – طهران (د.ت).
المبحث الثالث: صيغ العتاب ومرادفاته في القصص القرآني والحديث الشريف
الأول: العتاب في القصص القرآني
لقد ورد في القرآن الكريم كثير من المخاطبات بين الأنبياء عليهم السلام وبين ذويهم أو أقوامهم وصلت إلى حد التوبيخ واللوم والتقريع من الأنبياء نتيجة لبعض الحوادث الحاصلة التي أثارت ما يستوجب تلك المخاطبات ونعرض هنا نماذج مختارة.
(أ) عتاب إبراهيم عليه السلام
ما حصل من عتاب لنبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام مع ذويه وقومه كما جاء في الذكر الحكيم عند قوله تعالى:{إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً} (مريم / 24).
أفاد الشوكاني من الاستفهام الوارد في آية العتاب المتوجه من النَّبي إبراهيم عليه السلام إلى أبيه (آزر) قال: (والاستفهام في{لِمَ تَعْبُدُ} (مريم/42)
للاستنكار والتوبيخ([72]).
وفي معرض عتاب إبراهيم عليه السلام لقومه نورد الآية المباركة من قوله تعالى: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ} (الأنبياء / 67).
قال الطوسي [أبو جعفر مُحَمَّد بن الحسن(ت460)] في بيان نوع العتاب في هذهِ الآية{أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ} (الأنبياء/67) إنّ إبراهيم عليه السلام: (قال مستهجناً مستقذراً لها([73])).
وأما الطبرسيرحمه الله فيرى أنّ الاستهجانات والاستقذار من النَّبي إبراهيم عليه السلام لقومه كان نتيجةً لسوء صفاتهم إذ يقول: (ثم قال إبراهيم عليه السلام مهجناً لأفعالهم مستقذراً لها{أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (الأنبياء/67) ثم يقول: قال الزجاج وهذا فيه عتاب شديد اللهجة...)([74]).
ويقول في الميزان إنّ هذا (توبيخ لهم)([75]).
وقال الشيرازي في الأمثل: (وانهال بسياط التقريع على روحهم التي فقدت الإحساس)([76]).
[72]محمد بن علي بن محمد الشوكاني، فتح القدير 3: 335 دار إحياء التراث العربي بيروت- لبنان (د.ت).
[73]التبيان 2: 262 تحقيق أحمد حسن قصير العاملي، مكتب الإعلام الإسلامي، قم ط 1، 1409 هـ.
[74]مجمع البيان 7: 75.
[75]العلامة محمد حسين الطباطبائي، تفسير الميزان 14: 302 منشورات الأعلمي بيروت – لبنان، بيروت لبنان ط3 1394 هـ - 1974 م.
[76]ناصر مكارم الشيرازي 10: 122، دار الأمير للطباعة والنشر، بيروت – لبنان ط 1، 1426 هـ - 2005 م.
(ب) عتاب موسى عليه السلام
ذكر المفسرون أنّ القرآن الكريم حمل أو حَوَى في بعض آياته عتاب النَّبي موسى لأخيه هارون عليهما السلام وأخرى عتاب موسى عليه السلام لقومه.
فمن عتاب موسى لهارون عليهما السلام ما ورد في الآية المباركة قوله تعالى: {يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} (طه / 92-93).
وممن ذهب إلى إثبات العتاب في هذه الآية المباركة المراغي إذ قال في قصة عبادة بني إسرائيل للعجل والتنكير عليهم: (وزاد عليهم في التشنيع ببيان أنهم قد عصوا الرسول الذي نبأهم إلى خطأ ما فعلوا، ثم حكى معاتبة موسى لهارون عليهما السلام على سكوته على بني إسرائيل وهم يعبدون العجل)([77]).وأفاد الشوكاني من الاستفهام أنّ هناك إنكاراً وتوبيخاً لهم لفعلهم هذا، قال: (الاستفهام للإنكار التوبيخي)([78]) قاصداً به ما ورد في قوله تعالى:{أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} (طه/86).ويرى الشيخ مُحَمَّد جواد مغنيه رحمه الله أنّ (هذا ظاهره لوم أو عتاب لهارون عليه السلام أما في واقعه فهو تقريع للذين عبدوا العجل)([79]).ومن الآيات التي يذكرها القرآن في سياق العتاب ما جرى من عتاب موسى عليه السلام لقومه بعد أنَّ أضلهم السامري من بعده..
[77]أحمد مصطفى المراغي، تفسير المراغي، 16: 112، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان (د.ت).
[78]فتح القدير: 3: 380.
[79]محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف5: 239، دار الكتاب الإسلامي، ط1، 1424 هـ - 2003م.
وخصوصاً عند قوله تعالى:{يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي} (طه / 86).
قال الرازي فخر الدين (ت606 هـ) في بيان ذلك: (ثم أنّ الله تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنَّهُ عاتبهم بعد رجوعه إليهم)([80]).
(ج) عتاب نبي الله لوط عليه السلام لقومه
عاتب لوط عليه السلام قومه في بعض آيات الذكر الحكيم كما هو في سورة هود إذ قال تعالى حاكياً على لسان نبيه عليه السلام:{أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} (هود /78).
قال في صفوة التفاسير إنّ الاستفهام (استفهام توبيخ أي أليس فيكم رجل عاقل يمنع عني القبيح)([81]).
وفي قوله تعالى:{أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} (النمل / 54).
قال فيها الفخر الرازي: (فهو على وجه التكبّر وإن كان بلفظ الاستفهام وربما كان التوبيخ يمثل هذا اللفظ أبلغ)([82]).
وفي معرض قوله تعالى:{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (النمل/55).
يرى صاحب الميزان أنّ الاستفهام للإنكار قال فيها (أي مستمرون على الجهل لا فائدة في توبيخكم والإنكار عليكم فلستم بمرتدعين)([83]).
[80]مفاتيح الغيب 22: 88 مصدر سابق.
[81]محمد علي الصابوني 2: 42، دار الفكر بيروت – لبنان، ط3 1420 هـ - 2000 م.
[82]مفاتيح الغيب 23: 175.
[83]الطباطبائي 15: 376.