وسلم بأخذ الفدية)([70]).
قوله تعالى:{عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} (عبس /1-2).
هذه من الآيات التي ذكر فيها الخطاب الذي يحمل عتاباً شديداً للذي اعرض عن الأعمى (ابن أم مكتوم) وَتَلَهى عنه وأعرض وتصدى لغيره، بعضهم حملها على النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم والبعض الآخرس حملها على رجل من بني أمية وسيأتي بيان ذلك مفصلاً.
وبغض النظر عمّن نزلت به أنّها تشير إلى عتاب شديد صدر من الله تعالى ضدّ من أعرض وعبس([71]).
[70]الجامع لأحكام القرآن 4: 62.
[71]ظ: الشريف المرتضى، تنزيه الأنبياء 166، الطبرسي، مجمع البيان 10: 557 الزمخشري، الكشاف 4: 701، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 10: 141 العلامة محمد باقر المجلسي (ت1111 هـ) بحار الأنوار، 17: 85، دار الكتب الإسلامية، إيران – طهران (د.ت).
المبحث الثالث: صيغ العتاب ومرادفاته في القصص القرآني والحديث الشريف
الأول: العتاب في القصص القرآني
لقد ورد في القرآن الكريم كثير من المخاطبات بين الأنبياء عليهم السلام وبين ذويهم أو أقوامهم وصلت إلى حد التوبيخ واللوم والتقريع من الأنبياء نتيجة لبعض الحوادث الحاصلة التي أثارت ما يستوجب تلك المخاطبات ونعرض هنا نماذج مختارة.
(أ) عتاب إبراهيم عليه السلام
ما حصل من عتاب لنبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام مع ذويه وقومه كما جاء في الذكر الحكيم عند قوله تعالى:{إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً} (مريم / 24).
أفاد الشوكاني من الاستفهام الوارد في آية العتاب المتوجه من النَّبي إبراهيم عليه السلام إلى أبيه (آزر) قال: (والاستفهام في{لِمَ تَعْبُدُ} (مريم/42)
للاستنكار والتوبيخ([72]).
وفي معرض عتاب إبراهيم عليه السلام لقومه نورد الآية المباركة من قوله تعالى: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ} (الأنبياء / 67).
قال الطوسي [أبو جعفر مُحَمَّد بن الحسن(ت460)] في بيان نوع العتاب في هذهِ الآية{أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ} (الأنبياء/67) إنّ إبراهيم عليه السلام: (قال مستهجناً مستقذراً لها([73])).
وأما الطبرسيرحمه الله فيرى أنّ الاستهجانات والاستقذار من النَّبي إبراهيم عليه السلام لقومه كان نتيجةً لسوء صفاتهم إذ يقول: (ثم قال إبراهيم عليه السلام مهجناً لأفعالهم مستقذراً لها{أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (الأنبياء/67) ثم يقول: قال الزجاج وهذا فيه عتاب شديد اللهجة...)([74]).
ويقول في الميزان إنّ هذا (توبيخ لهم)([75]).
وقال الشيرازي في الأمثل: (وانهال بسياط التقريع على روحهم التي فقدت الإحساس)([76]).
[72]محمد بن علي بن محمد الشوكاني، فتح القدير 3: 335 دار إحياء التراث العربي بيروت- لبنان (د.ت).
[73]التبيان 2: 262 تحقيق أحمد حسن قصير العاملي، مكتب الإعلام الإسلامي، قم ط 1، 1409 هـ.
[74]مجمع البيان 7: 75.
[75]العلامة محمد حسين الطباطبائي، تفسير الميزان 14: 302 منشورات الأعلمي بيروت – لبنان، بيروت لبنان ط3 1394 هـ - 1974 م.
[76]ناصر مكارم الشيرازي 10: 122، دار الأمير للطباعة والنشر، بيروت – لبنان ط 1، 1426 هـ - 2005 م.
(ب) عتاب موسى عليه السلام
ذكر المفسرون أنّ القرآن الكريم حمل أو حَوَى في بعض آياته عتاب النَّبي موسى لأخيه هارون عليهما السلام وأخرى عتاب موسى عليه السلام لقومه.
فمن عتاب موسى لهارون عليهما السلام ما ورد في الآية المباركة قوله تعالى: {يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} (طه / 92-93).
وممن ذهب إلى إثبات العتاب في هذه الآية المباركة المراغي إذ قال في قصة عبادة بني إسرائيل للعجل والتنكير عليهم: (وزاد عليهم في التشنيع ببيان أنهم قد عصوا الرسول الذي نبأهم إلى خطأ ما فعلوا، ثم حكى معاتبة موسى لهارون عليهما السلام على سكوته على بني إسرائيل وهم يعبدون العجل)([77]).وأفاد الشوكاني من الاستفهام أنّ هناك إنكاراً وتوبيخاً لهم لفعلهم هذا، قال: (الاستفهام للإنكار التوبيخي)([78]) قاصداً به ما ورد في قوله تعالى:{أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} (طه/86).ويرى الشيخ مُحَمَّد جواد مغنيه رحمه الله أنّ (هذا ظاهره لوم أو عتاب لهارون عليه السلام أما في واقعه فهو تقريع للذين عبدوا العجل)([79]).ومن الآيات التي يذكرها القرآن في سياق العتاب ما جرى من عتاب موسى عليه السلام لقومه بعد أنَّ أضلهم السامري من بعده..
[77]أحمد مصطفى المراغي، تفسير المراغي، 16: 112، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان (د.ت).
[78]فتح القدير: 3: 380.
[79]محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف5: 239، دار الكتاب الإسلامي، ط1، 1424 هـ - 2003م.
وخصوصاً عند قوله تعالى:{يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي} (طه / 86).
قال الرازي فخر الدين (ت606 هـ) في بيان ذلك: (ثم أنّ الله تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنَّهُ عاتبهم بعد رجوعه إليهم)([80]).
(ج) عتاب نبي الله لوط عليه السلام لقومه
عاتب لوط عليه السلام قومه في بعض آيات الذكر الحكيم كما هو في سورة هود إذ قال تعالى حاكياً على لسان نبيه عليه السلام:{أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} (هود /78).
قال في صفوة التفاسير إنّ الاستفهام (استفهام توبيخ أي أليس فيكم رجل عاقل يمنع عني القبيح)([81]).
وفي قوله تعالى:{أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} (النمل / 54).
قال فيها الفخر الرازي: (فهو على وجه التكبّر وإن كان بلفظ الاستفهام وربما كان التوبيخ يمثل هذا اللفظ أبلغ)([82]).
وفي معرض قوله تعالى:{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (النمل/55).
يرى صاحب الميزان أنّ الاستفهام للإنكار قال فيها (أي مستمرون على الجهل لا فائدة في توبيخكم والإنكار عليكم فلستم بمرتدعين)([83]).
[80]مفاتيح الغيب 22: 88 مصدر سابق.
[81]محمد علي الصابوني 2: 42، دار الفكر بيروت – لبنان، ط3 1420 هـ - 2000 م.
[82]مفاتيح الغيب 23: 175.
[83]الطباطبائي 15: 376.
ثانياً: ما ورد عن النَّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم
للنبي عليه الصلاة والسلام وقفة من العتاب مع أهله، ولاسيما لبعض أزواجه إذ بدر منه صلى الله عليه وآله وسلم العتاب بأجلى صورة تجاه عائشة وحفصة حينما تعاونا على إيذائه والتظاهر عليه صلى الله عليه وآله وسلم، مما تطلب الأمر إلى إبداء التوبة منهما وترك العود إلى مثل هذا الإيذاء المقصود، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الحدث في قوله تبارك وتعالى:{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} (التحريم/4) وكذا{وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} (التحريم/4) وكذلك قوله تعالى:{فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} (التحريم/3).
ورد في التسهيل في بيان عتاب النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم لبعض نسائه عند مروره بالآية الكريمة{عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} (التحريم/3)، أي عاتب حفصة على بعض وأعرض عن بعض حياءً وتكرماً([84]).
وكذا في صفوة التفاسير، (أي أعلمها وأخبرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببعض الحديث الذي أفشته معاتباً لها ولم يخبرها بجميع ما حصل منها)([85]).
فكان سياق الخطاب لهما إذ بدا ذلك جلياً عند قوله سبحانه وتعالى:{إِنْ
[84]أبو القاسم محمد بن أحمد الكلبي (ت471) 2: 463 تحقيق محمد سالم هاشم ط 1، 1415 هـ - 995 م، ظ: مجمع البيان 1: 40، ظ: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت302 هـ)، سنن النسائي 578، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، أبو عبد الله إسماعيل البخاري (ت 256 هـ) صحيح البخاري: 967 دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان ط1، 1422 هـ - 2001 م، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي (ت 676 هـ) شرح صحيح مسلم 5: 71 دار الفكر، بيروت – لبنان، ط 1، 1421 هـ - 2000 م.
[85]محمد علي الصابوني 3: 383.
تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} (التحريم/ 4) وكذا قوله تعالى:{وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} (التحريم/4) أي حفصة وعائشة([86]).
وقال الزمخشري في بيان عتاب النَّبي لحفصة حين أفشت سره إلى عائشة إذ روي أنَّهُ قال لحفصة: ألم أقل لكِ أكتمي عليّ؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي([87]).
ومن عتابه لعائشة في سورة التحريم وغيرها ما أكده الطبري في خروج عائشة لقتال علي عليه السلام إذ أنّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم عاتبها ذات يوم وأنبأها بلزوم حصيرها وترك مغادرة البيت إذ قال جل ذكره:{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} (الأحزاب/33).
وفي هذا ما ذكره ابن سعد بسنده عن عطاء بن يسار، أنّ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأزواجه: (أيتكن اتقت الله ولم تأتِ بفاحشة مبينة ولزمت ظهر حصيرها فهي زوجتي في الآخرة)([88]).
وقالت أم سلمة لعائشة، حذّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نساءه من الانحراف عن الصراط، فقلنا نعوذ بالله وبرسوله من ذلك، فضرب على ظهرك فقال: إياك أنَّ تكونيها يا حميراء)([89]).
[86]هاشم البحراني ت: (1107 هـ) البرهان في تفسير القرآن 9: 567 تحقيق قسم الدراسات الإسلامية ط1، 1421 هـ - 2000 م، ظ: محمد حسين الطباطبائي، الميزان 19: 232 الأعلمي للمطبوعات، بيروت – لبنان ط 2، 1390 هـ - 1971 م، مجمع البيان 9: 101.
[87]الكشاف 4: 507.
[88]ظ: محمد بن سعد بن منيع الزهري (ت230 هـ) الطبقات الكبرى 8: 150، تحقيق رياض عبد الله عبد الهادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان ط 1، 1417 هـ - 1996 م.
[89]ظ: عز الدين ابي حامد عبد الحميد بن هبة الله مدائني الشهير بابن أبي الحديد (ت656 هـ) شرح نهج البلاغة 9: 237، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الكتاب العربي، العراق – بغداد، ط 1، 1426 هـ، 2005 م، أبو عبدالله ياقوت بن عبد الله الحموي (ت626 هـ) معجم البلدان 3: 324، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان.
وشاهد ثانٍ على العتاب النبوي هو ما ذكره المفسرون ومؤرخو الأحداث من أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد غضب لما أبداه بعض صحابته من عصيان في حملة أسامة بن زيد عندما أمرّه النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم، وامتعض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتمردهم ولما صدر منهم من قيل وقال في زعامة أسامة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد عصّب رأسه بعصابة وصعد المنبر وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
((أيها الناس مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة بن زيد؟ والله أنَّ طعنتم في إمارة أسامة لقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله لقد كان للإمارة خليقاً وإنّ ابنه من بعده لخليق للامارة))([90]).
وفي كلامه (صلوات الله عليه) عتاب واضح لأولئك الطاعنين في الإمارة([91]).
كما عاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوليد بن عتبه بن أبي
[90]ظ: ابن الأثير علي بن إبراهيم بن أبي الكرم الشيباني، الكامل في التأريخ: دار صادر بيروت – لبنان ط 1965، المقريزي (ت 485 هـ) امتاع الأسماع 2: 123، تحقيق محمد عبد الحميد الميس، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان ط1، 1420 هـ - 1999 م، علي بن برهان الدين الحلبي (ت 1044 هـ) السيرة الحلبية 3: 207، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان ط 1، البخاري، صحيح البخاري 876 مصدر سابق.
[91]ظ: محمد بن عمر الواقدي (ت212 هـ) المغازي: 2: 118، دار المعرفة الإسلامية ط 1405هـ.