ومن كلام له عليه السلام موبخاً لطلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة وقد عتبا عليه في ترك مشورتهما والاستعانة في الأمور بهما فقال عليه السلام:
[لَقَدْ نَقَمْتُما يَسِيراً، وَأَرْجَأْتُمَا كَثِيراً، أَلاَ تُخْبِرَانِي، أَيُّ شَيْء لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ؟ وأَيُّ قَسْم اسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُمَا بِهِ؟ أَمْ أَيُّ حَقّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ضَعُفْتُ عَنْهُ، أَمْ جَهِلْتُهُ، أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ؟!]([102]).
ومن ذلك عتابه عليه السلام لسليمان بن صردرحمه الله عندما دخل عليه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام فعاتبه وعذّله وقال له: [أتيت وتربّصت وراوغت، وقد كنت من أوثق الناس في نفسي وأسرعهم – فيما أظن – إلى نصرتي، فما قعد بك عن أهل بيت نبيك، وما زهدك في نصرتهم؟].
فقال: يا أمير المؤمنين، لا تردنَّ الأمور على أعقابها، ولا تؤنبني بما مضى مني، واستبق موّدتي يخلص لك نصحي وقد بقيت أمور تعرف فيها وليك من عدوّك، فسكت عنه عليه السلام، وجلس سليمان قليلاً، ثم نهض فخرج إلى الحسن بن علي عليه السلام وهو قاعد في المسجد، فقال: ألا أعجبك من أمير المؤمنين ما لقيت منه من التبكيت والتوبيخ؟
فقال له الحسن عليه السلام: «إنما يعاتب من ترجى مودته ونصيحته» ([103]).
وهذا قليل من سيل المعاتبات التي وردت فيه عليه السلام في الأحداث المؤلمة التي مرّت به عليه السلام ([104]).
[102]ظ: ابن ابي الحديد11: 9.
[103]ظ: نصر بن مزاحم المنقري (ت212 هـ)، وقعت صفين1: 6، تحقيق عبد السلام محمد هارون، المؤسسة العربية الحديثة للطباعة والتوزيع، مصر – القاهرة، ط 2، 1382 هـ.
[104]ظ: المصدر نفسه 3: 689.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة

الفصل الثاني
نماذج من آيات العتاب في القرآن الكريم
المبحث الأول: نماذج من عتاب الأنبياء والرُّسل عليهم السلام
المبحث الثاني: نماذج من آيات عتاب الله تعالى لسائر الناس
المبحث الثالث: نماذج من آيات عتاب الملائكة والجن
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
المبحث الأول: نماذج من عتاب الأنبياء والرُّسل عليهم السلام
نماذج من عتاب الرسل أولي العزم عليهم السلام
توطئة
ذهب الإمامية إلى أنّ هناك فرقاً بين النبيّ والرسول، إذ إنّ النبيّ أعمّ من الرسول أيّ إنّ كلّ رسول نبيّ وليس كلّ نبيّ رسولاً.
وفي هذا الصدد يقول الشيخ المفيد رحمه الله: (النبيّ هو الإنسان المخبر عن الله بغير واسطة أحد من البشر، وهو أعمّ من أنَّ يكون مأموراً من الله بتبليغ الأوامر والنواهي إلى قوم أم لا، والرسولُ هو الإنسان المخبرُ عن الله تعالى بغير واسطة أحد من البشر مأموراً من الله بتبليغ الأوامر والنواهي إلى قوم)([105]).
وليس بنا حاجة إلى أنَّ نذكر مزيداً من آراء الإمامية أو سواهم إذْ إنَّ هذا الأمر ليس فيه اختلافٌ كبيرٌ بينهم.
فالنبي أو الرسول هو الذي اختاره الله واصطفاه لمهمة كبرى تتطلب منه أنَّ
[105]محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (ت413 هـ)، أوائل المقالات 47 (د.ت).
يكون متصفاً بصفات تفوق صفات سائر البشر لأنَّ من يتلقى أخبار السماء ويرويها للناس لابد أنَّ يكون أميناً صادقاً مأمون الجانب مبتعداً عن الزلل لا يفعل المعصية – آية معصية – وهذا ما أطلق عليه علماء الكلام اسم (العصمة).
إذن الرسول والنبي كلاهما يعمل بوحي من الله تبارك وتعالى والله هو المسدد لأفعاله وأقواله.
فالعلاقة بينهما كما يقول المناطقة علاقة عموم وخصوص مطلق كما بينَّا آنفاً.
ويمكن أنَّ يستدل له بما: ((روي عن أبي ذر رحمه الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلت له: كم النبيون؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: مئة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، قلت كم المرسلون منهم؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ثلاثمئة وثلاثة عشر))([106]).
وهو واضح الدلالة على المقصود لكون المرسلين جزءاً من الأنبياء عليهم السلام.
وقد يطول بنا المقام لو تعرضنا لعصمة الأنبياء ووقفنا على حدودها وسعتها من خلال القرآن الكريم، فقد كتب الباحثون القدماء والمحدثون كتباً وعقدوا فصولاً بينوا ماهية العصمة، وهل العصمة تسلب الاختيار أم هي إرادية بوساطتها يكون المعصوم مُنزّهاً عن الخطأ قادراً على السلوك السويّ في كل حين وقد أفردنا ما يفصل ذلك.
[106]الشيخ علي النمازي الشاهرودي (ت 1405 هـ) مستدرك سفينة البحار 9: 511، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة ط 1419 هـ.
عتاب الله تعالى لنبيه نوح عليه السلام
عندما نتأمل قصة نوح عليه السلام مع ولده الذي هلك مع مَن هلك بمناشدة النبيّ عليه السلام ربّه بإنقاذ ولده من الغرق لاعتبار الأبوّة وأنّه أحد أفراد أُسرته فيُجاب النَّبي نوحٌ عليه السلام بذلك الجواب الإلهيّ القاطع لتلك الرابطة لتحلّ محلّها رابطة العقيدة والإيمان وفي هذا الحدث يرى بعض المفسرين أنّ النبيّ نوح عليه السلام عوتب على سؤاله هذا وقوله مخاطباً ربه:{رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} (هود/45).
ويرى هؤلاء أنّ ظاهر صدور السؤال منه غير لائق بمقام النبوة؛ لأنّ تغليب العاطفة على الحق والعدل أمر لا يُنتظر من النبيين وهم الصفوة المختارة ولأجل ذلك كلّه – كما يرى المفسرون – خُوطب بالعتاب وهو ظاهر قوله تعالى:{فَلاَ تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ} (هود /46).
إذ ذهب غير الإمامية إلى تحليل دلالات الآية الكريمة وما تتضمنه من حوار بين نوح عليه السلام وربّه سبحانه وتعالى على أنّه كان عتاباً، فهذا الزمخشري يتأمل العتاب في الآية قائلاً:
((إنّ الله عزّ وعلا قدم له الوعد بإنجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم، فكان عليه أنَّ يعتقد أنّ في جملة أهله من هو مستوجب للعذاب لكونه غير صالح، وأنّ كلّهم ليس بناجين، أنّ لا تخالجه شُبهة حين شارف ولده على الغرق في أنّه من المستثنيين لا من المستثنى منهم فعوتب على أنَّ اشتبه عليه ما يجب إلاّ يشتبه))([107]).
[107]الكشاف 2: 379.
بيد أنّ الفخر الرازي في تفسيره يوردُ وجوهاً لمن قدح في عصمة الأنبياء فيما يتعلق بخطابه سبحانه لنبيه نوح عليه السلام:{إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ} (هود /46) ومن هذه الوجوه المتضمنة قدحاً بالعصمة قوله: ((يدلّ على أنّ ذلك السؤال كان محض الجهل وهذا يدل غاية التقريع ونهاية الزجر))([108]).
نرى في الآية الكريمة عتاباً واضحاً إذ إنّ نوحاً عليه السلام كان في نزاع نفسي بين وجوب طاعة الله تبارك وتعالى في هذا الحدث الكوني – حدث الطوفان – وهو حدث فاصلٌ بين فئتين فئة ناجية تركب سفينة النجاة التي أعدت بأمر الله وتكليف نوح عليه السلام، وبين فئة هالكة غرقاً لا محالة، أقول بين وجوب هذه الطاعة وبين تفكيره بمصير ابنه الذي رفض الركوب في السفينة، تنازعت العاطفة مع قوة العقيدة فكانت العقيدة هي الغالبة ولم يكن هناك خروج عن الطاعة في مناشدة نوح عليه السلام لربه أنَّ يستثنى ابنه من القرار الحاكم العادل فكان أنَّ جاء ردّه سبحانه وتعالى عتاباً لنوح عليه السلام {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ} (هود: 46).
عتاب الله لنبيه موسىعليه السلام
من نماذج الآيات الواردة في عتاب الأنبياء عليهم السلام – كما يراها مفسرون كُثُر وبعض متكلمي المذاهب الإسلامية آيات عتاب النَّبي موسى عليه السلام حينما عوتب لمّا قام خطيباً في بني إسرائيل وسُئل عن أعلم الناس فرأى عليه السلام أنّه الأعلم كما في إحدى الروايات التي تناقلها المفسرون منه في المصادر المعتبرة.
[108]فخر الدين محمد بن عمر الرازي، مفاتيح الغيب 18: 4.