
الإهداء
إلى من سهرا على تربيتي وتعليمي،
وتمنّيا لي سبيل المعرفة والعلم، وسهلاّ لي طُرقه
إلى روح أبي وأمي (طيب الله ثراهما)
أهدي جهدي المتواضع هذا
الباحث
المقدمة
من الموضوعات المهمة والحساسة التي طالما دار الحوار حولها موضوع عصمة الأنبياء الملازمةُ لنفي كل ما من شأنه أنَّ يطعن من خلاله بشخص النَّبي أو سلامته الفكرية والعقدية وتكاملهُ الأخلاقي في مطلق شؤون حياته وذلك، لأن هذا الموضوع - أعني العصمة - يتصل بالمصدر الثاني الذي يبني عليه الإنسان دينه وعقيدته، ويسيّر عليه شؤون حياته جميعها، وهو «النبوة» والاختلاف حول هذا الموضوع الذي يعد من أصول الدين عند كل الموحدين ينتج عنه اختلاف واسع في التفريعات الناشئة عن هذا الأصل.
والباحث في موضوع النبوة يجد أنَّ هناك خلافاً بين المسلمين في هذا الموضوع يظهر بشكله الواضح حين يدور الحديث حول عصمة الأنبياء عليهم السلام.
الأمر الذي دعا إلى ذلك هو أنَّ جماعة مخطئة استغلت بعض الآيات ذريعة للأنبياء إذ تمسكوا بظاهرِ بعضها الذي يمسُّ على وفق تطبيقهم بِعصمة الأنبياء عليهم السلام من آدم حتى نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فتطاولوا وتجاوزوا في المس بالأنبياء عليهم السلام والقول إنّهُ قد ورد في حقهم اللوم والعتاب والتوبيخ... إلخ وزعموا أنّ العتاب الذي له المساس المباشر بالأدلة على
خلاف عصمة الأنبياء عليهم السلام يتخذ درجات متفاوتة في الشدة أو اللين بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك حين جوّزوا على الأنبياء عليهم السلام ارتكاب بعض الذنوب والمعاصي، ونجد كتبهم التي عُنيت بهذه الموضوعات تزخر بتلك الشُبَه، فتارة ينطلقون من التوبة وأخرى من الاستغفار وثالثة من الإنابة ويزعمون أنَّ الأنبياءفي هذه المواقف وغيرها حصل منهم ما يجعلهم كغيرهم من البشر يخطئون ويذنبون ويتوبون ثم أنّهم يعاتبون كما يعاتب سائر الناس.
وانطلاقاً من واجب الدفاع عن عصمة الأنبياء عليهم السلام وعموم رسالاتهم الخالدات وكمال نفوسهم الشريفة أجد لزاماً عليَّ في دراستي هذه أنَّ أدفع عنهم قدر ما يسعفني جهدي وما تحمله جعبتي أنواع الشبه كلها عند من تأول وأثبت وقوع ألوان اللوم والعتاب الوارد في حقهم كما زعمه أولئك المخطئون من خلال جمودهم على ظواهر النص وتوظيفها بما يعضّد دعوتهم وزعمهم لهم وسيأتي في أثناء البحث تفصيل ذلك سائلاً المولى القدير أنَّ يتقبل هذا الجهد الطيّب إنّهُ نِعْم المعين.
ولقد خصصنا عدداً من الأنبياء عليهم السلام وليس جميعهم مراعاة الضرورة الموضوعية والزمانية واختيار الحالات التي تمثل قواسم مشتركة ودلالات متشابه، واكتفت الدراسة باستقراء آراء المذاهب الكبرى المنضبطة في فهمها لموارد الدلالات في الآيات الكريمات موضوعة الدراسة واضطرنا إلى استبعاد التوسع في عرض آراء المناهج الأُخَر تحاشياً للإطالة ليشكل كل ذلك محاولة ربما خذلتها الأدوات وربما قصرت بها الاستعدادات الشخصية المحددة جاءت الدراسة موسومة بـ((آيات عتاب الأنبياء في القرآن الكريم دراسة تحليلية)).
على أنَّ الأسباب التي دعت الباحث لاختيار هذا الموضوع أهميته الكبيرة واستعيابه لقضايا حساسة تكاد تكون متجددة في سماء الفكر والعقيدة، ولأنه جاءَ على حد علمي جديداً في عرضه إذ لم نجد بحسب حدود الإطلاع أنّ هناك من كتب فيه بشكل متخصص، وندرة ما كتب في ملامحه العامة بشكل متفرق في أثناء كتب التفسير وعلم الكلام، لذا نرى أنّه سيكون بكراً في عرضه ومادته، زيادة على كثرة الشبهات التي أثيرت من بعض الكُتَّاب المعاصرين وغيرهم ممن سبقهم عن مسيرة الأنبياء عليهم السلام، وخاصة فيما يتعلق بفهم الآيات التي وردت مورد الدراسة والجدل إذ تسللوا في خلالها إلى محاولة الإخلال بعصمة الأنبياء عليهم السلام، وهو أمر يدعو إلى الوقفة والتأمل تجاه هذه الآراء ومحاولة فحصها والتعامل معها من منطلق الدفاع عن الأنبياء عليهم السلام بما هو حق.
ومن الصعوبات التي واجهت الدراسة، خصوصية موضوعتها إذ لم يتّخذ سياقاً علمياً محدداً، ولم يكن مختصاً بعلم بذاته وإنما أخذ سياقاً متنوعاً في دلالته ومضامينه فكان قرآنياً من جانب، وكلامياً من جانب آخر، كما استوجب لمحةً تاريخيةً، وأخرى حديثية، وهو أمر دعا إلى تنوع مصادر البحث ومراجعه إذ شملت مصادر تفسير القرآن الكريم، والكلام والعقيدة ومصادر اللغة والفقه والأصول والتأريخ الأمر الذي أضفى على البحث حسنة التنوع على الرُّغم من تحمل المعاناة.
وقد جاء البحث منتظماً في مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة. فكان الفصل الأول محاولة للكشف عن دلالات العتاب ومعانيه في لغة العرب وفي ضوء المنهج القرآني في توظيف المفردة وقد انقسم الفصل على ثلاثة مباحث.
وجاء الفصل الثاني على ثلاثة مباحث أيضاً فعالج عرض نماذج من الآيات التي وردت مورد (العتاب) للأنبياء والرسل عليهم السلام ومحاولة بيان مضامينها ودلالاتها.
أما بحث الفصل الثالث فيدرس قضية العصمة بكون ارتباطها بـ(العتاب) المدعى مع عرض نماذج من الآيات التي تمسك بها المخطئة وبنوا عليها دعوتهم وزعمهم وحاولوا البحث في توجيهها على ضوء المنهج الحق القائل بالعصمة المطلقة وفي مقابلهم المنهج القائل بالعصمة الجزئية في أسلوب عرض تحليلي لتخلص الدراسة بخاتمة حاولت أنَّ تلم شتات الموضوع وتلمس أهم النتائج المتحصلة من الخوض في عباب مناهج المفسرين ومحاولات المتكلمين في فهمه.
ولا يسعني إلا أنَّ أتقدم بخالص شكري وامتناني إلى كلّ من قدّم إلى الدراسة ولو بكلمة.
وختاماً نسأل الله تعالى أنَّ تكون الدراسة قد وفقت في أنَّ تأتي بجديد أو مفيد، وأن تكون جلوت ما لم يكن قد أخذ حقه من الظهور، وأن تكون في ذلك كله قد أخلصت النية، ونأيت بالنفس عن الأهواء وتجردت عن كل ما لا يليق بالبحث الموضوعي، وعليه فأدعوا أدعو الله القدير أنَّ يوفقني إلى الاستمرار في مسيرة العلم لما يعود بالنفع والفلاح وأداء الواجب تجاه ديننا الحنيف والله من وراء القصد وآخر دعوانا أنَّ الحمد لله رب العالمين.
الباحث

الفصل الاول
دلالات العتاب في اللغة والاستعمال القرآني والتراث الإسلامي
المبحث الأول: العتاب ومرادفاته في لغة العرب
المبحث الثاني: دلالات العتاب في ضوء المنهج القرآني
المبحث الثالث: صيغ العتاب ومرادفاته في القصص القرآني والحديث الشريف
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
تمهيد
ليس سهلاً أنْ يَضَع الباحث يده على بغيته في المعجمات اللغوية وهو يتحرى المدلول اللغوي لـ(لفظة) ما؛ وذلك لأسباب منها: (1) كثرة المعاني المتراكمة لكلّ جذرٍ لغويّ، (2) وكثرة ما أُلّفَ في لغة العرب من المعجمات اللغوية، (3) اختلاف مناهج مؤلفي هذه المعجمات، فلا مندوحة – إذن – من الوقوف على بعض تلك المعجمات المعتمدة سبيلاً لجلاء المعنى وإدراك مدلول اللفظة في إطار وحدة الكلام، وهذا ما سعت الدراسة إليه.
إن المفردة – آية مفردة – لها معنىً مركزي (مُعجمي) هو المعنى الأوليّ بيد أنّ السياق يحملّ اللفظة معاني هامشيةً تتضمن من المعنى المركزي (الأصلي) وهذه المعاني الهامشية قد تكون متحركة وقابلة للتفاعل مع القراءات والتأويل لذا فهي متغيرة مُتجددة على وفق السياقات التي احتوتها، فالسياق – إذن – يقود المفردة إلى معانٍ هامشيةٍ مضافةٍ إلى المعنى المركزي.
فالمفردة – تبعاً لذلك – لم تقف عند معناها الأوليّ فقد تحلّق في آفاقٍ واسعةٍِ من المعاني الفرعية – إن جاز التعبير.
ومعروف عندنا أنّ المعجمات – غالباً – ما تُشير إلى المعاني المركزية –