المرتضىرحمه الله بعد أنَّ يأتي على تفصيلات القصّة المتعلقة بالآية المباركة يقول: ((أكثر ما في الآية إذا سلّمنا نهاية الإقتراح فيها أنَّ يكون صلى الله عليه وآله وسلم فَعَلَ ما غيره أولى منه وليس أنَّ يكون صلى الله عليه وآله وسلم بترك الأولى عاصياً))([144]).
ويستفيد الطبرسيرحمه الله من تأويل رواية الإمام علي بن الحسين عليه السلام بأنّها مطابقة لتلاوة الآية (على أنّه إنماً عوتب على قوله{أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} (الأحزاب/37) مع علمه بأنّها ستكون زوجه.. ([145])
ومن متأخري الإمامية السيد الطباطبائيرحمه الله يعلّق على النصّ الكريم قائلاً: ((فظاهر العتاب الذي يلوح منه قوله تعالى:{وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} (الأحزاب/37) مسوق لانتصاره وتأييد أمره قبال طعن الطاعنين ومن في قلوبهم مرض))([146]) ثم يورد دليلاً قرآنياً على أنّه انتصار وتأييد في صورة العتاب قوله تعالى:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} (الأحزاب/37)([147]).
وعدا الإمامية نجد الزمخشري في توجيه معنى الآية المباركة راداً على من يرى أنَّهُ لِمَ لم يعاتب الله نبيه مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ويأمره بقمع الشهوة وكفّ النفس عن التنازع إلى زينب وتتبعها، فهو يرى: أنّه كم من شيء يتحفظ منه الإنسان ويستحي من إطلاع الناس عليه وهو في نفسه مباح وحلال
[143]ظ: تنزيه الأنبياء 156، الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي العلوي، أمالي المرتضى 2: 331 – 332 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، انتشارات ذوي القربى ط1، 1384 هـ.
[144]مجمع البيان 8: 466 – 467.
[145]الميزان في تفسير القرآن: 16 / 323.
[146]المصدر نفسه: 16 / 323.
مطلق ولا مقال فيه ولا عيب عند الله، ويرى هذا المفسرّ أنّ المصلحة العامة هي الغالبة في هذه القصة، فبالأحرى أنَّ يعاتب الله رسوله حين كتم الأمر وبالغ في كتمه بقوله:{أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} (الأحزاب/37) ([148]).
ونرى فيما ذكره الزمخشري ملاحظة صائبة تستحق الوقوف عندها ذلك لأنّها منطلقة من قراءة عميقة للنص القرآني وإحاطة بأسباب نزول الآية وفهم ملابسات الحادث وارتباطها بالظروف المحيطة بشخصية المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
والبيضاوي يقول: ((ليست المعاتبة على الإخفاء وحدَه فإنّه حَسَن بل على إخفاء مقالة الناس وإظهار ما ينافي إضماره فإنّ الأولى في أمثال ذلك أنَّ يصمتَ أو يفوّض الأمر إلى ربه))([149]).
وينحو مُحَمَّد الغزالي – وهو من المتأخرين – في توجيه معنى الآية، منحىً آخر إذ لا يرى أنَّ هناك عتاباً ويعجب ممن ذهب إلى أنّ في الآية عتاباً إذ يقولُ: إنّهم زعموا أنّ الآية جاء فيها عتابٌ له على هذه العاطفة المكبوتة ونحن نعجب أشدّ العجب لهذا الخبط الهائل ثم أنّه يذهب إلى نوع من القياس إذ يرى أنّ الله لا يعاتب أحداً على كتمان حب طائش فكيف والنبي قد أتعب نفسه وتأذى لأجل ذلك([150]).
ولنأخذ في ختام هذا المبحث الآية السابعة والستين من سورة الأنفال لنقع على ما لعلّه يفهم منه العتاب مستندين إلى آراء المفسرين كلّ بحسب اتجاهه، قال
[147]الكشاف: 3 / 551 – 552.
[148]تفسير البيضاوي: 2 / 384.
[149]فقه الشريعة – منشورات عالم المعرفة، 474 – 475.
سبحانه وتعالى:{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الانفال/ 67).
الاتجاه الأول:يذهب إلى أنّ العتابَ في الآية الكريمة متوجه إلى النبيّ مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم ومن القائلين بهذا التفسير الواحدي إذ يرى أنّ الآية الكريمة نزلت عتاباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أنكر الله عزّ وجلّ على نبيّه ذلك([151]).
وكذلك يذكر البغوي في تفسيره لعتاب الله لنبيه في سورة الأنفال استطراداً في معرض تفسيره لسورة التوبة إذ يقول: ((قال عمر بن ميمون: اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،إذنه للمنافقين وأخذه الفدية من أسارى بدر، فعاتبه الله))([152]).
الاتجاه الثاني:يرى أصحابه أنّها نزلت عتاباً لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومنهم القرطبي الذي يرى أنّها نزلت يوم بدر عتاباً من الله عزّ وجلّ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([153]).
أما الزمخشري فيذكر أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بكى حزناً على أصحابه لأخذهم الفداء يوم بدر([154]).
[150]ظ: أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (ت468 هـ) أسباب النزول 1: 448 مؤسسة الحلبي، القاهرة 1388 هـ - 1968 م.
[151]أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي (ت514)، معالم التنزيل أو تفسير البغوي 2: 251.
[152]الجامع لأحكام القرآن 4: 61.
[153]الكشاف: 2 / 244 – 225 (مصدر سابق ذكره)، وأنظر كذلك: الميزان، الطباطبائي: 9/136.
والاتجاه الثالث:يمثله القائلون أنّ في الآية الكريمة شمولاً لعتاب النَّبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابهومن أولئك أبو السعود الذي يراها شاملةً لعتابها النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إذ إنّ المفسّر توصّل إلى ذلك بدلالة قوله تعالى:{تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} (الأنفال/67) فقال: (استئناف مسبوق للعتاب أي تريدون حطامها يأخذكم الفداء...)([155]).
ويذهب الرازي إلى ترجيح أنّ العتاب هنا لترك الأولى، والأولى في ذلك الوقت الإثخان وترك الفداء قطعاً للنزاع ولولا أنّ ذلك من باب الأولى لِما فوّض النبيّ ذلك لأصحابه([156]).
ثم يرى أنّ الخطاب في قوله:{تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} (الأنفال/67) خطاب جمع يصرف ذلك إلى القوم الذين رغبوا في المال([157]).
بيدَ أنّ مفسراً آخر لا ينتمي إلى الاتجاهات الثلاثة هو الشريف المرتضىرحمه الله ينفي أنَّ يكون من الآية عتاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك لأنّه من القائلين بالعصمة المطلقة فهو يقول في هذا الصدد: ((ليس في الآية ما يدلّ على أنّه صلى الله عليه وآله وسلم عوتِب في شأن الأسرى بل لو قيل إنّ الظاهر يقتضي توجيه الآية إلى غيره لكان أولى فلذا يرى أنّ المعاتب سواه))([158]).
ويوجه الطبرسيرحمه الله الخطاب العتابي في قوله تعالى:{تُرِيدُونَ عَرَضَ
[154]أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي الحنفي تفسير أبي السعود أو إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم 4: 35.
[155]عصمة الأنبياء: 106.
[156]المصدر نفسه: 106.
[157]تنزيه الأنبياء: 158 أمالي المرتضى: 2 / 332.
الدُّنْيَا} (الأنفال/67) إلى غيره من المؤمنين الذين رغبوا في أخذ الفداء من الأسرى([159]).
نماذج من عتاب الأنبياء عليهم السلام غير أولي العزم
توطئة
درسنا في المبحث السابق الآيات الكريمات التي قد يفهم منها عتابُ الله سبحانه وتعالى لأنبيائه من أولي العزم (صلوات الله وسلامه عليهم)، ووقفنا وقفاتٍ متأنيةً عند مناقشة العلماء والمفسرين لدلالات تلك الآيات، وعرض أسباب نزولها مبينين آراءنا فيما رجحنا أنّه الصواب في توجيه دلالات الخطاب القرآني الذي يُفاد من كلامه سبحانه وتعالى، وسعة شموله لمعاني العتاب ومرادفاته. ونحن من كلّ ذلك نحكّم قراءتنا للنصّ القرآني ونستفيد مما كتبه الدارسون القدماء والمحدثون وصولاً إلى البحث عن مغزى تلك الآيات الكريمات ولاسيّما أنّ موضوع عصمة الأنبياء عليهم السلام قد يبدو متعارضاً مع توجيه العتاب واللوم والتقريع لصفوة الخلق وهم الصفوة المختارة المنزّهون عن الخطأ.
ونتّبع في هذا المطلب من المبحث منهجنا في معالجة الآيات التي فهم منها أنها في عتاب الأنبياء عرضاً وتحليلاً ومناقشة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
عتاب النبيّ آدم عليه السلام
الآية الكريمة: قال سبحانه وتعالى: {... وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} (الأعراف / 22).
[158]مجمع البيان: 4 / 69.
للمفسرين في هذه الآية أقوال وتوجيهات شتى فمن قائلٍ إنّ في الآية عتاباً بيّناً على ما ارتكبه آدم عليه السلام من مخالفة وعصيان، ومن أبرز أولئك المفسرين الطبرسيرحمه الله الذي قال: ((قالا: أي آدم وحواء عليهما السلام لما عاتبهما الله سبحانه ووبخهما على ارتكاب النهي عنه))([160]).
والفخر الرازي يرى أنّ آدم عليه السلام قد أخطأ في الاجتهاد لاشتباه الأمر عليه فهو يقول: ((فآدم عليه السلام اشتبه عليه الأمر... إلاّ أنّ المجتهد إذا أخطأ في الفروع لم يكن صاحب كبيرة))([161]).
ويذهب الزمخشري إلى تأكيد ورود العتاب في الآية: ((عتاب من الله تعالى وتوبيخ وتنبيه على الخطأ إذ لم يتحذرا مما حذرّهما من عداوة إبليس..))([162]).
ونحن نوافق هؤلاء المفسرين فيما ذهبوا إليه إذ رأوا أنّ في خطابه جلّ أمره – عتاباً لنبيه على ما حصل منه ومن حواء، ومما يعزز هذا التوجيه لدلالة الآية ما يتضمنه النصّ الكريم من استفهام قويّ على مخالفة النهي إذ طلب سبحانه من آدم وحواء ترك التقرب من الشجرة المحددة {... وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ} (البقرة/35).
فأين هذا النهي من مخالفته ومباشرة الأكل والتناول من الشجرة نفسها؟ ولم يصمد أيّ تأويل أمام مدلول هذا التركيب القرآني ولاسيّما أنّ البارئ عزّ وجلّ
[159]مجمع البيان: 4: 506.
[160]عصمة الأنبياء: 19.
[161]الكشاف: 2 / 99 وقد ذهب مفسرون كُثر هذا المذهب منهم على سبيل المثال: البيضاوي: تفسير البيضاوي 2: 3، تفسير القمي 2: 3، أبو السعودتفسير أبي السعود 3: 221، الشوكاني فتح القدير 2: 195، محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 8: 35 دار الفكر، بيروت – لبنان ط2.
قد عاقب نبيه وزوجه بهذه العقوبة الكونية إذ أمرهما بأن يهبطا من الجنة وقد قال عزّ من قائل في سياق هذا الحديث الكوني:{قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} (الأعراف/24).
يتبيّن من دلالة الآيات أنّ عتاباً وتوبيخاً يهيمن على معاني الآيات من خلال الحوار الجليل الذي يسيّر مغزى النص القرآني وهو حوارٌ قائم على التعليل وتكثيف الأدلة المفضية إلى تخطئة مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى بالابتعاد عن الشجرة المنوّه بها في كلامه جلّ وعلا.
وثمة جملة من المفسرين القدماء والمحدثين من حاولوا أنَّ ينأوا بالآية عن معاني العتاب واللوم والتوبيخ ومن أولئك المفسرين الطوسي رحمه الله إذ قال في مسألة عتاب الله سبحانه وتعالى لنبيه آدم عليه السلام إنّ ((آدم لم يرتكب قبيحاً وإنّ ما توجه إليه بصورة النهيّ كان المراد به ضرباً من الكراهية من دون الحصر، وإنمّا قلنا ذلك لقيام الدلالة على عصمتها من سائر القبائح صغائرها وكبائرها فعلى هذا لا يحتاج إلى أنَّ نقول إنّها تأويل فأخطأ على ما قاله البلخي والرماني أو وقع منهما سهواً على ما قاله الجبائي))([163]).
وواضح الوضوح كلّه أنّ الذي دفع الطبرسي رحمه الله إلى هذا التأويل هو أنّه قيد نفسه بالقول بالعصمة المطلقة للأنبياء وتنزيههم من سائر القبائح صغيرها وكبيرها كما ذكر هو متغافلاً عن سياق الآيات المتممة لهذا الحدث والمشيرة إلى ما أفضت إليه مخالفة آدم عليه السلام وزوجه لما نهى الله عنه من هبوطهما المعنوي والمكني (إلى الأرض).
ومهما يكن من شيء فإنّ تلك الآيات لابّد ألاّ تدرس بمعزل عن سياق
[162]التبيان: 4 / 373.
السور القرآنية ووحدتها البنائية وألاّ يعوّل المفسّر على ظاهر النصّ القرآني إذ إنّ لكثير من آيات الله وجوهاً يعزّ تبيّنها على المفسر والنّقيد فكيف بمن لا يتأمل الدلالة العميقة للنص القرآني.
عتابُ النبيّ يونس عليه السلام
قال سبحانه وتعالى:{فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} (الصافات / 124).
في بادئ الأمر لابد لنا أنَّ نتبيّن معنى مفردة (يُلم) الواردة في النصّ الكريم لنقف موازنينس ومعقبين على ما ذكره مفسرو الآية بحسب اتجاهاتهم الفكرية ونزعاتهم العقلية.
في معجم مقاييس اللغة (المليم) الذي يستحق اللوم([164])، كما في لسان العرب: لامه على كذا يلومه لوماً... فهو ملوم ومليم استحق اللوم حكاه سيبويه([165])،وكذلك في تهذيب اللغة للأزهري: ألام الرجل فهو مليم، إذا أتى ذنباً يلام عليه([166])، وكذا في مجمع البحرين «مليم» من ألام الرجل أتى بما يلام عليه([167]).
وأمّا الراغب الاصفهاني فقد قال: ألام: استحق اللوم([168]).
وقال تعالى:{فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ} (الذاريات / 40).
[163]مقاييس اللغة: مادة (لوم).
[164]لسان العرب: مادة (لوم).
[165]ظ: أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت 370 هـ) تهذيب اللغة 15: 399، مادة لوم (د.ت).
[166]الشيخ الطريحي (ت1085 هـ) مجمع البحرين مادة «لوم تحقيق أحمد الحسيني مكتب نشر الثقافة الإسلامية ط2، 1408 هـ - 1367 ش.
[167]مفردات الراغب: مادة لوم تنظر الذاريات: 40.