بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 79

السور القرآنية ووحدتها البنائية وألاّ يعوّل المفسّر على ظاهر النصّ القرآني إذ إنّ لكثير من آيات الله وجوهاً يعزّ تبيّنها على المفسر والنّقيد فكيف بمن لا يتأمل الدلالة العميقة للنص القرآني.

عتابُ النبيّ يونس عليه السلام

قال سبحانه وتعالى:{فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} (الصافات / 124).

في بادئ الأمر لابد لنا أنَّ نتبيّن معنى مفردة (يُلم) الواردة في النصّ الكريم لنقف موازنينس ومعقبين على ما ذكره مفسرو الآية بحسب اتجاهاتهم الفكرية ونزعاتهم العقلية.

في معجم مقاييس اللغة (المليم) الذي يستحق اللوم([164])، كما في لسان العرب: لامه على كذا يلومه لوماً... فهو ملوم ومليم استحق اللوم حكاه سيبويه([165])،وكذلك في تهذيب اللغة للأزهري: ألام الرجل فهو مليم، إذا أتى ذنباً يلام عليه([166])، وكذا في مجمع البحرين «مليم» من ألام الرجل أتى بما يلام عليه([167]).

وأمّا الراغب الاصفهاني فقد قال: ألام: استحق اللوم([168]).

وقال تعالى:{فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ} (الذاريات / 40).

[163]مقاييس اللغة: مادة (لوم).

[164]لسان العرب: مادة (لوم).

[165]ظ: أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت 370 هـ) تهذيب اللغة 15: 399، مادة لوم (د.ت).

[166]الشيخ الطريحي (ت1085 هـ) مجمع البحرين مادة «لوم تحقيق أحمد الحسيني مكتب نشر الثقافة الإسلامية ط2، 1408 هـ - 1367 ش.

[167]مفردات الراغب: مادة لوم تنظر الذاريات: 40.


صفحه 80

ومفسرو الإمامية ومنهم الطوسيرحمه الله الذي رأى أنّ يونس عليه السلام أتى بما يُلام عليه فقال في تفسير الآية الكريمة مادة الذكر المعنى: (أتى بما يلام عليه وإن وقع مُكفراً عنه من قال بتجويز الصغائر على الأنبياء عليهم السلام وعندنا قد يلام على ترك الذنب)([169])، والظاهر منه هنا هو ترك الأولى.

وقال الطبرسيرحمه الله مفسراً هذه الآية المباركة (مستحق للوم، لوم العتاب لا لوم العقاب على خروجه من بني قومه من غير أمر ربّه، وعندنا أنّ ذلك إنمّا وقع منه تركاً للمندوب وقد يلام الإنسان على ذلك المندوب)([170]).

وذهب المفسران الكبيران الطوسي والطبرسيرحمهما الله إلى أنّ الظلم الذي نسبه يونس عليه السلام لنفسه كان من باب ترك الأولى فهو مستحق للوم من قبل الله عزّ وجلّ)([171]).

وإلى ما يشبه هذا التوجيه ذهب مفسرون آخرون منهم الفيض الكاشاني([172]) العاملي([173]) وعبد الله شبر([174]) والطباطبائي([175]) وأمثالهم وواضحٌ جلي أنّ مفسري الإمامية يذهبون إلى أنّ ما ورد في الآية الكريمة هو الملاطفة في العتاب بترك الأولى.

أما المفسرون من غير الإمامية فقد وقفوا عند هذه الآية دارسين سبب نزولها

[168]التبيان: 8 / 529.

[169]مجمع البيان: 8 / 591.

[170]ظ: التبيان: 7: 474.

[171]تفسير الصافي: 4: 283.

[172]تفسير الوجيز: 3: 88.

[173]السيد عبد الله شبر (ت1242 هـ) تفسير القرآن الكريم ص 500، دار إحياء التراث العربي، ط 1، 1428 هـ - 2007م.

[174]الميزان 17: 163.


صفحه 81

وناظرين في المعنى اللغوي لكلمة (مُليم) وارتباطها في سياق النصّ القرآني، فالطبري يرى قوله تعالى:{وَهُوَ مُلِيمٌ} (الصافات/ 142) أي مكتسب اللوم، يقال ألام الرجل إذا أتى بما يُلام عليه من الأمر وإن لم يُلَم كما يقال أصبحت محمقاً معطشاً أي عندك الحمق والعطش ثم يستشهد بعد ذلك بقول لبيد([176]).

مفهماً عذلتَ ولمت غير مليم

وهداك قبل اليوم غير حكيم

فأمّا اللوم فهو الذي يلام باللسان ويُعذل بالقول.. ثم بعد هذا يقول: حدّثني يونس قال: أخبرنا وهب قال: قال أبي زيد في قوله وهو مليم مذنب، قال والمليم المذنب([177]).

والزمخشري قال معلقاً على الآية ((داخل في الملامة، يقال ربّ لائم مليم، أي يلوم غيره وهو أحق منه باللوم ثم يقول: وقرئ (مليم) بفتح الميم، من ليم فهو مليم([178]).

أمّا القرطبي فيرى أنّه عليه السلام ((أتى بما يلام عليه فأما الملوم فهو الذي يُلام استحق ذلك أو لم يستحق ثم يقول: ((وقيل: المليم المعيب، يُقال: لام الرجل إذا عمل شيئاً مضاراً معيباً بذلك العمل([179]).

والبيضاوي يقول مفسراً الآية الكريمة: داخل في الملامة أو آتٍ بما يلام

[175]ظ: ديوان لبيد بن ربيعة تحقيق د. إحسان عباس، دار صادر بيروت، ظ تاج العروس، الزبيدي ج17، ص 662.

[176]ابن جرير الطبري (ت310 هـ)، جامع البيان عن تأويل القرآن 23: 117، تحقيق خليل الميس، دار الفكر، بيروت – لبنان 1415 هـ - 1995 م.

[177]الكشاف 4: 63.

[178]الجامع لأحكام القرآن: 8: 81.


صفحه 82

عليها أو مليم نفسه([180]) والبغوي يرى الرأي نفسه([181]).

ولا حاجة بنا إلى أنَّ نقول أنّ الآية المباركة حملت لوماً، ولاسيمّا أنّ أغلب المفسرين ذهبوا إلى هذا التوجيه، وأنّ المعنى اللغوي للمفردة (مليم) يشير إلى وقوع اللوم إثرَ ما ارتكبه النبيّ مما يُلام بسببه، كما أنّ لهذه المفردة استعمالات شتى في لغة العرب نثرهم وشعرهم تدل إلى هذا المعنى، والقرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليبهم من القول فلا ينبغي أنَّ نتأول ما كان واضحاً من دلالته وتسنده أسباب النزول ومقتضى الحال.

عتابُ النبيّ داود عليه السلام

ولعلّ أبرز ما يُثار في موضوع عتاب الله سبحانه وتعالى لنبيه داود عليه السلام ما ورد في سورة (ص) إذ قال جلّ ذكره:

{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} (ص / 21-25).

هذه الآيات ناطقات بالعتاب المنزّل وليس ثمة تأويل يقف حائلاً من دون

[179]البيضاوي: 5: 27.

[180]البغوي: 4: 43.


صفحه 83

دلالة هذا النص على العتاب الغليظ بدلالة قوله سبحانه: {... فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} (ص/24) إذ إنّ هذا النوع من الاستغفار المشفوع بالركوع والإنابة يأتي في سياق القصة القرآنية المتضمنة لما حدث للنبي داود عليه السلام من سلوك يُوجب هذا الاستغفار والندم وقد حصل هذا العتاب الشديد في إطار تنبيه النَّبي داود عليه السلام من خلال إرسال الملكين (المتخاصمين) على سبيل التجربة وكشف سريرته عليه السلام ومستوى ردوده على المتخاصمين وهل باستطاعته أنَّ يهديهما إلى سواء الصراط الذي حاد عنه هو؟ فما أروع هذه الصورة من العتاب المعبّر!

ولذا نكتفي بما ورد في تحليل بعض المفسرين القداماء وهم يعرضون لنا مضامين هذا الحوار القرآني من خلال قصة النَّبي داود عليه السلام مع (المتخاصمين) فالشريف المرتضىرحمه الله يذكر أنّ من ذهب إلى أنّ النَّبي داود عليه السلام قد عاتبه البارئ عزّ وجلّ فلأمور عدة أمور منها:

((إنّ أوريا بن حنّا لمّا أخرجه في بعض ثغوره قُتل، وكان داود عليه السلام عالماً بجمال زوجته فمالت نفسه إلى نكاحها بعده، فقلّ غمّه بقتله لميل طبعه إلى نكاح زوجه، فعوتب على ذلك بنزول الملكين من إذ حمله ميل الطبع، على أنَّ قلّ غمّه بمؤمن قُتل من أصحابه([182]) ونرى أنّ الطبرسي هنا ناقلٌ وليس بمتبنٍ لأنّه يدرك أنّ الإسرائيليات احتلت دوراً كبيراً في إمالة الحديث عن مساره الصحيح.

كما روي أنّ إمرأة خطبها أوريا بن حنّا ليتزوجها وبلغَ داود عليه السلام

[181]تنزيه الأنبياء: 130.


صفحه 84

جمالها فخطبها أيضاً فزوجها أهلها بداود وقدّموه على أوريا وغيره، فعوتب عليه السلام على الحرص على الدنيا... ([183]).

ويورد المفسر الطبرسيرحمه الله وجوهاً منشؤها الاختلاف ذكر فيها سبب العتاب المتوجه منه سبحانه وتعالى إلى عبده ونبيه داود عليه السلام ([184]).

ويرى الزمخشري: أنّ هذه القصّة كانت بالغة التوبيخ بحقّ النبيّ داود عليه السلام ([185]).

[182]المصدر نفسه: 131.

[183]مجمع البيان: 8: 607.

[184]الكشاف: 4: 14.


صفحه 85

المبحث الثاني: نماذج من آيات عتاب الله لسائر الناس

عتاب زوجات النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم

لقد ورد العتاب لزوجات النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن الكريم في أكثر من مورد وموقف وكان الخطاب في معظم الآيات ذوات المورد عتاباً شديداً وصل إلى مستوى التقريع والتوبيخ والتمثيل لهن بالكفر لما قمن به من أعمال لا تليق بهن كونهن زوجات المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أو لما قمن به من أعمال آذته صلى الله عليه وآله وسلم ومن هنا بدأ اللوّم والعتاب، عندما نزل قوله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} (التحريم / 3).

وينقل المفسرون والرواة في سبب نزول الآية أنّه حينما أفضى النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بعض أزواجه – حفصه بنت عمر بن الخطاب – حديثاً وأوصاها بكتمانه، فلما أخبرت به غيرها وأفشت السّر خلافاً لما وصاها به، وأعلم النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها أنبأت غيرها وأفشت السرّ عرفّ صلى الله عليه وآله وسلم بعضه وأعرض عن بعض آخر، فلما أنبأها الحديث قالت:


صفحه 86

{مَنْ أَنْبَأَكَ} قال صلى الله عليه وآله وسلم: (نبأني وخبرّني العليم الخبير وهو الله العظيم)([186]).

ويتأكد العتاب لزوجاته صلى الله عليه وآله وسلم عند قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ}(التحريم/4) إذ يروى أنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم قال لحفصة، ألم أقل لك اكتمي عليّ؟

قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي([187]).

وهنا يقول الزمخشري معلقاً بقوله: قلت ليس الغرض بيان من المذاع إليه ومن المعرّف، وإنما هو ذكر جناية حفصة في وجوب الأنباء به وإفشائه من قبلها، ثم يرى أنّ العتاب جليٌّ عند قوله: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} (التحريم/4) إذ أنَّهُ خطاب لحفصه وعائشة على طريق الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما([188]).

ومما يشير إلى أنّ المعني بالعتاب هما زوجتا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حفصه وعائشة ما رواه البخاري بسنده عن عبد الله بن أبي ثور عن عبد الله بن عباس إذ قال: لم أزل حريصاً أنَّ أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم اللتين قال الله لهما {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (التحريم/4) فحججت معه، فعدل، وعدلت معه بالاداوة فتبرّز حتى جاء فسكبت على يديه من الإداوة فتوضأ فقلت: يا أمير المؤمنين مَنِ المرأتان من

[185]ظ: الطبرسي، مجمع البيان: 9: 401، هاشم البحراني، البرهان 9: 567 الطباطبائي، الميزان 19: 331.

[186]ظ: ابن سعد، الطبقات الكبرى، 8: 338، صحيح البخاري 900، الطوسي، الأمالي، 151، الكلبي، التسهيل لعلوم التنزيل 4: 131 السيوطي، الدر المنثور 6: 238.

[187]ظ: الزمخشري، الكشاف 4: 570، الرازي، مفاتيح الغيب 30: 40.