بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 81

وناظرين في المعنى اللغوي لكلمة (مُليم) وارتباطها في سياق النصّ القرآني، فالطبري يرى قوله تعالى:{وَهُوَ مُلِيمٌ} (الصافات/ 142) أي مكتسب اللوم، يقال ألام الرجل إذا أتى بما يُلام عليه من الأمر وإن لم يُلَم كما يقال أصبحت محمقاً معطشاً أي عندك الحمق والعطش ثم يستشهد بعد ذلك بقول لبيد([176]).

مفهماً عذلتَ ولمت غير مليم

وهداك قبل اليوم غير حكيم

فأمّا اللوم فهو الذي يلام باللسان ويُعذل بالقول.. ثم بعد هذا يقول: حدّثني يونس قال: أخبرنا وهب قال: قال أبي زيد في قوله وهو مليم مذنب، قال والمليم المذنب([177]).

والزمخشري قال معلقاً على الآية ((داخل في الملامة، يقال ربّ لائم مليم، أي يلوم غيره وهو أحق منه باللوم ثم يقول: وقرئ (مليم) بفتح الميم، من ليم فهو مليم([178]).

أمّا القرطبي فيرى أنّه عليه السلام ((أتى بما يلام عليه فأما الملوم فهو الذي يُلام استحق ذلك أو لم يستحق ثم يقول: ((وقيل: المليم المعيب، يُقال: لام الرجل إذا عمل شيئاً مضاراً معيباً بذلك العمل([179]).

والبيضاوي يقول مفسراً الآية الكريمة: داخل في الملامة أو آتٍ بما يلام

[175]ظ: ديوان لبيد بن ربيعة تحقيق د. إحسان عباس، دار صادر بيروت، ظ تاج العروس، الزبيدي ج17، ص 662.

[176]ابن جرير الطبري (ت310 هـ)، جامع البيان عن تأويل القرآن 23: 117، تحقيق خليل الميس، دار الفكر، بيروت – لبنان 1415 هـ - 1995 م.

[177]الكشاف 4: 63.

[178]الجامع لأحكام القرآن: 8: 81.


صفحه 82

عليها أو مليم نفسه([180]) والبغوي يرى الرأي نفسه([181]).

ولا حاجة بنا إلى أنَّ نقول أنّ الآية المباركة حملت لوماً، ولاسيمّا أنّ أغلب المفسرين ذهبوا إلى هذا التوجيه، وأنّ المعنى اللغوي للمفردة (مليم) يشير إلى وقوع اللوم إثرَ ما ارتكبه النبيّ مما يُلام بسببه، كما أنّ لهذه المفردة استعمالات شتى في لغة العرب نثرهم وشعرهم تدل إلى هذا المعنى، والقرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليبهم من القول فلا ينبغي أنَّ نتأول ما كان واضحاً من دلالته وتسنده أسباب النزول ومقتضى الحال.

عتابُ النبيّ داود عليه السلام

ولعلّ أبرز ما يُثار في موضوع عتاب الله سبحانه وتعالى لنبيه داود عليه السلام ما ورد في سورة (ص) إذ قال جلّ ذكره:

{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} (ص / 21-25).

هذه الآيات ناطقات بالعتاب المنزّل وليس ثمة تأويل يقف حائلاً من دون

[179]البيضاوي: 5: 27.

[180]البغوي: 4: 43.


صفحه 83

دلالة هذا النص على العتاب الغليظ بدلالة قوله سبحانه: {... فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} (ص/24) إذ إنّ هذا النوع من الاستغفار المشفوع بالركوع والإنابة يأتي في سياق القصة القرآنية المتضمنة لما حدث للنبي داود عليه السلام من سلوك يُوجب هذا الاستغفار والندم وقد حصل هذا العتاب الشديد في إطار تنبيه النَّبي داود عليه السلام من خلال إرسال الملكين (المتخاصمين) على سبيل التجربة وكشف سريرته عليه السلام ومستوى ردوده على المتخاصمين وهل باستطاعته أنَّ يهديهما إلى سواء الصراط الذي حاد عنه هو؟ فما أروع هذه الصورة من العتاب المعبّر!

ولذا نكتفي بما ورد في تحليل بعض المفسرين القداماء وهم يعرضون لنا مضامين هذا الحوار القرآني من خلال قصة النَّبي داود عليه السلام مع (المتخاصمين) فالشريف المرتضىرحمه الله يذكر أنّ من ذهب إلى أنّ النَّبي داود عليه السلام قد عاتبه البارئ عزّ وجلّ فلأمور عدة أمور منها:

((إنّ أوريا بن حنّا لمّا أخرجه في بعض ثغوره قُتل، وكان داود عليه السلام عالماً بجمال زوجته فمالت نفسه إلى نكاحها بعده، فقلّ غمّه بقتله لميل طبعه إلى نكاح زوجه، فعوتب على ذلك بنزول الملكين من إذ حمله ميل الطبع، على أنَّ قلّ غمّه بمؤمن قُتل من أصحابه([182]) ونرى أنّ الطبرسي هنا ناقلٌ وليس بمتبنٍ لأنّه يدرك أنّ الإسرائيليات احتلت دوراً كبيراً في إمالة الحديث عن مساره الصحيح.

كما روي أنّ إمرأة خطبها أوريا بن حنّا ليتزوجها وبلغَ داود عليه السلام

[181]تنزيه الأنبياء: 130.


صفحه 84

جمالها فخطبها أيضاً فزوجها أهلها بداود وقدّموه على أوريا وغيره، فعوتب عليه السلام على الحرص على الدنيا... ([183]).

ويورد المفسر الطبرسيرحمه الله وجوهاً منشؤها الاختلاف ذكر فيها سبب العتاب المتوجه منه سبحانه وتعالى إلى عبده ونبيه داود عليه السلام ([184]).

ويرى الزمخشري: أنّ هذه القصّة كانت بالغة التوبيخ بحقّ النبيّ داود عليه السلام ([185]).

[182]المصدر نفسه: 131.

[183]مجمع البيان: 8: 607.

[184]الكشاف: 4: 14.


صفحه 85

المبحث الثاني: نماذج من آيات عتاب الله لسائر الناس

عتاب زوجات النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم

لقد ورد العتاب لزوجات النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن الكريم في أكثر من مورد وموقف وكان الخطاب في معظم الآيات ذوات المورد عتاباً شديداً وصل إلى مستوى التقريع والتوبيخ والتمثيل لهن بالكفر لما قمن به من أعمال لا تليق بهن كونهن زوجات المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أو لما قمن به من أعمال آذته صلى الله عليه وآله وسلم ومن هنا بدأ اللوّم والعتاب، عندما نزل قوله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} (التحريم / 3).

وينقل المفسرون والرواة في سبب نزول الآية أنّه حينما أفضى النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بعض أزواجه – حفصه بنت عمر بن الخطاب – حديثاً وأوصاها بكتمانه، فلما أخبرت به غيرها وأفشت السّر خلافاً لما وصاها به، وأعلم النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها أنبأت غيرها وأفشت السرّ عرفّ صلى الله عليه وآله وسلم بعضه وأعرض عن بعض آخر، فلما أنبأها الحديث قالت:


صفحه 86

{مَنْ أَنْبَأَكَ} قال صلى الله عليه وآله وسلم: (نبأني وخبرّني العليم الخبير وهو الله العظيم)([186]).

ويتأكد العتاب لزوجاته صلى الله عليه وآله وسلم عند قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ}(التحريم/4) إذ يروى أنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم قال لحفصة، ألم أقل لك اكتمي عليّ؟

قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي([187]).

وهنا يقول الزمخشري معلقاً بقوله: قلت ليس الغرض بيان من المذاع إليه ومن المعرّف، وإنما هو ذكر جناية حفصة في وجوب الأنباء به وإفشائه من قبلها، ثم يرى أنّ العتاب جليٌّ عند قوله: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} (التحريم/4) إذ أنَّهُ خطاب لحفصه وعائشة على طريق الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما([188]).

ومما يشير إلى أنّ المعني بالعتاب هما زوجتا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حفصه وعائشة ما رواه البخاري بسنده عن عبد الله بن أبي ثور عن عبد الله بن عباس إذ قال: لم أزل حريصاً أنَّ أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم اللتين قال الله لهما {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (التحريم/4) فحججت معه، فعدل، وعدلت معه بالاداوة فتبرّز حتى جاء فسكبت على يديه من الإداوة فتوضأ فقلت: يا أمير المؤمنين مَنِ المرأتان من

[185]ظ: الطبرسي، مجمع البيان: 9: 401، هاشم البحراني، البرهان 9: 567 الطباطبائي، الميزان 19: 331.

[186]ظ: ابن سعد، الطبقات الكبرى، 8: 338، صحيح البخاري 900، الطوسي، الأمالي، 151، الكلبي، التسهيل لعلوم التنزيل 4: 131 السيوطي، الدر المنثور 6: 238.

[187]ظ: الزمخشري، الكشاف 4: 570، الرازي، مفاتيح الغيب 30: 40.


صفحه 87

أزواج النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم اللتان قال لهما: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} (التحريم/4) فقال: وأعجباً لك يا ابن عباس: عائشة وحفصة([189]).

واختلف في سبب نزول هذه الآية المؤديّة إلى هذا العتاب الشديد فمن قائل إنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا صلّى الغداة يدخل على أزواجه إمرأة إمرأة وكان قد اهديت لحفصة بنت عمر بن الخطاب عكّة من عسل، فكانت إذا دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حبسته وسقته منها وأنّ عائشة أنكرت احتباسه عندها، فقالت لجويّرية حبشيّة عندها، إذا دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حفصة فادخلي عليها فانظري ماذا تصنع، فأخبرتها الخبر وشأن العسل، فغارت عائشة وأرسلت إلى صواحبها وأخبرتهن وقالت: إذا دخل عليكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلن إنّا نجد منك ريح المغافير – وهو صمغ كريه الرائحة – وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكره ويشق عليه أنَّ يوجد منه ريح غير طيبّة لأنّه يأتيه الملك، قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على سودة، فقالت: فما أردت أنَّ أقول ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم إني فرقت ممن عائشة فقلت: يا رسول الله ما هذا الريح الذي أجد منك أكلت المغافير؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا ولكن حفصه سقتني عسلاً))

[188]الهيثمي (807 هـ) مجمع الزوائد 5: 8 دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط 1408 هـ 1988 م، العيني (ت 855 هـ) عمدة القارئ 19: 252، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان (د.ت).


صفحه 88

ثم دخل على أزواجه إمرأة إمرأة وهن يقلن له ذلك فدخل على عائشة فأخذت بأنفها فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أجد منك ريح المغافير، أكلتها يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا بل سقتني حفصة عسلاً)) فقالت: جرست أذن نحلها العرفط، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا والله لا أطعمه أبداً)) فحرّم على نفسه العسل([190]).

ومن هذه المؤامرة المخجلة نشأ عتاب الأزواج.وفي رواية البخاري أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً، فتواصت حفصة وعائشة بشأن الرائحة([191]).وقيل إنّ من مكث عندها وشرب العسل هي مارية القبطية فوقعت حفصة على ذلك فأفشته لعائشة([192]).ولأجل ذلك عوتبت زوجات النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا ما يراه الزمخشري وبعض المفسرين([193]).ويصرح بعضهم بأن قوله تعالى: {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} (التحريم/3) أي أعلمها وأخبرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض الحديث الذي أفشته معاتباً لها، لأنّ من عادة الفضلاء التغافل عن الزلات والتقصير في اللوم والعتاب، ثم يرى أنّ الخطاب كان لحفصة وعائشة بطريق الالتفات لهما كان ابلغ في معاتبتهما([194]).

[189]ظ: الطبرسي، مجمع البيان 10: 398.

[190]ظ: الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسن بن علي البيهقي (ت 458 هـ)، السنن الكبرى 11: 254 تحقيق مكتب البحوث والدراسات، دار الفكر، بيروت – لبنان (د.ت).

[191]ظ: الطوسي، التبيان 4: 43، الطبرسي، مجمع البيان 10: 399، عبدوس بن أحمد السقاف العلوي الأندلسي المعروف بابن درويش، شواهد التنزيل 154، المجمع العالمي لأهل البيتعليهم السلام، قم، ط 1، 1416 هـ 1996 م.

[192]ظ: الزمخشري، الكشاف 4: 127.

[193]ظ: الميرزا محمد المشهدي بن محمد رمضان بن إسماعيل بن جمال الدين القميّ (ت 1125 هـ) كنز الدقائق، 13: 328، مؤسسة الطباعة والنشر، إيران – قم، ط1، 1366 هـ. ش، عبد علي بن جمعه الحويزي العروسي، نور الثقلين 5: 370 – 371 انتشارات اسماعيليان، قم، ط 4، 1373 ش - 1415 هـ، صفوة التفاسير 3: 383.