بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 92

الآية الثانية

ومن مصاديق ذلك أيضاً قوله جلّ ثناؤه: {وَمَا مُحَمَّد إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران / 144).

وقد نزلت هذه الآيةُ المباركة بعد ما حصل للمسلمين يومَ (أُحد) من انكسار إذ وسوس الشيطانُ في صدور المحاربين أنْ قُتل مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم؛ فنزلت الآية عتاباً للمسلمين المنهزمين الذين ظنّوا أنّ بموت مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم انتهى كُل شيء، متناسين أنّ قتل النَّبي أو موته أمران لابد أنَّ يحصل أحدهما([201]).

وقيل في تفسيرها: ((أيّ كيف ترتّدون وتتركون دينه إذا مات أو قُتل مع علمكم أنّ أتباع الرّسل لابدّ أنَّ يتمسكوا بما جاء به رُسل الله سبحانه([202]).

ونرى أنّ التعبير القرآني جاء موحياً محيطاً بالفكرة ولاسيما في استعمال لفظة {انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} (آل عمران / 144) وهو كناية عن الارتداد والنكوث مما استوجب توجيه اللوم والتعنيف بأبلغ ما يكون التعبير لتسفيه ظنون المنهزمين الذين هيمن عليهم القلق وعصفت بهم الريبة فاستحقوا هذا التأنيب الرادع لهم وإظهار ما هم عليه من ضعف العقيدة وزعزعة إيمانهم بدينهم ونبيهم.

فالآية ميّزت بين فئتين فئة المنهزمين المنقلبين الذين لم يزيدهم انقلابهم إلاّ

[200]ظ: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 4: 222.

[201]الشوكاني: فتح القدير 1: 385، وينظر كذلك جامع البيان 3: 147، الدرّ المنثور 2: 334، كنز الدقائق 3: 231.


صفحه 93

كفراً {لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً} (آل عمران / 176) وبين الفئة الثانية الصابرة المحتسبة الشاكرة لنعمة الله الكبرى وهي الهداية لدينه الذي ارتضاه سبحانه وتعالى وهو الغنيُّ عن العالمين وكلٌّ يفتقرُ إليه.

وغني عن البيان أنّ مرادفات العتاب كاللوم والتهديد والتقريع واضحة من خلال سياق الآية والآيات المرتبطة بها بالمعنى نفسه([203]).

الآية الثالثة

قال سبحانه وتعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (آل عمران/146).

لا ريب أنّ هذه الآية المباركة تؤكد مضمون الآية التي مرّت مناقشتها وهو أنّ أتباع الرُسلِ والأنبياء قد قاتلوا معهم دونما ضعف أو وهن وهذا ما أراده الله سبحانه من المسلمين أنَّ يكونوا مع النَّبي مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم في قتاله للمشركين والمرتدين وإلاّ بم يتبعونه؟

إنّ وجود المسلمين صفاً إلى صف مع رسولهم الأكرم مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم بصبر وثبات يؤكّد إيمانهم وامتثالهم لأمر الله سبحانه لذا فما وقع في (أُحد) استوجب اللوم والعتاب منعاً لما قد يقع مثل ذلك.

وتحمل الآية في طياتها عتاباً ضمنياً ورد في صيغة الإخبار عمّا سبق الرسل والأنبياء ليكونوا لهم أسوة حسنة ففي الآية ((تنبيه للمنهزمين يوم أُحد)) بأنّ لكم

[202]التفاسير والبحوث كلها المتعلقة بهذه الآية تؤكد وقوع العتاب من الله سبحانه وتعالى للمسلمين وإن كان سبب نزولها واضحاً ومقترناً بحديث وقعة أُحد.


صفحه 94

بالأنبياء المتقدمين وأتباعهم أسوة حسنة فكيف يليق بكم هذا الفرار والانهزام([204]).

وفي نظر بعض المفسرين تعريض بما أصاب المسلمين من إرجاف وهزيمة بقتله صلى الله عليه وآله وسلم ([205]).

ونطالع روايةً عن الإمام الباقر عليه السلام إذ قال: ((بيّن الله سبحانه أنَّهُ لو كان قُتل عليه الصلاة والسلام كما أرجفت بذلك يوم (أُحد) لما أوجب ذلك إمّا يضعفوا أو يهنوا كما لم يهن من كان من الأنبياء بقتلهم والله يحبّ الصابرين فينصرهم في العاقبة ويعظمّ قدرهم))([206]).

وغني عن البيان أنّ العتاب حاصل من سياق الآية المباركة وليس هناك ثمة خلاف عن وقوع العتاب منه سبحانه بل الخلاف يقع في تأويل طبيعة الخطاب الكوني الموجه منه سبحانه إلى المسلمين والتعريض بالمنهزمين الذين آثروا الحياة الدنيا على تنفيذ أوامر الله والقتال مع الرسول جنباً إلى جنب.

الآية الرابعة

قوله تعالى: {إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التوبة / 39).

والآية المباركة في معرض الحث على القتال والتحذير من التخلف عن نصرته صلى الله عليه وآله وسلم وهناك إشارة عتاب في صورة تحذير واضحة {إِلاَّ تَنفِرُوا...} ومورد العتاب جاء من الاستفهام الانكاري الدال على التوبيخ

[203]مقتنيات الدرر 1: 210.

[204]ظ: الجوهر الثمين، 1: 382 وينظر كذلك كنز الدقائق، 3: 241، جوامع الجامع 1: 210.

[205]ظ: الصافي، 10: 360، وينظر كذلك بيان السعادة 1: 305.


صفحه 95

والعتاب في قوله تعالى: {أَرَضِيتُمْ} (التوبة/ 38) فيما يراه عدد من المفسرين([207]).

ويشترك العتاب والتنكير والتوبيخ في إرادة المسلمين والمنافقين منهم على وجه الخصوص كما يرى صاحب الميزان إذ يقول: (وفي الآية وما قبلها عتاب شديد للمؤمنين وتهديد عنيف وهي تقبل الانطباق على غزوة تبوك كما ورد ذلك في أسباب النزول([208]).

هذا ما عليه مفسرو الأمامية، أما مفسرو العامة فقد تعاملوا مع الآية المباركة بإبراز العتاب فيها بأنّ الداعي لذلك هو طيب الثمار وعذوبة الماء والهواء واشتداد الحر وكثرة الظلال والثمار كل هذا كان مدعاة للتثاقل وسبباً للتأخر عن الجهاد مما استحقوا اللوم والعتاب للرضا بالحياة الدنيا([209]).

ويؤكد ورود العتاب بحقهم ترك البدار عن توجه الأمر إليهم وانتهاز الرخصة في ذلك.

وهو أمر دعا القرطبي إلى أنَّ يصرّح بأنّ العتاب كان من أجلى مصاديق هذه الآية إذ يرى أنّها نزلت عتاباً لذلك التخلّف الحاصل منهم في غزوة تبوك([210]).

ويرى ابن كثير أنّ فيها شروعاً في عتاب من تخلّف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الغزوة للأسباب نفسها التي أشار إليها السمرقندي آنفاً([211])

على أنّ الخازن يرى أنّ لغة العتاب واضحة فيمن يرى اشتغال الناس لتلك

[206]ظ: شبّر،الجوهر الثمين 3: 74، الكاشف 4: 44، الكرمي، المنير، 4: 87.

[207]الطباطبائي، الميزان 9: 278 – 278، الامثل: 6: 37 – 38.

[208]ظ: السمرقندي 2: 58.

[209]ظ: القرطبي 4: 120.

[210]ظ: ابن كثير 3: 390، التبيان 5: 218 – 219.


صفحه 96

الغزوة مع النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم فعاتبهم الله بقوله: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ} (التوبة / 38) والمعاتبة قد تكون في نظره لوجوب الجهاد ولو لم يكن كذلك لما عاتبهم([212]).

ولذا نجد ابن هشام يجعل هذه الآيات من أسباب نزول سورة التوبة([213])، المصاحب للندم واللوم والتقريع على صنيع فعلهم.

وهذا ما يعضده من يرى أنَّ الاستفهام للتقريع والتوبيخ على ترك الجهاد وأنّه عتاب لمن تخلّف عن غزوة تبوك([214]).

الآية الخامسة

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (المجادلة/9).

حيث نزلت بعتاب جلّي ظاهر تحثّ المسلمين على التحليّ بمكارم الأخلاق والتي تمتد على مساحة كبيرة من الآيات تصل إلى قوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المجادلة /12).

فقد ذهب المفسرون إلى أنّ هذه الآيات نزلت في الأغنياء عندما كانوا يأتون

[211]ظ: علاء الدين البغدادي الخازن (ت 725 هـ) تفسير الخازن (لباب التأويل) 2: 222، دار الفكر، بيروت– لبنان (د.ت).

[212]ظ: ابن هشام، سيرة بن هشام 4: 114.

[213]ظ: الصابوني، صفوة التفاسير 1: 498.


صفحه 97

النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم فيطيلون في مناجاته صلى الله عليه وآله وسلم بحيث يشتغل بهم ويأخذون أغلب وقته صلى الله عليه وآله وسلم مما يؤذي المؤمنين وخاصة المستضعفين منهم، إذ إنه مشعر بامتياز الأغنياء عنهم، فأمر سبحانه بالصدقة عند مناجاته، فلما رأوا ذلك، انتهوا عنه، فنزلت آية الرخصة التي عاتبت الأغنياء وعموم المؤمنين بعتاب لطيف([215]).

ويستنطق بعضهم العتاب من الآية المباركة {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا} (المجادلة/13) من جهة خوف الفقر والعيلة، إذ يكون الاستفهام هنا للتقرير، أي خفتم الفقر والعيلة لأن نقموا ذلك([216]).

إذن كان هناك نوع من العتاب كما يصفه بعض المفسرين أنّه عتاب شديد لصحابة النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين إذ إنّهم تركوا مناجاته خوفاً من بذل المال بالصدقة([217]).

ولكن بعضهم الآخر منهم يرجحّ أنَّ نوع العتاب هنا كان لطيفاً ورقيقاً([218]).

وفي النتيجة أنَّ لهذه الآية وقعاً كبيراً فامتنع الأكثرون عن النجوى وتصدّق

[214]ظ: أبو الحسن علي بن محمد الواسطي الجلالي الشافعي، الشهير بابن المغازلي (ت 483)، مناقب علي بن أبي طالب عليهما السلام ص 255، تحقيق كاظم العزاوي، انتشارات سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إيران – قم، ط 1، 1484 هـ. ش 1426 هـ.ق، الطبرسي، مجمع البيان 8: 318 – 319، شواهد التنزيل 205 – 206، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب، الطبرسي (ت 620 هـ) الإحتجاج 1: 166، انتشارات الشريف الرضيرحمه الله إيران ط1، 1380 هـ، الزمخشري، الكشاف 4: 493، القرطبي، الجامع 9: 193.

[215]ظ: الشوكاني، فتح القدير 5: 190، تفسير الطبري 28: 29 ابن كثير 6: 154.

[216]ظ: محاسن التأويل، القاسمي 7: 55، الطباطبائي، الميزان 19: 189.

[217]ظ: الصابوني، صفوة التفاسير 3: 233.


صفحه 98

من تصدّق([219]) وهو الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام فسأل ووعى وعلم، وانتظم المناخ العقلي بين يدي الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فكف الفضول وتحدّدت الأسئلة([220]).

الآية السادسة

قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد/16).

كان سبب توجه العتاب بشدته للمسلمين في هذه الآية المباركة في ما نقله الطبرسي وغيره من المفسرين أنها نزلت بالمسلمين إذ يقول ابن مسعود ما كان بين إسلامنا وبين أنَّ عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضاً، وقيل: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن بهذه الآية([221]) وكيف ما كان فإن العتاب قد ورد في طيات الآية المباركة.

قال الثعالبي: إن في الآية معنى الحض والتقريع، ورأى ابن عباس أنّ المؤمنين عوتبوا بهذه الآية([222]).

[218]ظ: المجلسي، بحار الأنوار 17: 28.

[219]ظ: د. محمد حسين الصغير، المستشرقون، والدراسات القرآنية ص 29، دار المؤرخ العربي، بيروت – لبنان، ط1، 1420 هـ - 1999 م.

[220]ظ: تفسير أبي حاتم 10: 338، تفسير عبد الرزاق 3: 286، الزمخشري الكشاف 4: 475، القرطبي، الجامع 9: 161، الطبرسي، مجمع البيان 9: 301، زبدة التفاسير 6: 599، الشوكاني، فتح القدير 5: 174.

[221]ظ: الثعالبي، الجواهر الحسان: 3: 299.


صفحه 99

ولا يبتعد الأعمش عن الثعالبي كما يرى مُحَمَّد بن عمر النووي عن ما كان سبباً لعتاب المؤمنين إذ يرى أنّ الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا ليناً من العيش ورفاهية عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا([223]).

في حين من حدد أنّ العتاب كان سببه ما عرض في قلوب المؤمنين من القوة وانتفاء خشوعها لذكر الله والحق النازل من عنده تعالى وتشبيه لحالهم بحال أهل الكتاب الذين نزل عليهم الكتاب وطال عليهم الأمد فقست قلوبهم([224]).

نماذج من آيات عتاب اليهود والنصارى

توطئة

لا يكاد يمر المتدبر في آيات الذكر الحكيم إلا ويجد مساحة واسعة من العتاب واللوم الشديد والتوبيخ العنيف قد صدر بحق طوائف اليهود والنصارى، إذ زخر القرآن الكريم بكثير من الآيات الذاهبة إلى ذلك.

الآية الأولى

قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} (البقرة/44).

عاتب الله سبحانه وتعالى نبي إسرائيل على أوجه عدة: تارة يكون العتاب شديداً في لهجته، وأخرى ضعيفاً، وثالثة فيه نوع من التهديد والوعيد، وفي نظرة إلى مجمع البيان نرى أنّ الخطاب في هذه الآية - كما يرى الطبرسي - أنها موجهة إلى علماء اليهود؛ لأنهم كانوا يأمرون الناس بالإيمان بالنبيّ مُحَمَّد صلى الله عليه

[222]ظ: مراح لبيد، 2: 493.

[223]ظ: الطباطبائي، الميزان 19: 161.