من تصدّق([219]) وهو الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام فسأل ووعى وعلم، وانتظم المناخ العقلي بين يدي الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فكف الفضول وتحدّدت الأسئلة([220]).
الآية السادسة
قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد/16).
كان سبب توجه العتاب بشدته للمسلمين في هذه الآية المباركة في ما نقله الطبرسي وغيره من المفسرين أنها نزلت بالمسلمين إذ يقول ابن مسعود ما كان بين إسلامنا وبين أنَّ عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضاً، وقيل: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن بهذه الآية([221]) وكيف ما كان فإن العتاب قد ورد في طيات الآية المباركة.
قال الثعالبي: إن في الآية معنى الحض والتقريع، ورأى ابن عباس أنّ المؤمنين عوتبوا بهذه الآية([222]).
[218]ظ: المجلسي، بحار الأنوار 17: 28.
[219]ظ: د. محمد حسين الصغير، المستشرقون، والدراسات القرآنية ص 29، دار المؤرخ العربي، بيروت – لبنان، ط1، 1420 هـ - 1999 م.
[220]ظ: تفسير أبي حاتم 10: 338، تفسير عبد الرزاق 3: 286، الزمخشري الكشاف 4: 475، القرطبي، الجامع 9: 161، الطبرسي، مجمع البيان 9: 301، زبدة التفاسير 6: 599، الشوكاني، فتح القدير 5: 174.
[221]ظ: الثعالبي، الجواهر الحسان: 3: 299.
ولا يبتعد الأعمش عن الثعالبي كما يرى مُحَمَّد بن عمر النووي عن ما كان سبباً لعتاب المؤمنين إذ يرى أنّ الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا ليناً من العيش ورفاهية عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا([223]).
في حين من حدد أنّ العتاب كان سببه ما عرض في قلوب المؤمنين من القوة وانتفاء خشوعها لذكر الله والحق النازل من عنده تعالى وتشبيه لحالهم بحال أهل الكتاب الذين نزل عليهم الكتاب وطال عليهم الأمد فقست قلوبهم([224]).
نماذج من آيات عتاب اليهود والنصارى
توطئة
لا يكاد يمر المتدبر في آيات الذكر الحكيم إلا ويجد مساحة واسعة من العتاب واللوم الشديد والتوبيخ العنيف قد صدر بحق طوائف اليهود والنصارى، إذ زخر القرآن الكريم بكثير من الآيات الذاهبة إلى ذلك.
الآية الأولى
قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} (البقرة/44).
عاتب الله سبحانه وتعالى نبي إسرائيل على أوجه عدة: تارة يكون العتاب شديداً في لهجته، وأخرى ضعيفاً، وثالثة فيه نوع من التهديد والوعيد، وفي نظرة إلى مجمع البيان نرى أنّ الخطاب في هذه الآية - كما يرى الطبرسي - أنها موجهة إلى علماء اليهود؛ لأنهم كانوا يأمرون الناس بالإيمان بالنبيّ مُحَمَّد صلى الله عليه
[222]ظ: مراح لبيد، 2: 493.
[223]ظ: الطباطبائي، الميزان 19: 161.
وآله وسلم، ويتركون أنفسهم فقال فيرى أنَّ الاستفهام فيها للتوبيخ والمراد بالبرّ هو الإيمان بمُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وبّخهم الله تعالى على ما كانوا يفعلون من أمر الناس بالإيمان بمُحَمَّد وترك أنفسهم عن ذلك([225]).
وكذا نرى الزمخشري إذ يستشعر بأنّ التوبيخ والعتاب حال ظاهرة في بني إسرائيل بحيث تكون ((الهمزة)) في ((أتأمرون)) للتقرير والتوبيخ والتعجبّ من حالهم، ويجد كذلك التوبيخ عظيماً في قوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (البقرة/44) بمعنى أفلا تفطنون لقبيح ما أقدمتهم عليه حتى يصدّكم استقباحه عن ارتكابه([226]).
وقال صاحب الميزان: (أخذ سبحانه في معاتبة اليهود وذلك في طي نيف ومئة آية يذكر فيها نعمه التي أفاضها عليهم وكراماته التي حباهم بها، وما قابلوها من الكفر والعصيان ونقص الميثاق والتمرد والجحود...)([227]).
لذا نرى أنّ الآيات توجّه الخطاب المتضمن للعتاب الشديد والتوبيخ واللوم والتقريع لبني إسرائيل نتيجة التنوّع في الأعمال المخالفة والخارجة عن خط السماء وتعاليم ما جاء به الأنبياء عليهم السلام وبالذات ما جاء به موسى لقومه إذ شاهد منهم ألوان الألم والأذى، فتارة توبيخ بني إسرائيل على ترك إلتزامهم بالميثاق الذي أخذ عليهم الالتزام به قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ} (البقرة / 83).
ثم تولوا إلا قليلاً منهم كما يصفهم القرآن بذلك في الآية المباركة نفسها قال تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} (البقرة / 83)، وتارة
[224]ظ: الطبرسي، مجمع البيان 1: 125.
[225]ظ: الزمخشري، الكشّاف 1: 162، الأمثل 1: 129.
[226]الطباطبائي: الميزان 1: 151.
أخرى يوّبخهم الله تعالى ويعاتبهم على تركهم لبعض الأحكام الشرعية مع الالتزام ببعضها، قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}([228]) (البقرة / 85).
قال القرطبي في قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} (البقرة/44) (وهذا استفهام معناه التوبيخ، والمراد في قوله: أهل التأويل علماء اليهود)([229]).
قال ابن عباس: كان يهود المدينة يقول الرجل لصهره ولذي قرابته ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين اثبت على الذي أنت عليه وما يأمرك به هذا الرجل – يريدون مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم – فإن أمره حق، فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه، وعن ابن عباس أيضاً كان الأحبار يأمرون مقلديهم وإتباعهم التوراة، وكانوا يخالفونها في جحدهم صفة مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم([230]).
وفي المسألة الثانية يقول القرطبي: ((اعلم وَفقك الله تعالى أنَّ التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر، ولهذا ذم الله تعالى في كتابه قوماً كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها ووبخهم به توبيخاً يُتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} الآية (البقرة/44)))([231]).
ثم استشهد بعد ذلك بقول منصور الفقيه، إذ قال([232]):
إنَّ قوماً يأمرونا
بالذي لا يفعلونا
~
[227]ظ: حسن الصدر، التفسير النافع، 1: 42، دار الكتب العلمية، العراق – بغداد ط 1.
[228]الجامع لأحكام القرآن 1: 254.
[229]المصدر نفسه 1: 254.
[230]الجامع لأحكام القرآن 1: 255.
[231]تفسير القرطبي، القرطبي، ج1، ص366.
نام کتاب :آيات عتاب الانبياء عليهم السلام في القرآن الكريمنویسنده :الكعبي، زين العابدين عبدعليجلد :1صفحه :101
««صفحهاول«صفحهقبلیجلد :1صفحهبعدی»صفحهآخر»»««اول«قبلیجلد :1بعدی»آخر»»
فرمت PDF
شناسنامهفهرست
القول مع اعترافه بوحدانية الخالق، قال تعالى: {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ}(المائدة / 116).
ومن هنا نجد الطوسي يرى أنّ هذا وإنْ خرج مخرج الاستفهام فهو تقريع وتهديد لمن أدعى ذلك عليه من النصارى([235]).
وما يقارب هذا المعنى من توجيه اللوم والعتاب لمن أدعى ذلك على النَّبي عيسى بن مريم عليهما السلام إذ كان هذا محط توبيخهم وتأنيبهم وتكذيبهم([236]).
وقال القرطبي (واختلف أهل التأويل في معنى السؤال وليس هو استفهام وإن خرج مخرج الاستفهام – على قولين: – أحدهما: إنّه سأله عن ذلك توبيخاً لمن أدعى عليه ذلك ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب وأشد في التوبيخ([237]).
ويفترض مير سيد علي الطهراني أنّ هناك سؤالاً مقدراً (فلو قيل: إنّ الاستفهام كيف يليق به تعالى على أنّه تعالى كان عالماً بأن عيسى لم يقل ذلك فكيف بهذا الخطاب؟).
فالجواب: (أنّ هذا الاستفهام توبيخ للقائل، واستفهام لتعيين القائل حتى يجازى)([238]).
وفي بيان السعادة: (الخطاب لعيسى عليه السلام والمقصود تقريع أمته وتبكيتهم والمنظور التعريض بأُمّة مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم....)([239]).
[234]ظ: الطوسي، التبيان 4: 66، الطبرسي، مجمع البيان 3: 335.
[235]ظ: الشريف المرتضى، تنزيه الأنبياء ص 145، الفخر الرازي، عصمة الأنبياء ص 92.
[236]ظ: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 3: 236.
[237]مقتنيات الدرر 4: 123.
[238]السلطان محمد الجنابذي الملقب بسلطان علي شاه (ت 1327 هـ) بيان السعادة في مقامات العبادة 2/119، انتشارات مطبعة جامعة طهران، ط2 / 1344 ش – 1385 ق.
ثانيهما: من يرى أنّ محل الآية في الحياة الأخرة إذ يقول الله يوم القيامة ((ياعيسى)) وهو استفهام يراد به التقريع لمن ادعّى ذلك عليه من النصارى واستعظام لذلك القول([240]).
ومما يؤيد نزول هذه الآية في عتاب النصارى وتوبيخهم ما ورد في عيون أخبار الرضا عليه السلام في أوجه دلائل الأئمة عليهم السلام والرد على الغلاة والمفوضة قوله عليه السلام: (قال الإمام علي عليه السلام يهلك فيّ اثنان ولا ذنب لي، محبّ مفرط ومبغض مفرط وأنا أبرأ إلى الله تبارك وتعالى ممن يغلوا فينا ويرفعنا فوق حدّنا كبراءة عيسى بن مريم عليهما السلام من النصارى، قال الله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ}([241]) (المائدة /116).
ومن هنا نجد الإمام علي عليه السلام يوضح بصريح قوله: إنّ النصارى قد غالوا في عيسى عليه السلام إذ تبرأ من قولهم وفعلهم الذي استحقوا عليه اللوم والتقريع.
الآية الثالثة
قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ* قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً
وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (آل عمران / 98 - 99).
[239]ظ: جوامع الجامع 1: 363، ظ: كنز الدقائق 4: 267، المعين 1: 322، الصافي 2: 101.
[240]الصدوق، عيون أخبار الرضا 2: 217.
ويقول في جامع البيان:
(وقد ذكر أنّ هاتين الآيتين من قوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ…} (آل عمران/98) والآيات بعدهما إلى قوله: {وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (البقرة / 105) نزلت في رجل من اليهود حاول الإغراء بين الأوس والخزرج بعد الإسلام ليرجعوا إلى ما كانوا عليه في جاهليتهم من العداوة والبغضاء، فعنفّه الله بفعله ذلك وقبح له ما فعل ووبخّه عليه، ووعض أيضاً أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، وأمرهم بالاجتماع والائتلاف)([242]).
وقيل: إنّ قوله {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} (آل عمران/98) خطاب لليهود والنصارى، والاستفهام في قوله تعالى: {لِمَ تَكْفُرُونَ} (آل عمران/98) للإنكار والتوبيخ، وقوله {وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} (آل عمران/98) جملة حالية مؤكدة للتوبيخ والإنكار، وهكذا المجيء بصيغة المبالغة في ((شهيد)) يفيد مزيد من التشديد والتهويل، والاستفهام في قوله: {لِمَ تَصُدُّونَ} (آل عمران/99) يفيد فائدة الاستفهام الأول أي: التوبيخ والإنكار)([243]).
ثم أنّه سبحانه وتعالى حاجج أهل الكتاب فوجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمره بخطاب اليهود والنصارى وقيل لليهود فقط.
فيكون (الإحتجاج عليهم بالكتاب لإقرارهم به فكأنّه قيل يا من يقر بأنّه
[241]ظ: الفيض الكاشاني 1: 363.
[242]الشوكاني 1: 366.